الأصابع الخفية في معضلة سيناء المصرية: ابحث عن الإيراني!

الناقل : elmasry | الكاتب الأصلى : عبدالله كمال | المصدر : www.middle-east-online.com

كل الخروقات والمشاكل الأمنية التي واجهتها مصر من جهة غزة كانت للإيرانيين يد فيها. ربما هذا ما يفسر ردود الفعل الخافتة للإخوان المسلمين على المواجهة الأخيرة بما تشير إليه من علاقة حماس، ربيبة الأخوان وإيران، بالموضوع.
 
ميدل ايست أونلاين

بقلم: عبدالله كمال

في صباح اليوم التالي لتنحي الرئيس المصري محمد حسني مبارك عن موقعه التليد الذي حكم به مصر 30 عاما كاملة، اعتبرت الطبعة العربية من صحيفة «كيهان» الإيرانية أن تنحي الرئيس هو سقوط لمعاهدة «كامب ديفيد». وعلى الرغم من أنه من الناحية القانونية لا توجد معاهدة بهذا الاسم، والمقصود هو «اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل»، فإن هذا كان يشير إلى أن البناء الاستراتيجي للموقف الإيراني من الأحداث المصرية في يناير وفبراير الماضيين، كان يقوم على التخلص من هذا المقوم المحوري الذي يستند إليه نظام الأمن الإقليمي.
في اليوم التالي، كان أن أعلن المجلس الأعلى العسكري ـ الذي تولى شؤون الحكم في مصر بعد مبارك - أنه يتمسك بمختلف الاتفاقيات والمعاهدات التي وقعتها مصر. بالضبط كما فعل حسني مبارك نفسه يوم 14 أكتوبر 1981، حين قال ذلك بعد أن تولى الحكم عقب اغتيال السادات. لكن نفس الصحيفة الإيرانية لم تملك نفسها ونشرت افتتاحية بقلم سامي البغدادي عنوانها: «الله يخرب بيوتكم».. منتقدا هذا الإصرار على الإبقاء على كامب ديفيد.. ومن ثم شنت الصحيفة هجوما متكررا على القيادة المصرية الجديدة، وهاجم لاريجاني القيادة العسكرية، وحذر الشعب المصري من خداع العسكر.
وقالت الصحيفة في هذه الآونة معبرة عن القوام الرئيسي لتوجهات السياسة الخارجية الإيرانية.. إن موقع مصر الطبيعي هو بين دول الممانعة ولا طريق لها غيره. وقال الكاتب مهدي منصوري: إن على مصر أن تستعيد مكانتها من خلال مقارعة العدو الصهيوني.
قبل هذا ببضعة أيام، كان مرشد الثورة الإيرانية آية الله خامنئي قد ألقى خطبة جمعة، حرص على أن تكون بالعربية، ووجهها للشعب المصري، وهاجم فيه النظام المصري الذي اعتبره خائنا عميلا وأكبر حامٍ للصهيونية، وخاضعا للولايات المتحدة، واتهمه مجددا بأنه ساعد الولايات المتحدة وإسرائيل في حرب غزة.
هذه التمهيدات المبكرة كانت تجسيدا واضحا على الدور الذي لعبته الأصابع الإيرانية مستغلة حالة الغضب الداخلي في المجريات المصرية، سواء بشكل مباشر أو عن طريق الدعاية السياسية، وذكرت بأن أحد تحديات السياسة الخارجية المصرية في العصر السابق، والتي دفعت بعض فاتورتها في «يناير - فبراير» الماضيين، هو المواجهة التي دخلتها ضد إيران منذ وقت مبكر وربما من اللحظة الأولى لحكم الرئيس السابق مبارك..الذي سرعان ما ساند العراق في حربه ضد إيران، على الرغم من أن عراق صدام كان يقود جبهة الصمود والتصدي المناوئة لاتفاقية السلام مع إسرائيل.
وفيما بعد انتهاء حكم مبارك، فإن صحفا إيرانية لم تزل تهاجم «حكم العسكر» في مصر وتتعامل مع هذا الواقع بأنه يمضي في نفس المنظومة الإقليمية.
وقد كان تدخل آية الله خامنئي العلني السافر مع مجريات مصر في يناير ـ فبراير الماضيين نوعا من الثأر من إدارة مبارك. انعكس في المقابل على الأرض بحديث مصادر مختلفة عن خروقات قامت بها عناصر إيرانية للأرض المصرية إبان مظاهرات الغضب.
