(نبيل العربى).. أمينًا للجامعة العربية من (مصر الجديدة)

الناقل : elmasry | الكاتب الأصلى : - دينا عزت | المصدر : www.shorouknews.com

دينا عزت

    
 «القافلة السورية ستسير بالرغم من أن الكلاب تعوى»، هكذا تحدث وزير الخارجية السورى وليد المعلم قبل أيام فى مؤتمر صحفى تعقيبا على الانتقادات الموجهة لنظام الرئيس السورى بشار الأسد لاستخدامه القمع فى مواجهة مظاهرات شعبية مطالبة بالاصلاح السياسى.

فى اليوم ذاته تحدث معمر القذافى الرئيس الليبى ــ الذى يلقب نفسه بالزعيم ــ متوعدا باستمرار المواجهة مع حلف الناتو الذى يقوم بعمليات لمنع قوات القذافى من قمع قطاعات واسعة من الشعب الليبى كانت قد بدأت التظاهر فى النصف الثانى من فبراير الماضى لإنهاء حكم العقيد الذى استمر أربعة عقود، ثم تحول الأمر إلى مواجهة مسلحة بين المعارضة وقوات القذافى فانفصال لمدن بكاملها تحت إدارة المجلس الوطنى الانتقالى الذى تتزايد الاعترافات الدولية به ممثلا شرعيا للشعب الليبى.


ويأتى ذلك بالتزامن مع استمرار توتر الأوضاع فى اليمن بالرغم من ذهاب الرئيس اليمنى على عبدالله صالح إلى السعودية فى رحلة جرى الإعلان عن أنها للعلاج، بعد مواجهات عسكرية بين قواته ومعارضيه كللت أشهر من المطالبة باسقاط حكمه الديكتاتورى.

وتمثل الثورات العربية المشتعلة فى هذه البلدان الثلاثة، والتى سبقتها تونس ومصر الباحثتان الآن عن الاستقرار بعد انهاء حكمى زين العابدين بن على وحسنى مبارك، جزءا من واقع سياسى معقد سعى عمرو موسى الأمين العام السابع لجامعة الدول العربية المنتهية ولايته لأن يتعامل معه، رغم الكثير من الحساسيات والتربصات، وسيكون على نبيل العربى بدءا من اليوم أن يتعاطى معه فى وقت يرتفع فيه سقف المطالب الشعبية بأن تتماهى المؤسسة العربية المنشأة عام 1945 مع توجهات الشعوب المطالبة بالديمقراطية والتنمية والنهضة.

العربى، القاضى الدولى والدبلوماسى المصرى، الذى جرى اختياره وزيرا للخارجية بعد أن أطاحت ثورة 25 يناير بنظام مبارك ثم أطاحت التظاهرات الشعبية المستمرة بأحمد أبوالغيط وزير خارجية السنوات السبع الأخيرة فى حكم مبارك، ينتقل الآن إلى الجامعة العربية بعد أن جاء انتخابه أمينا عاما بدعم شعبى مصرى وبتقدير عربى واسع، دفع دولا عربية متصاعدة الوزن والتأثير مثل قطر لأن تسحب مرشحا لها كانت قد تقدمت به أمام مرشحين مصريين سابقين من بينهم مفيد شهاب وزير الشئون البرلمانية فى عهد مبارك ومصطفى الفقى نائب رئيس البرلمان العربى.

وتتجه الأنظار للعربى الذى استطاع خلال توليه حقيبة الخارجية منذ منتصف مارس أن يحقق نقلة نوعية فى صورة وزارة الخارجية من خلال تبنيه لاراء حول دور مصر الاقليمى وعلاقاتها بالدول المجاورة والتزاماتها القانونية والسياسية تجاه القضية الفلسطينية ــ وهى الاراء التى شكل طرحها التوجه الجديد لسياسة مصر الخارجية وبداية استعادة وضعية مصر الاقليمية التى تداعت، حسب العديد من التقديرات بصورة لافتة خلال الاعوام العشرة الماضية التى توصف بأنها الأسوأ خلال حكم مبارك الممتد قرابة الثلاثين عاما.

