جنينة يسأل النائب العام عبر "بوابة الأهرام" لماذا التستر على فساد مرعى؟

الناقل : فراولة الزملكاوية | الكاتب الأصلى : هشام عبد اللطيف | المصدر : gate.ahram.org.eg

في حواره مع "بوابة الأهرام" تعجب المستشار هشام جنينة، رئيس محكمة استئناف القاهرة، من الصمت تجاه ممدوح مرعي، وزير العدل السابق، وعدم التحقيق معه أو تقديمه للمحاكمة رغم أن حجم الفساد في ظل قيادته للوزارة، كان أكبر بكثير من فساد وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي.
أهمية الحوار معه لا تنبع فقط من كونه قاضيًا يستطيع أن ينير أمامنا الطريق لتحديد الاتجاه الذي تسير فيه محاكمة مبارك والعادلي، بعد ما شاهدناه في جلساتها الأولى عبر التلفاز قبل وقف البث، ولكن باعتباره من أهم رموز تيار الاستقلال القضائي والذي اقترب بموجبه من أحداث وأسرار مهمة خاصة بوزير العدل السابق ممدوح مرعي والأسبق محمود أبو الليل، وأيضا خاصة بشيوخ القضاة الذين أدار نظام مبارك الدولة من خلالهم لتحقيق مآربه وللتغطية على فساده.
وكان هذا الحوار مع المستشار هشام جنينة، رئيس محكمة استئناف القاهرة.


حيث تحدث جنينة في صداره الحوار عن فساد وزير العدل السابق ممدوح قائلا: إن عدد البلاغات المقدمة ضد ممدوح مرعي، وزير العدل السابق، وصلت إلى 52 بلاغًا مقدمة مني، ومن مستشارين، ونواب بمحكمة النقض، ومحامين عموم، ووكلاء نيابة، ومحامين، تتهم مرعي بالفساد المالي والإداري فترة توليه منصبه قبل إقالته، وتم تقديم تلك البلاغات في الأيام الأولى لثورة 25 يناير، والسبب في تقديم كل هذه الكم من البلاغات ضد مرعي أن الدور الذي لعبه ممدوح مرعي في إفساد الحياة السياسية بمصر لا يقل خطورة عن الدور الأمني الفاسد الذي لعبه حبيب العادلي وزير الداخلية الأسبق، فحبيب العادلي كان الذراع الأمنية لمبارك وكان مرعي هو الذراع القانونية أو القضائية، حيث كان مرعي يسيس القضاء لتحقيق مآرب النظام على حساب صورة القضاء، فقد كان النظام دائما يرتكب جرائم الفساد ويحتمي خلف ستار السلطة القضائية ليصور أنه كل شيء تم بالقانون وبكلمة القضاء وهو ستار زائف كان نظام مبارك يظهره للخارج والداخل ليزعم للجميع أن القضاء هو المسيطر وهو صاحب الكلمة ويهرب من فكرة الرقابة الدولية على الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية التي كانت تجرى بالتزوير بشكل فاضح، وكان ممدوح مرعي هو الذي يقوم بهذا الدور للنظام السابق، وهو أمر مؤسف للغاية لأنه كرجل قضاء سابق لم يحترم اليمين الذي أقسم عليه عند بداية عمله باحترام القانون والدستور ولكنه تحول إلى أداة هدم للقانون والدستور.