كما أن معلومات مختلفة رصدت عناصر غير مصرية تورطت بشكل أو آخر في استغلال حالة الفوضى التي أسفر عنها تفجير الغضب المصري يوم 28 يناير الماضي، وقد كان أكبر دليل على هذا هو الجهوزية المرتبة، والتي أدت إلى هروب المتهم الأول في خلية حزب الله وأحد قيادات حركة حماس من مصر فور اعتراء الفوضى للأمن في السجون المصرية.. وحتى هذه اللحظة لا توجد تفسيرات واضحة ليس فقط لعملية الهروب ولكن أيضا للطريقة التي تم الترتيب بها لها كما لو أنهما كانا يعرفان الموعد، بحيث وجدنا المتهم الأول في قضية حزب الله يتحدث بعد ساعات على شاشات التلفزة من بيروت.
لا أعتقد أنه يمكن لمصر الحالية أن تعلن بصورة صريحة أنها في مواجهة مع تهديدات إيرانية، وفق ما كانت تتعامل مع الأمر إبان حرب غزة، لكن المؤكد أن الهدف الإيراني الإقليمي الساعي إلى تغيير في معادلات الإقليم، وكان يعتقد أن تنحي مبارك سوف يؤدي إليه، إنما انكشف مجددا من خلال علاقات تحتية مع تنظيمات موجودة في قطاع غزه.. ليست هي حماس على أي حال.. وإن استفادت من المناخ الذي خلقته في القطاع. تلك التنظيمات هي التي تقول تحليلات أنها سعت إلى تفجير الوضع على الحدود المصرية ـ الإسرائيلية.. توتيرا لتلك الجبهة وفي نفس الوقت من أجل تخفيف الضغوط عن الحليف الإيراني في سورية الذي يواجه ساعات الحسم ولحظات الاختبار الأخيرة.
في كل مرة تعرضت فيها سيناء للتهديد الاستراتيجي في السنوات الأربع الأخيرة، كانت هناك أصابع إيرانية، أو دور ما على المستويين السياسي والإعلامي، وتحديدا منذ تحفز نحو 750 ألف فلسطيني لاقتحام الحدود المصرية والبقاء في شمال سيناء أربعة أيام على الأقل، قبل أن تتمكن الجهات المصرية المختلفة من إعادتهم من حيث جاؤوا.. ولكن بعد أن عثرت جهات الأمن المصرية على خلايا لحركة حماس في قلب الصعيد وتحديدا في أسيوط وبني سويف.. وبعد أن أصبح مطروحا منذ هذا الوقت سيناريو تهجير الفلسطينيين إلى شمال سيناء لحل المشكلة الديموجرافية على حساب مصر.
وفي المرة الثانية، بعد ذلك بنحو عامين كانت إيران طرفا حيويا في الحرب الإعلامية والسياسية على مصر، بينما كانت إسرائيل قد شنت الحرب على غزة، حيث كانت غزة تتعرض للهجوم العبري، بينما مصر تواجه اتهاما بالخيانة، وعدم تقديم العون لأنها تغلق المعبر ولا تريد أن تفتح الحدود أمام حماس.. وشعر المصريون بأن الحرب في مواجهتهم لا مواجهة الفلسطينيين، وطولبوا بالخوض في حرب ضد إسرائيل تماما كما طولبوا بالمشاركة في الحرب على لبنان في العام 2006، ولأن مبارك لم ينجرف إلى هذه الحرب فإن آية الله خامنـئي قد اعتبر في خطبته الشهيرة بالعربية أن موقفه في حرب غزة كافٍ لكي يسقطه الشعب المصري.
في العام الماضي، وبعد حرب غزة، وفي خطابه في عيد الشرطة 2010، كان أن تحدث مبارك عن هذه التهديدات والحملات.. وقال: رغم جهود مصر المتواصلة لإحياء السلام ولتحقيق الوفاق الفلسطيني فإننا نتعرض لحملات مكشوفة من قوى لم تقدم يوما ماقدمته مصر لفلسطين وشعبها وتكتفي بالمزايدة بالقضية الفلسطينية والمتاجرة بمعاناة الفلسطينيين. وقال مبارك وقتها إن مصر لا تقبل الضغوط والابتزاز ولا تسمح بالفوضى على حدودها أو بالإرهاب والتخريب على أرضها..لدينا من المعلومات الموثقة الكثير.. والذين يقومون بهذه الحملات وينظمون مهرجانات الخطابة للهجوم على مصر في دول شقيقة بيوتهم من زجاج ولو شئنا لرددنا لهم الصاع صاعين ولكننا نترفع عن الصغائر.