العربى الذى لم يكن يسعى لمنصب أمين الجامعة العربية، ولكن المنصب هو الذى طارده حتى ناله، سيكون عليه أن يُعنى بابقاء تواجد دولى للمنظمة العربية العتيدة حققه موسى رغم انتقاد معارضيه، كما سيكون عليه التعاطى مع قضايا مزمنة مثل الصراع العربى الاسرائيلى وأخرى آنية مثل استجابة الدول العربية لما يدور فى الجوار الأوسع لها فى وقت تتعاظم فيه امكانات ايران الجار المثير لتوجس دول الخليج العربى صاحبة الثروات والنفوذ على الساحة العربية بل وفى داخل العواصم العربية وتركيا التى تثير سياساتها الخارجية الفاعلة والمبادرة حساسيات فى عواصم عربية عديدة تفضل الركون إلى الصمت، إلى جانب دولة الاحتلال الاسرائيلى التى مازلت تلتهم أراضى الشعب الفلسطينى وتحتل أراضى فى سوريا ولبنان وتعظم من ترساناتها العسكرية ــ بما فى ذلك النووية. ويقول دبلوماسيون مصريون عملوا مع العربى فى العديد من محطات حياته المهنية إن لديه دوما أفكارا وابتكارات فى التعاطى مع أعقد الملفات ولكنه سيكون على العواصم العربية أن تتفاعل مع جهد الجامعة العربية لتحقيق الانجاز الذى يمكن لهذا الرجل السبعينى الذى يتمتع بإيمان حقيقى بقيمة العمل العام وفطرة مُحبة للعدالة أن يحققه.

نشأ العربى فى ضاحية مصر الجديدة ــ واحدة من ركائز الطبقة المتوسطة التى يتمتع ابناؤها بيسر اقتصادى يرافقه دوما تعليم من نفس الطراز ــ لأب كان أستاذا للقانون العام فى كلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول (القاهرة الآن).

الدكتور محمد عبدالله العربى (بك) صاحب الجذور الصعيدية ودرجة أكسفورد الجامعية، كانت لديه مكتبة قانونية وأدبية وتاريخية واقتصادية وثقافية ضخمة، نهل منها العربى الابن بينما كان يدرس ويتقن تعلم اللغات الاجنبية ويتذوق الثقافة بمختلف روافدها، ليكون له من الإدراك أن يقرأ وهو بعد فى الثانية عشرة بإعجاب شديد بيان النقراشى باشا فى مجلس الأمن عام 1947 فى إطار محاولات مصر لإجلاء الإنجليز عن أراضيها.

ربما كان ذلك فألا بأن العربى سيمضى على خطى النقراشى ويذهب إلى مجلس الأمن بعد ثلاثة عقود ولا يزيد بحثا عن جلاء إسرائيلى اغتصب بعدوان السلاح وتواطؤ السياسة وتراجع القيادة ــ كما يقول العربى بالتلميح أكثر من التصريح ــ أراض مصرية وأخرى عربية، جلها فلسطينية.

ولكن تصدى العربى للاحتلال ورغبته فى مقاومته بكل ما أوتى من قوة لم يبدأ مع ذهابه للانضمام لبعثة مصر الدائمة لدى مقر الأمم المتحدة بنيويورك عام 1966 قبل أقل من عام من وقوع الهزيمة العسكرية المرة فى يونيو 1967، فالعربى كان عضوا نشطا فى مظاهرات ونشاطات سياسية ــ حاول ولكن الظروف حالت أن تكون أيضا مسلحة ــ ضد الاحتلال فى سنوات الأربعينيات والخمسينيات.

حصل على لقب سفير وهو بعد فى الـ41 من عمره، وكان مشاركا فى الأغلب بصورة مباشرة، فى متوالية الصراع العربى الاسرائيلى سواء من خلال عمله فى بعثات مصر الدبلوماسية أو من خلال عمله بديوان وزارة الخارجية حيث كثيرا ما كانت مسئولياته مرتبطة بعمل بعض من أبرز وزراء الخارجية المصريين: محمود رياض، مراد غالب، محمد حسن الزيات، إسماعيل فهمى.
وعندما تقاعد العربى من عمله فى وزارة الخارجية عام 1999، عمل شريكا فى مكتب الدكتور زكى هاشم للمحاماة والاستشارات القانونية، ثم انتخب قاضيا فى محكمة العدل الدولية فى اكتوبر 2001 ليتركها فى 2006 ــ وهو من حصل على الدكتوراه فى القانون من واحدة من أهم الجامعات الأمريكية ــ دون أن يترك العديد من المناصب الرفيعة التالية فى الممارسة القانونية ودون أن يكف عن الانشغال بالشأن السياسى، خاصة ما تعلق منه بملف الصراع العربى الاسرائيلى، ليعود بعد الثورة إلى صفحة الفعل الدبلوماسى وزيرا للخارجية وهو المنصب الذى كان قد ترشح له عام 1991 ولكنه ذهب إلى موسى ــ وقد مثل تبادل موسى والعربى للمواقع أمرا علق عليه الرجلان خلال جلسة اجتماع وزراء الخارجية العرب الاستثنائى شهر مايو الذى تم فيه انتخاب العربى أمينا عاما سابعا للجامعة العربية.