وشدد جنينة على أن هذا الدور المشين ليس غريبًا على شخص مثل ممدوح مرعي، فتاريخه القضائي حتى قبل أن يصبح وزيرا للعدل، يشهد بأنه كان لديه استعداد لذلك فتاريخه مع القضاة كان مريرًا، والقضاة عاصروه حينما كان مديرًا للتفتيش القضائي بوزارة العدل، وعلموا كيف كان يبطش بالقضاة وينكل بهم، ونهجه هذا استمر حتى بعد أن أصبح وزيرًا للعدل، وعلاقته عموما بالقضاة كانت غير طيبة، وهذا هو سبب اختياره من قبل النظام السابق للبطش بالقضاة بعد الموقف القوي لنادي القضاة إبان رئاسة المستشار زكريا عبد العزيز له، وتم استبعاد القاضي والوزير الجليل محمود أبو الليل الذي نعلم جميعا مدى نزاهته وقدره، فقد فضل أبوالليل التضحية بمنصبه وبقائه في الوزارة على أن يكون فزاعة للقضاة في يد النظام .
وحكى جنينة قصة تضحية أبو الليل بمنصبه قائلا: حينما كان أبو الليل وزيرًا للعدل، استطعنا أن نقنعه بضرورة نقل تبعية التفتيش القضائي من وزارة العدل إلى مجلس القضاء الأعلى، فقال أبو الليل إنه مقتنع بهذا ولكن هذا القرار لا يملكه وحده ولابد من الرجوع بشأنه للحكومة، ولأن أبو الليل كان مؤمنًا باستقلال القضاء، فقد استطاع أن يقنع أحمد نظيف، رئيس الحكومة، وقتها بنقل تبعية التفتيش القضائي لمجلس القضاء الأعلى، ووافق نظيف على هذا وطلب اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لهذا، فقام أبو الليل بإرسال خطاب مكتوب وموقع منه إلى القاضي فتحي خليفة، رئيس مجلس القضاء الأعلى وقتها، بموافقته على نقل تبعية التفتيش للمجلس، ولكن بعد ذلك فوجئ أبو الليل بمكالمة هاتفية من زكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية السابق، أخبره بأن جمال مبارك نجل الرئيس السابق يريد أن يلتقيه بمكتبه في دار الدفاع الجوي، ولما استفسر أبو الليل من عزمي عن سبب اللقاء، أخبره بأنه بشأن نقل تبعية التفتيش القضائي فتعجب أبو الليل من علاقة جمال مبارك بهذا لأنه ليس ذا سلطة في الدولة، ومع هذا قال لزكريا عزمي إنه لابد من أن يحضر معه في هذا اللقاء المستشار سري صيام، مساعد وزير العدل للتشريع، وقتها لأنه هو الذي حضر مناقشات اللجنة المكلفة بتعديل قانون السلطة وهو الأقدر على الاجابة عن أية أسئلة، وتم اللقاء بالفعل ففوجئ أبو الليل بجمال مبارك يسأله: انتو ازاى توافقوا على نقل تبعية التفتيش لمجلس القضاء؟...هو احنا قادرين على القضاة وهم كدة رايحين كمان تدوهم التفتيش؟"، وقال لأبو الليل بصيغة الأمر :"لازم تسحب الموافقة دي فورا"، فما كان من أبو الليل إلا أن رفض وقال له ":أنا مش صغير عشان أعطي موافقة وبعدين اسحبها"، فكان هذا هو الموقف الذي أطاح بأبو الليل من الوزارة وجاء مرعي، وتم اللجوء للخروج من المأزق إلى فتحي خليفة، رئيس مجلس القضاء الأعلى، وطلب منه أن يرفض قبول تبعية التفتيش القضائي لمجلس القضاء، ففعل هذا فورًا بعد أن وعدوه بمد السن، ولكن بعد أن فعل ما طلبه منه النظام لم يمدوا له السن وخرج على المعاش وتم المد لمقبل شاكر الذي خلفه في رئاسة مجلس القضاء، والأمر المحزن في تلك القصة أن نجد وزيرًا في الحكومة يضحي بمنصبه من أجل استقلال القضاء، بينما قاض وهو رئيس مجلس القضاء الأعلى يضحي باستقلال القضاء مقابل إغراءات النظام له بمد السن.