لكن مصر تعرضت للكبائر التي لا تستوجب الترفع، وأدت إلى تنحي الرئيس السابق، كما أن المسألة انتقلت من مهرجانات الخطابة إلى حد التحفيز على التمرد داخل سيناء وتعضيد الاتجاهات السلفية الجهادية بالمال والسلاح، وتحويل مشكلة التنمية في شبه الجزيرة المصرية إلى تحدٍ خطير، بلغ ذروته في منتصف يوليو الماضي حين استعرضت مجموعات مسلحة نفسها بسيارات رباعية حديثة وأسلحة ثقيلة وكمية هائلة من الذخيرة في العريش، ما أدى إلى مقتل عدد من الضباط والجنود.
لقد أدى هذا الاستعراض الشديد الخطورة في مواجهة سلطة الدولة إلى قيام حملة عسكرية شرطية مصرية واسعة النطاق، جرى فيها تنسيق معلن مع الجهات الإسرائيلية في ضوء التزامات بنود اتفاقية السلام المصرية ـ الإسرائيلية، واندفع ما لا يقل عن ألف جندي مصري لتمشيط مناطق وسط وشمال سيناء بهدف فرض السيطرة وملاحقة العناصر السلفية الجهادية، حيث تبين أن هناك كمية مهولة من الأسلحة والعناصر..ما دعا البعض إلى اعتبار أن سيناء قد أصبحت بيئة لتنظيم القاعدة وهو أمر غير صحيح.
وصاحبت هذه العملية الأمنية الميدانية عمليات تحقيق واسعة النطاق تجري بالفعل الآن في كل من العريش والإسماعيلية والسويس مع العناصر التي ضبطتها الحملة المصرية، حيث تكشفت معلومات مهولة.. بشأن التمويلات والتسليح والبنى التنظيمية واتجاهات التكفير.
لقد فرضت هذه الأوضاع المتأججة على المجلس العسكري الأعلى، باعتباره قيادة الجيش، أن يتصدى لمهمته الأساسية وهي حماية الحدود، في الوقت ذاته الذي يقوم فيه بإدارة العمل الداخلي بكل تعقيداته.. وبينما كان يتعرض للانتقادات الداخلية من قوى معارضة غير راضية وتسعى إلى تحقيق مزيد من المكاسب.. فإنه كان عليه أن يتصدى لمهمة حيويه في سيناء لاتزال مستمرة..ثم تداخلت عناصر إقليمية من أجل تعقيد الخيوط المتشابكة وفرض تحديات جديدة على اتفاقية السلام من خلال العملية التي راح ضحيتها عدد من العسكريين الإسرائيليين قرب إيلات.. وتلتها التحركات العسكرية الإسرائيلية الحمقاء على الحدود مع مصر ما أسفر عن استشهاد ضابط وثلاثة جنود مصريين.
الصورة بهذه التقاطعات المحلية والإقليمية تشير إلى عدة أبعاد:
* كما أنه لدى إسرائيل تحديات داخلية تواجه حكومة نتانياهو، فإن لديها تحسبات مروعة من تفاعلات الإقليم العربي من حولها.. سواء في مصر وسورية على حدودها.. أو في مناطق أخرى تؤثر في مناخ الإقليم.
* لدى إسرائيل معضلات حقيقية مع الأمواج الهادرة في الواقع المصري، فهي متقاطعة مع المناقشات الداخلية حول تصدير الغاز الطبيعي وتسعيره.. وهي متقاطعة مع المصالحة الفلسطينية التي تديرها مصر.. وهي متقاطعة مع مسألة المعبر التي تريده حماس مفتوحا بشكل دائم بين مصر وغزة.. وهي متقاطعة مع الشعور المتنامي ضدها في ما بين التيارات الدينية واليسارية المصرية.. ومتقاطعة مع الأصوات التي تطالب بإعادة النظر في اتفاقية السلام المصرية ـ الإسرائيلية.
