الخطاب الشعرى فى عتمة محمود مغربى

الناقل : elmasry | الكاتب الأصلى : الناقد الدكتور مصطفى رجب | المصدر : alwakei.com







بقلم : الناقد الدكتور مصطفى رجب

الشاعر محمود مغربي صوت شعري له مذاقه الفني المتفرد، ولغته الشعرية المتمردة على الأطر المحنطة التي تترامى في كثير من كتابات مجايليه في تراتبية ممقوتة. كما أن لمسارات مغربي التصويرية غرابتها الخاصة التي يكتشفها سامعه أو قارئه من أول بداية تعاطيه مع إبداع هذا الفنان.
وفي ديوانه «العتمة تنسحب رويدًا» يبدأ بقصيدة «من كتاب الوقت» بطريقة تأملية حيث يفكر بصوت مسموع في قضية الوقت وأهميته في حياة الإنسان. وعلى مدى اثنتين وثلاثين مقطوعة يتحدث الشاعر عن الوقت ويخبر في بداية القصيدة كيف أن الوقت ينساب من بين أصابع الإنسان الذي لا حول له ولا قوة ولا يستطيع السيطرة عليه إطلاقاً بمعنى العمر: «من منكم يملك تهذيبه؟».
ثم يتطرق الشاعر إلى همومه الخاصة ويتحدث عن وحدته وغربته الداخلية في مقطع آخر. وهكذا بتنوع المقاطع تتنوع الأفكار التي يقدمها فيتحدث عن سطوة الوقت على الناس والموجودات، فللوقت سيف حين يشهر لا ينجو أحد من سطوته وحين يجىء الوقت لا مفر منه. وحين يأتي الوقت لعمل شىء ما، يجب على الإنسان أن يغتنم ذلك الوقت، فالعمر يخبئ في طياته الحب، وحين يأتي الحب يجب على الإنسان أن يغتنم الفرصة وأن يعشق: «الرحلة موغلة في التيه،
والزاد رفيق!!».
وكما أن هناك وقتا يغزوه الجمال في كل شيء، فهناك وقت يغزوه السوء ويتفشى ذلك السوء في كل شيء حتى بين بعض الناس وبعضهم الآخر.
ساعتها يجب على الإنسان أن يتسامى عن القبح من حوله وأن يصبح كالصوفي الصاعد دومًا في خطواته، ويبتعد شاقًّا طريقه نحو الملكوت الأعلى متأملاً فيما حوله: «الوقت شتاء، والناس معطلة/ فاصعد سلم روحك يا هذا»
ثم يتخذ الشاعر الوقت رمزًا للحياة بأكملها: فللوقت بناء شامخ يجب على الإنسان أن يصعده قابلاً كل تحدياته وطامحًا للمزيد من المجد. ويطالعنا الشاعر بصورة جميلة عن الوقت/ محور تلك القصيدة، يبدو ذلك في قوله:
«للوقت/ هيأت امرأة سطوتها/ تناثر جل الوقت/ وما زالت تصدح في الأركان أنوثتها».
فالمرأة غابت لكن صداها وصدى ذكراها ما زال يضج في أرجاء الوقت/ التاريخ.
ويكمل الشاعر قائلا إن الوقت/ العم/ الزمن/ التاريخ يطحن من يتحداه ويرقص على جثث ضحاياه رغم أنه هو من يغرى الناس بالتحدي ومحاولة الإتيان بالمجد: «للوقت شهوة/ من منكم يدنو من سرتها/ ويعود سليمًا/ ومعافى؟!».
وكما أن للوقت شهوة تنبئ بمصير سيئ فإن له «فوهة» من يعرض عنها سوف ينسى ويطرح بعيدًا عن جنبات التاريخ خاسرًا كل شىء. وذلك الوقت الذي يتخذه الشاعر مرادفًا للحياة بأسرها وللتاريخ والزمن يتخذ أصفياء من البشر يدخلهم حظوته ويحظون بكل ما يشتهون مضمنًا في حديثه أن للوقت اختيارات لكنها اختيارات عشوائية لا تخضع لقواعد ولا لمنطق بل تخضع لمنطق الوقت الخاص ولشهواته، ثم يخبر الشاعر أنه مهما أحس الإنسان بأن الوقت قد ضاع فلا يزال هناك وقت لكل شىء فالحب له وقت لآخر العمر كذلك العلم والمعرفة والثورة وكل المترادفات الحميدة: «للوقت/ متسع للحضور/ عد يا فتى/ كن غيورًا/ كي تقبض بيدك/ على خيط النور!».