وأكمل جنينة قائلا: مرعي خلف أبو الليل في المنصب وشتان بين هذا وذاك فرغم شرف ونزاهة أبو الليل التي سجلها له التاريخ، فإن مرعي أقدم على كل المفاسد مستغلا منصبه، ورغم هذا فلا نعلم حتى الآن مصير بلاغاتنا ضده رغم تقديمنا لها منذ 6 أشهر، فلا تزال البلاغات تراوح مكانها ولا نعلم السبب، وقد تقدمنا بها في البداية للنائب العام وتم سؤالي فيها أمام محامي عموم بمكتب النائب العام واستشهدت بشهود إثبات على فساد مرعي المالي والإداري والإضرار العمدي بالمال العام، ولكن حتى الآن لم يتم استدعاء هؤلاء الشهود ولا سؤالهم وهو أمر مريب، ورغم كل تصريحات وزير العدل الحالي في الإعلام عن انتداب قاض للتحقيق مع مرعي، فنحن لا نلمس نتيجة فعلية، و"أنا حزين وأتعجب من أنه تم التحقيق في فساد مبارك وأكبر رموز نظامه وتقديمه للمحاكمة، بينما يتم الصمت على ممدوح مرعي لأسباب غير مفهومة" ، فالبلاغ قدمناه للنائب العام وانتدب محامي عموم واستمع لأقوالنا وعندما استشعر النائب العام الحرج من استدعاء الوزير لسؤاله بحكم العلاقة قريبة الصلة بينهما بسبب طبيعة العمل، فطلب من وزير العدل الحالي ندب قاضٍ للتحقيق، وبالفعل انتدب القاضي عمر مروان، رئيس محكمة استئناف القاهرة، وبدأ التحقيق ولكن حينما اتصلت بهذا القاضي لأستعلم عن سير القضية قال لي إنه انتهى من 75 %من التحقيقات، وأن تحريات المباحث أيضا وردت وثبت فيها تورط بعض مساعدي الوزير السابقين، وتورط الوزير نفسه، وهذا منذ أكثر من 3 أشهر وكان يفترض أن تنتهي القضية وتحال للمحاكمة، ولكن بعد ذلك فوجئنا بانتداب قاضٍ آخر يدعى محمد منصور حلاوة لاستكمال التحقيق في وزارة العدل، وتقدمنا له بطلبات للاستماع لشهود الإثبات ولم يتم الرد علينا حتى الآن، فهناك تباطؤ مقصود ومتعمد في الانتهاء من التحقيقات أو الإفصاح عنها، والغريب أن نشاهد رئيس الدولة السابق في القفص بينما لا يقترب أحد من ممدوح مرعي.
وكشف جنينة في حديثه عن معلومات مهمة قائلا: الأخطر وما يلقي في نفوسنا الشكوك أن مرعي خلال توليه الوزارة منذ قبل الثورة كان يردد أنه على علاقة جيدة بجميع أعضاء المجلس العسكري ونحن نخشى أن تكون لهذه العلاقة ظل يعوق سير التحقيقات مع مرعي ، فنحن لا نريد إدانة لأي شخص بريء ولكن نريد الحقيقة ، فلو كان هذا الوزير مدان فيجب أن يحاكم، ونريد أن نعرف ملابسات علاقاته التي تحدث عنها بقيادات في المجلس العسكري، فنحن نعلم أن شقيقه له منصب كبير في جهة سيادية ،ونحن نربأ بالمجلس العسكري أن يكون يضفي حماية على ممدوح مرعي وفي اعتقادي أن المجلس العسكري ليس له مصلحة في حماية مرعي، فإذا كان القائد الأعلى للقوات المسلحة سابقا يحاكم الآن، فلماذا التستر على التحقيقات مع وزير العدل؟...فأنا أكرر أن فساد مرعي أخطر من العادلي لدرجة أن مبارك أطاح بالعادلي وأبقى على مرعي في حكومة شفيق لأنه كان سيستخدمه في إجهاض الثورة لو استمرت حكومة شفيق ولم يطح بها الشعب، فمرعي أخطر من أحمد عز نفسه لأن عز مارس فساده وصلاحياته بصفته أمين التنظيم في الحزب الوطني المنحل، ولم يكن له سلطة، أما مرعي فكان له سلطة وكان يملك قرارًا في منع تزوير الانتخابات وكان يجعل المحاكم الابتدائية تصدر أحكامًا في استشكالات على أحكام صادرة من مجلس الدولة، وهو ليس من اختصاصاتها، فالتحقيق مع مرعي سيكشف حجم الفساد في منظومة القضاء عمومًا، فلقد كان هناك فساد كبير وإفساد متعمد وممنهج من الدولة للسلطة القضائية، فلم يكن مقبولًا أن يتم انتداب القضاة مستشارين للوزراء المحبوسين حاليًا على ذمة قضايا فساد، ولن نسكت حتى يتم الإصلاح فليس معنى أن المستشار حسام الغرياني المحسوب على تيار استقلال القضائي، أصبح رئيس السلطة القضائية، أننا سنصمت على الفساد الذي كان موجودًا بالقضاء ، فما زالت وتيرة الإصلاح بطيئة.


