بتـــــاريخ : 12/13/2014 3:26:04 AM
الفــــــــئة
  • الآداب والثقافة
  • التعليقات المشاهدات التقييمات
    0 471 2


    الشعر مرآة المجتمع

    الناقل : MOUDNANE | العمر :27

    كلمات مفتاحية  :


    مروان مودنان

    الشعر تأريخ وتعبير

    كنا قد سلفنا الذكر حول أهمية الشعر في وصف الحياة الاجتماعية والتقاليد والعادات التي سادت في العرب إبان الجاهلية، وذلك لما تحدثنا حول المعلقات، وقلنا بأنها صورة ناطقة للحياة الاجتماعية ووصف معبر عن القيم التي تمتع بها الانسان العربي.

    أما في هذا المقال فإننا سنحاول الحديث عن علاقة الشعر العربي بالأحداث الاجتماعية والسياسية التي حدثت بأمتنا، متجاوزين القسم الجاهلي منه، لأن له حديثا لاحقا في مقال خاص، ولأن هذا الموضوع من الضخامة بمكان، ارتأينا أن نعتمد على أسماء مرموقة في سماء العربية، كأبي تمام وأبي الطيب المتنبي، وأحمد شوقي وأحمد مطر.

    يعتبر أبو تمام من أشهر شعراء العربية جمعاء، ومن آلهة الشعر، رغم الاختلاف حول صحة هذه المقولة التي تصرح أنه هو والمتنبي والبحتري لات الشعر وعزاه ومناته، وهو تشبيه غير مقبول لكن النقاد يصطلحون عليه أحيانا، ونحن نتحدث عن صنعة بلغة أهلها، فكان من أبي تمام أنه خرج عن المألوف، فجاء بأبيات غريبة المعاني والاستعارات، وحلق في سماء الشعر العباسي منفردا في حقبته، رغم أنه لم يعمر طويلا، لكنه عاصر عددا من الأمراء والوزراء، وكانت له علاقة مع المعتصم ثامن خلفاء الدولة العباسية، والمعتصم اشتهر في تاريخ الفتح الاسلامي بفتحه لعمورية، وما كانت هذه الواقعة لتخلد بهذا الشكل لولا أن الله قيض للمعتصم أبا تمام يمدحه ويصف ذلك اليوم، وإلا لما كانت ذكرت سوى على هامش التاريخ، وقل من يقرأها، يقول أبو تمام :

    السَّيْفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ** في حدهِ الحدُّ بينَ الجدِّ واللَّعبِ

     بيضُ الصَّفائحِ لاَ سودُ الصَّحائفِ** في مُتُونِهنَّ جلاءُ الشَّك والريَبِ

    وهي أبيات بلغت من الفخر والفصاحة والجزالة الشيء الكثير، وجرى ماء الشعر فيها جريان السيل، وانسابت في المعاني كما ينساب النهر الجاري.

    ثم يستحضر حدثا من التاريخ الاسلامي المجيد، ويعمد إلى مقارنة جميلة بين موقعة بدر، التي حدثت إبان عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وبين الموقعة التي فتح بها المعتصم عمورية، فيقول :

    إن كان بينَ صُرُوفِ الدَّهرِ من رحمٍ** موصولة ٍ أوْ ذمامٍ غيرِ مُنقضبِ

    فبَيْنَ أيَّامِكَ اللاَّتي نُصِرْتَ بِهَا **وبَيْنَ أيَّامِ بَدْر أَقْرَبُ النَّسَبِ

    نجد هذا كذلك عند أبي الطيب المتني، الذي خلد بشعره انتصارات سيف الدولة الحمداني، لأن شعره كان من العظمة بمكان، ولقربه الشديد من سيف الدولة، يقول :

    لكل امرىءٍ مِنْ دَهْرِهِ ما تَعَوّدَا** وعادَةُ سيفِ الدّوْلةِ الطعنُ في العدى

    وَصُولٌ إلى المُسْتَصْعَباتِ بخَيْلِهِ **فلَوْ كانَ قَرْنُ الشّمسِ ماءً لأوْرَدَا

    لذلك سَمّى ابنُ الدُّمُستُقِ يَوْمَهُ **مَمَاتاً وَسَمّاهُ الدُّمُستُقُ موْلِدَا

    سَرَيْتَ إلى جَيحانَ من أرْضِ آمِدٍ** ثَلاثاً، لقد أدناكَ رَكضٌ وَأبْعَدَا

    فَوَلّى وَأعطاكَ ابْنَهُ وَجُيُوشَهُ** جَميعاً وَلم يُعطِ الجَميعَ ليُحْمَدَا

    عَرَضْتَ لَهُ دونَ الحَياةِ وَطَرْفِهِ **وَأبصَرَ سَيفَ الله منكَ مُجَرَّدَا

    وَما طَلَبَتْ زُرْقُ الأسِنّةِ غَيرَهُ **وَلكِنّ قُسطَنطينَ كانَ لَهُ الفِدَى

    وسيجد الدارسون مجموعة من القرائن التاريخية والأحداث التي يذكرها المتنبي، إما في مدحه أو هجائه، وندعوا القارئ الكريم إلى الاطلاع على ديوانه حتى يستشف عظمة شعره أكثر.