* قوى الممانعة الإقليمية المنزعجة من إصرار قيادة مصر على التمسك باتفاقية السلام.. والتي تواجه مشكلات معقدة على الصعيد السوري، وأيضا التحديات القانونية التي يتعرض لها حزب الله على خلفية عملية اغتيال رفيق الحريري واستحقاقاتها.
لقد عبرت مصر أزمة جوهرية مع إسرائيل بعد سقوط الشهداء العسكريين المصريين برصاص إسرائيل على الحدود، وتمكنت من أن تحصل على اعتذار إسرائيلي عن هذا قبل أن يتم التحقيق الذي طالبت به وعقب الاحتجاج الذي تقدمت به بنحو عشر ساعات، بينما تركيا لم تنل اعتذار إسرائيل.. بعد ما يزيد على عشرة أشهر على عملية قتل بعض مواطنيها على متن السفينة الحرية التي كانت تتجه لاختراق الحصار على غزة.
وعلى الرغم من أن مصدرا مصريا اعتبر هذا الاعتذار غير كافٍ فإنه أحدث ارتياحا نوعيا فيما بين فئات الرأي العام المصري، جعل الكثيرين يتخطون الارتباك الذي ألم بمجلس الوزراء المصري الذي أصدر بيانين، أحدهما قال فيه إنه استدعى السفير المصري في تل أبيب، وهو ما لم يكن قد تم اتخاذ قرار به.. ما اضطر المجلس لأن يقول إن هذا غير صحيح.. بقدر ما وقع هذا فإن ذلك لا ينفي أن «معضلة سيناء» تلقى بظلالها على الأوضاع الداخلية المصرية.. وعلى أبعاد ذلك إقليميا.
إن الموقف الآن هو أن الجيش المصري يريد استقرارا وأمنا في شبه الجزيرة لا يجعلها ثغرة في جدار الأمن القومي المصري ولا يجعلها في ذات الوقت ورقة يمكن استخدامها في التوظيف الإقليمي لتحقيق أهداف أخرى ضد مصر، ومن أجل تحقيق أهداف إقليمية متنوعة.
وبينما العملية العسكرية الأمنية، التي تضافرت فيها جهود الجيش والشرطة في سيناء، مستمرة وسوف تبقى لفترة ممتدة، ولا أعتقد أنها سوف تنتهي قبل أن تنهي حالة قديمة وتقر واقعا جديدا، فإن المجلس العسكري الأعلى يتجه إلى إقرار مشروع قانون لتنمية سيناء ينزع به الفتائل المفجرة من البيئة الاجتماعية في المنطقة التي تفتقد إلى العدالة في التنمية ما بين القطاع الجنوبي المزدهر والقطاعين الأوسط والشمالي المحتاجين للمزيد.
لقد قالت مصادر موثوقة.. إن مشروع القانون سوف يتضمن تحفيزات لخلق عملية تنموية واسعة النطاق ولاتقتصر على البناء السياحي وتشمل البنية التحتية وعمليات التوطين..وهو ما يحول سيناء من مشكلة إلى أرض الفرص، حين يجد هذا القانون طريقه إلى النور.
وفي ذات الوقت، فإن هذه التفاعلات في سيناء ألقت بظلالها على وضعية التيارات الدينية داخل مصر، في ضوء أن القلاقل الجارية في سيناء منسوبة إلى فئات محسوبة عليها.. وهو ما يفسر الحضور الخافت لـ «الإخوان المسلمون» في ردود الأفعال على ما جرى في سيناء.. خشية أن تلتصق بربيبتها حركة حماس في قطاع غزة.
وبينما لقيت الاتجاهات التي كانت تنتقد حديث المجلس العسكري الأعلى عن خطط خفية لتقسيم مصر، لقيت صدمة في رفضها لهذه الأفكار بعد أن تجسد الخطر واقعا في سيناء، فإن نفس الموضوع قد أدى إلى تقوية الزخم الرافض للدولة الدينية..وإعطاء دفعة أكيدة للاتجاهات المطالبة بمدنية الدولة والتأكيد على ذلك في وثيقة فوق دستورية..إذا تبدت مخاطر الدولة الدينية قبل أن يصل أي مطالب بها إلى أغلبية مجلس الشعب المصري.
عبدالله كمال
كاتب سياسي مصري