وعن هجوم المستشار أحمد الزند على الإصلاح الذي بدأ يقوده الغرياني في السلطة القضائية حاليا وانتقاده لتولي المستشار أحمد مكي، رئاسة اللجنة المكلفة بإعداد مشروع تعديل قانون السلطة القضائية، قال جنينة: من العيب أن نسيء لمقامات شيوخ أجلاء أفنوا حياتهم ووهبوها للدفاع عن استقلال القضاء، وموقف الزند لا يعبر عن أصالة القضاة، فمكي لن أستطيع أنا أو أي شخص أن يقيمه بل تاريخه يشهد له بذلك، والقول إن الغرياني انفرد بتشكيل اللجنة هو هجوم متعمد، فليس له مبرر، إلا أنه كشف تقصير بالغ من الزند ومجلسه منذ 3 سنوات بانتخابات يعلم كيف أديرت وساقته إلى هذا المكان، فقبل مجيء الغرياني كان في إمكانه تشكيل عشرات اللجان لتعديل قانون السلطة القضائية وليس لجنة واحدة، ولكن هو نفسه كان يتهكم على مقولة استقلال القضاء ويسخر قائلا: هو القضاء محتل عشان يستقل؟..، فكان كل كلامه في هذا الشأن مليء بالاستهزاء والسخرية، وإذا كان هذا تفكير شخص تجاه استقلال القضاء فكيف ننتظر منه أن يحققه.


وفسر جنينة تصريحه السابق بأن محاميًا شاطرًا يستطيع أن يحصل لمبارك على البراءة في قضية قتل المتظاهرين وقال: إن هذا التصريح أثار زوبعة، وتم فهمها خطأ، فأنا كنت أقصد التحذير من استباق الأحكام القضائية، فلا يجب الضغط على القضاة ولا يصح أن يصدر الشارع حكمه قبل المحكمة، فنحن هكذا نهدر قيمة العدالة، فكلامي هذا كان ردًا على المطالبات في الشارع بضرورة إعدام مبارك، فقلت ردا على هذا إنه لا يجب أن يتم تجييش الإعلام في هذا الاتجاه لأن القاضي يحكم بالورق وليس بالمشاعر،فأنا قلت إنه إذا كانت الأوراق قاصرة عن تحقيق الإدانة الكافية" فأي محامٍ شاطر يقدر يخرج مبارك من القضية"،ومن ثم يجب الاعتناء بجمع الدليل وتحقيقه فمن كان يجمع الأدلة هم المتهمون أنفسهم لأنهم كانوا يأتون بالتحريات وقد يسوقون أدلة ومستندات تؤدي لتبرئتهم، والجهد على النيابة كان كبيرًا ولم تكن مهمتهم البحث عن القناصة، والكارثة الأكبر أن ويزر الداخلية الحالي "بيقول مفيش قناصة..يبقى مين هيجيب القناصة دول؟...فالأجهزة نفسها متهمة فمن سيأتي لنا بالأدلة..فالقضاء مظلوم والناس بتهاجمه إنه بيدي براءات رغم أن الأدلة أصلا قاصرة..فمن شاهد محاكمة مبارك والعادلي على الهواء يجد أن الأحرازالمقدمة كدليل في القضية هي مجرد كلام فارغ..فالجرم الذي تم ارتكابه أكبر بكثير من الأحراز والأدلة التي سيقت".