وللوقت أسرار لا يعرفها إلا العالمون به كما أن له طلاسم تستعصى على الفهم إلا أن من يفك طلاسم الوقت يدرك كنه الحياة ويعيش في هناء. وكما أن لكل إنسان أجلاً، فللوقت عقارب إن تدرك الإنسان يمت وينثر, ثم يعتنق الشاعر فكرة التغيير والمقاومة في قوله: «للوقت جمرة/ إن تتقدم تقبض/ إن تقبض صرت الفائز/ إن تجبن تتلاشى».
فيجب على الإنسان أن يمتلك الشجاعة في كل دروب الحياة حتى يحصل على العلا والتقدم في حياته. وعلى الإنسان أن يقارن الملذات والمباهج الدنيوية بطريقة محمودة حتى يحوز بموسيقاه العذبة: وللوقت/ الحياة غوايات غير محمودة يلقيها في طريق الإنسان في صورة ملذات وشهوات وعلى الإنسان أن يكون حصيفًا فيعرف ما يطرحه الوقت/ الدنيا من غوايات ومساوئ فيحتاط له حتى لا يهوى. والوقت/ الحياة يدعو للتأمل والتفكر في الذات.. ساعتها يدرك الإنسان الحكمة من كر السنوات عليه وأنه يتجه دائمًا نحو الأفول ولن يصبح شابًّا في يومه أكثر من اليوم السابق ليومه: «للوقت مرآة/ انظر/ وتأمل ذاتك/انظر ما كان/ انظر ما هو كائن/ ما سوف يكون/ تدرك حتمًا/ تدرك جرم السنوات!».
فالحياة عند شاعرنا ترادف الشجاعة والمخاطرة: «إن تصعد/ أدهشك الرطب».. ولا تحتفي الحياة بالإنسان القانع المهتز. والوقت أيضا يحوى بين طياته المجد وعلينا أن ندركه ونحوزه: «للوقت جلال/ أدركه سريعًا/ وأصعد أحد جياده».
وأخيرًا يختم الشاعر قصيدته بأن الإنسان يحيا حياة قصيرة عليه أن يغتنم كل دقيقة فيها بالغًا المجد «قبل مجىء الطوفان».
وفي قصيدة أخرى ترسم حدود العلاقة بين محب ومحبوبته يبدأ الشاعر قصيدته: «مقاطع إليها.. مقاطع إلىَّ» ببداية توحي بتلميحات الارتباط الحسي والجسدي الذي يتحول إلى توحد تام بين العاشق ومعشوقته، وهذا ملمح عام في شعر محمود مغربي في هذا الديوان وغيره، فالمرأة عنده ضرورة حياة، ليس فقط من حيث كونها جليسًا وأنيسًا في مواجهة الوحدة النفسية، ولكن أيضا بوصفها «سكنًا» للمغترب- نفسيًّا- المكدود، وبوصفها مفرجًا مأمونًا للآلام النفسية، فالمرأة بطبعها حلوة الحديث، طيبة العشرة، يجد فيها محمود مغربي دائمًا ما ينشده من هدوء وصفاء وسكن، فهو حين يجلس بجوار محبوبته ليلا تنسيه لذة حديثها همومه وآلامه. يقول مغربى: «من بئرك تصعد آه/ ترتبك اللذة».
ثم يتبادل المعشوقان الكلام والحوار في مساجلة بينهما محاولين سبر غور عشقهما وغرامهما. فتبدأ المحبوبة الكلام وتلوم الشاعر الذي يشقيه البعاد والنوى ليتحول إلى «قطعة سكر في شفتيها» رغم الضني والهجر. ثم تخبره بأنها فنانة ماهرة عالمة بفنون الجسد مالكة أساليب اللذة بين يديها فبخفتها ومهارتها تدهش الشاعر الذي يقترب منها بينما تبتعد هي عنه متمنية أن تمتزج مع محبوبها للأبد: «متى يمتزج الداهش والمدهوش/ متى صعد آن الأبد؟!»