    نأتي إلى أحمد شوقي الذي يعده النقاد أحد أهرام المدرسة الاحيائية في الشعر العربي الحديث، وأمير الشعراء، شاعر ولد في قصر الخديوي، ونال الحضوة والمنزلة، ونظم شعرا أبرز فيه علو كعبه وقدرته الشعرية، وخلد مجموعة من الأحداث التي وقت في زمنه، كحادثة نقل السلطان العثماني وأمواله في البارجة الأستانة وسرقة الأموال منها، والتي قرنها بسرقة كنوز الملوك الفراعنة التي اكتشفت في وادي الملوك آنذاك من طرف الإنجليز، يقول شوقي :

    سَكَتَّ  فَحامَ   حَولَكَ   كُلُّ     ظَنٍّ        وَلَو  صَرَّحَت  لَم  تُثِرِ     الظُنونا
    يَقولُ  الناسُ   في   سِرٍّ     وَجَهرٍ        وَمالَكَ   حيلَةٌ    في      المُرجِفينا
    أَمَن  سَرَقَ  الخَليفَةَ   وَهوَ     حَيٌّ        يَعِفُّ    عَنِ    المُلوكِ      مُكَفَّنينا

    وهنا يخاطب اللورد كرنافن، الذي اكتشف قبر الملك توت عنخ آمون، وسرق بعض جواهر، ثم مات بعد خمسة عشر يوما بعدها، فيما سمي لعنة الفراعنة آنذاك، وهي حاثة شهيرة.

    ثم إننا نجد أبياتا لشوقي خلدت في التاريخ لتعبيرها عن معنى عظيم، ولصلاحيتها لغاية الآن، واستمراريتها في الزمن :

    قُـمْ للمعلّمِ وَفِّـهِ التبجيـلا** كـادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا
    أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي **يبني وينشئُ أنفـساً وعقولا
    سـبحانكَ اللهمَّ خـيرَ معـلّمٍ** علَّمتَ بالقلمِ القـرونَ الأولى

    أرسلتَ بالتـوراةِ موسى مُرشد** وابنَ البتـولِ فعلَّمَ الإنجيـلا

    وقوله  عن دمشق الحبيبة التي عانت ومازالت تعاني :

    قُم ناجِ جِلَّقَ وَاِنشُد رَسمَ مَن بانوا**مَشَت عَلى الرَسمِ أَحداثٌ وَأَزمانُ

    مَرَرتُ بِالمَسجِدِ المَحزونِ أَسأَلَهُ **هَل في المُصَلّى أَوِ المِحرابِ مَروانُ

    ويبقى الحديث الآن عن شاعر المنفى أحمد مطر، الشاعر الذي ملك موهبة كبيرة في شتى أضرب الشعر، وإننا لنجد في شعره أغراضا كثيرة من هجاء وغزل وفخر و رثاء، لكن ما يوحدها هو ثيمة الوطن العربي ومعاناته مع الملوك والطغاة والجبابرة بل وحتى مع المواطن الجاهل.

    يقول في لافتة صور بها الحاكم والمنتخب والرئيس والوزير، في مشهد تشمئز له الأنفس، لكنه يقدم دلالة واقعية لحال الساسة :

    رأيت جرذاً

    يخطب اليوم عن النظافة

    وينذر الأوساخ بالعقاب

    وحوله

    يصفق الذباب !

    ويقول في قصيدة أخرى، واصفا أحوال المواطنين في هذه الدول المغلوبة على أمرها :

    أنا من تلكَ الكُرة

    . . . في انقلابٌ عسكري

    أنا من تلكَ الكُرة

    اجتياحٌ أجنبي

    أنا من . . .

    أعمالُ عُنفٍ في كرا تشي

    أنا . . . . .

    حربٌ دائرةٌ

    ثورةٌ شعبيةٌ في القاهرة

    عُبوةٌ ناسفة

    طلقةُ قنا ص

    كمين

    طعنة ٌ في الظهرِ

    ثأرٌ

    هزةٌ أرضيةً في أنقره

    أنا . . .

    من . . .

    تلكَ ا لـ . . .

    . . . كُرة

    ثم يصور الفقر الناتج عن سرقة مقدرات الأمة في هذه اللافتة :


    بعد خطف العربات
    ثم خطف القاطرات
    ثم خطف الطائرات
    أعلن المذياع عن خطف سفينة
    قلت يارب لك الحمد
    على مركبة الفقر الأمينة
    نحن يارب مدى العمر مشاة
    أعلن المذياع فورا
    أن إحدى الحركات خطفت نعلا
    و قادت راكب النعل رهينة
    قلت يارب لك الحمد و شكرا
    ثم شكرا للولاة
    أنقذونا مرة أخرى
    فلولاهم لما كنا مدى العمر حفاة

    إذن كان لهؤلاء الشعراء أثر واضح في تخليد الأحداث والحالة الاجتماعية، إما بطريقة إيجابية أو سلبية، كل حسب رؤاه ومنطلقاته، لكن ما يوحدهم هو قوة الألفاظ وبالغة الأسلوب، وماء الشعر الذي ينساب كما ينساب النهر الجاري.

     

     

    كلمات مفتاحية  :

    تعليقات الزوار ()