وتواصل المعشوقة لومها لشاعرها المتكاسل الذي لا يريد ولا يقوى على الاقتراب منها بينما تحثه هي على مباغتة حديقتها  وقطف ثمارها الطازحة.
ويستخدم الشاعر ألفاظًا قوية ذات حضور قوى تنم عن الشهوة الحسية والتلذذ الجسدي مثل «ثمارها، النار، نشعل» ثم تعري المحبوبة ومعشوقها أكثر فأكثر كي يقترب منها ويطارحها الغرام: «لا تخف/ سلمى وارف/ الطريق ندى».. وتواصل المحبوبة إلحاحها في صورة رائعة تمزج الحب بالموسيقى وشهوتها بالربابة وشهوته بالناى وتريد منه أن يقتحم أسوارها: «ربابتى نائمة/ فى البعيد البعيد/ ونايك العفى/ متى يوقظها؟!»
وبعد كل تلك السياط الكلامية يأتي المحب ليرد على محبوبته في رد مقتضب ينم عن جبنه وقصر نظره وعدم إيمانه بقوة الحب على التغيير فيقول شاعرنا سبب تململه «والحارس/ مستيقظ/ ما زال» لكن المحبوبة التي ربما يقصد بها الشاعر الوطن لما فيها من مظاهر كالحب والفن والطبيعة والحنو تعود فترجو الشاعر وتعزيه وتحفزه أن يأتي فيشاركها الحب وينبذ الهجر بعيداً عن واحتها، وتتعدد المقاطع التالية التي تناجي فيها المحبوبة محبوبها وترجوه الوصال. ثم تستمر المقاطع راسمة تلك الصورة التي عليها الأرض المحبوبة التي تبدو وكأنها تخاطب حجرًا أصم أو ميتًا منقطعًا عنها يحجبه موته. ثم يتحول التوسل لتقريع ولوم فتتساءل المعشوقة لم يتحول الحبيب في حضرتها لعاشق بليد لا يعرف شيئًا عن فنون الحب ولا يقوى على اقتحام مغارات شوقها العميقة. لكن الشاعر لا يستجيب للمحبوبة تاركاً إياها للتوسلات الرهيبة وللوحشة والآم الشوق.
ويتبدى لنا حضور أنثوى طاغٍ في الجزء المعنون: «من كتاب الأنثى» ففي قصيدة «سيدة(1)» يتمثل الشاعر بصورة السيدة التي تنتظر معشوقها وتطغى عليها اللهفة وتتنظر معشوقها وتستحثه على النهوض وتشكو لله تقاعسه وانخفاض همته.
ويصور الشاعر خيرة هذه السيدة التي دفعنا حضورها الطاغي لاعتناق فكرة أنها تمثل الوطن. وهي تعيش في عالم تتدافع الأمم عليها فيه، فهي تخطو فوق الماء/ بلا مدد, بينما طالت الغربة والتغريبة كل معشوقيها وأبنائها وشعبها وصاروا كالصم لا يلبون لها نداءً. وتتراوح الصور التي تؤكد وتبين شيوع اليأس في نفس المحبوبة/ السيدة/ مصر: « فالأرض ثوب ضيق عليها.. والأيام بلا لذة.. واللذة ما عادت تنبت في الأشياء كما كانت» وتستمر السيدة في حالة الانتظار لعاشق/ ثائر يأتي ليحررها من ألم الصبوة وانكسارات الروح لكنه لا يأتي خاذلا وطنه/ محبوبته: «طائر هدم عشه/ في لحظة نزق/ بدد كنزه!»..
وفي قصيدة «سيدة(2)» يتكرر مرة أخرى الحضور الأنثوي بكل ما يعطيه من دلالات معنوية من جمال ودلال وقلة حيلة في انتظار المخلص الذي تستند إليه عند كر الأيام، ويعتنق الشاعر فكرة الثورة على الأوضاع الحالية وعلى حال السيدة التي تعبت من الانتظار فيستخدم ضمير المخاطب في كلامه عن البعيد/ المحبوب/ الشعب علّه ينهض من غفوته ويرجوه أن يتحرك لتحرير السيدة/ الوطن: «قدم قربانك/ أدخل حجرتها ما لذ وطاب/ رويدًا فجر ماءك تشتعل الصحراء».
ويقدم بعد ذلك الشاعر مقطوعة وصفية لهذه السيدة التي سئمت من الانتظار في صور جميلة تنم عن رقتها وشموخها: «إن خاصمك العالم/ تكفيك/ وإن داهمك ملاك/ يحصى سكناتك/تستر عريك!».
ثم يخاطب الشاعر أن على المحبوب/ المخاطب/ الشاعر أن يثور وألا يجعل الوطن ينتظر ويتوسل أكثر حتى وإن كانت نتيجة الثورة هي الحبس والتنكيل فكل ذلك عذب جميل في سبيل الوطن حتى: «تتسع الزنزانة فيك».
ثم ينتقل بخفة الشاعر في قصيدة «سيد (3)» ويحول ضمير المتكلم ليصبح المحبوب/ الشاعر من يتكلم فيسرد الشاعر كيف  تأثر المحبوب بكلام محبوبته وكيف أنه لن يتوارى منها بعد الآن بل يثور ويوقظها من غفلتها: «إني ولد يتسلل ليلاً/ يدخل بستانك عدوًا/ لا يرهبه حراس الأسوار!». ثم يقرر أخيرًا: «يوقظ طائر همسك/ ويعيد لبوحك/ وهج نشيد الإنشاد».
وفي «نشيد العاشق» يخاطب الشاعر معشوقته التي يسميها «إيمان» ثم ينشد نشيدًا في كل حرف من حروف اسمها، فالحرف الأول: «ألف» رمز للشموخ واللهيب ويحوى داخله صبابات لا يعرفها سوى العشاق فهو حرف: «يسكنه الطيش/ فيصعد موسيقى الليل وحيدًا» ثم هناك الحرف الثاني: «ياء» الذي يرمز لعيني المحبوبة بكل ما تحويان من حب وغرام وسحر وزرقة كالبحر وصمت وحكى وتدله وتدلل. و«الميم» تجمع في تلك الفتاة كل جمال ودلال لدى أي فتاة أخرى بل تزيد عليهن: «فيك رأيت كل اللواتي قد عرفت/ بل يزيد!».
والحرف الرابع «ألف» يدل على أن محبوبته تجلّ لنور الخالق وأن محبتها من محبة الخالق فهو الذي سكب محبته في روحها فعشقها مخلوقاته. وأخيرًا «النون» وهو الحرف الداعي إلى الحب المبشر بجمال العشق الجاعل فن المحبوبة مرادفًا للوطن وللإيمان: «ما أجمل أن يبكى رجل/ في حضن امرأة/هي الإنسان/ هي الموسيقى/ هي الإيمان والوطن!»
ثم تمتد الفكرة السابقة في قصيدة «يا مجنون» التي هي عبارة عن خطاب من الفتاة لعاشقتها تخبره فيه بأنها هي الأخرى قد وجدت في ظل العشق وطنًا يحتويها وحبيبها، وأن تحيا حياة ناعمة جميلة في ظل ذلك الحب.
ثم تطالعنا قصيدة «من أحاديث البنت» التي تبدو مثل نسخة من قصيدة «مقاطع إليها॥ مقاطع إلىّ» فتتكرر تقريبًا كل الصور التي في القصيدة الأولى مع استخدام نفس الألفاظ بلا تغيير يذكر، ووجود نفس الفكرة من الحبيبة المتوسلة والحبيب المستعصم। وفي «قصائد قصيرة» ينتقل الشاعر بنا من فكرة لأخرى . أما في قصيدة «عجوز» فيستشرف الشاعر المستقبل في ألفاظ توحي بالكآبة، فالشاعر قد باغته مرور السنين وصار شيخًا، غير أنه وإن صار وحيدًا فإن البنت التي باغتته وتوسلت إليه هي رمز للوطن وستظل في انتظاره للأبد: «في حديقتي ستكتب/ وفي عيوني حتمًا/ تقيم!».