وكان العربى قد التحق بالخارجية المصرية فى خمسينيات القرن الماضى فى سنوات زهو ثورة يوليو المجيدة بالرغم مما حل بالوطن فى عام 1956 جراء الأزمة التى بدأت اقتصادية فسياسية، عندما تعرقل تفاوض مصر للحصول على قرض لبناء السد العالى ثم تحولت عسكرية مع العدوان الثلاثى وعادت لتدار سياسيا. وكان للعربى دوما دور فاعل فى التعامل مع ملف الصراع العربى الاسرائيلى ولكن اسمه يرتبط بالتحديد بالتفاوض المصرى الإسرائيلى من أجل السلام بعد زيارة الرئيس أنور السادات للقدس فى نوفمبر 1979 فى الوقت الذى كان العربى فيه مديرا للإدارة القانونية والمعاهدات.

وبعد هذه الزيارة توالت الاجتماعات المصرية الاسرائيلية التى شارك فيها العربى مع عمرو موسى ومحمد البرادعى، المرشحين المحتملين لرئاسة الجمهورية، وآخرين من بينهم حسين حسونة الذى يرأس الآن مكتب الجامعة العربية بواشنطن، وذلك تحت رئاسة بطرس غالى وزير الدولة للشئون الخارجية فى ذلك الوقت وعصمت عبدالمجيد الذى كان مندوبا دائما لمصر فى نيويورك فوزيرا لخارجية مصر ثم أمينا عاما خامسا للجامعة العربية.

ومن القصص الأشهر فى حياة العربى تحفظه على ثغرات سياسية وقانونية رآها فى وثيقة كامب ديفيد قبل توقيع السادات عليها فى سبتمبر 1978 وحاول عرضها على الرئيس السادات فى جدية وهدوء فأجابه الرئيس السادات بغضب حول المواقف السياسية للاستاذ محمد حسنين هيكل الذى يرتبط بصلة نسب مع العربى، قبل أن يدخل وزير الدفاع الاسرائيلى فى حينه عيزرا وايزمان ليعانق السادات ويتبادل معه أحاديث بعضها يحمل الشكوى من العربى فيأذن الرئيس للعربى بالانصراف محبطا.

وكما أن موسى كان مندوبا دائما لمصر لدى الأمم المتحدة فى مقرها الدائم فى نيويورك فإن العربى كان مندوبا دائما لمصر فى مقرها الأوروبى فى جنيف بتكليف من عصمت عبدالمجيد، وزير الخارجية فى حينه. وقد ارتبط ذلك بالأساس برغبة الأخير فى وجود العربى ــ بما يتمتع به من خبرة قانونية وتفاوضية وسياسية ــ فى جنيف لمتابعة مباحثات إبرام مشارطة التحكيم وما صاحب ذلك من محاولة إسرائيلية لفتح باب الحوار مع الفلسطينيين من خلال وساطة البعثة الدائمة لمصر هناك مع ممثلى منظمة التحرير الفلسطينية، ليعود بعد ذلك مندوبا دائما لمصر لدى الأمم المتحدة فى مقرها الدائم فى نيويورك بينما كان موسى وزيرا للخارجية.

وبين المحطتين كان ارتباط اسم العربى بملف التحكيم الدولى لاستعادة مصر لأراضيها فى طابا واضحا حيث تولى التنسيق مع فريق عمل مصرى من كل الأجهزة المعنية وأجرى اتصالات وزيارات ولقاءات مع العديد من المسئولين الدوليين ليتمكن من صياغة ملف استطاعت مصر من خلاله إنجاز عودة طابا التى أرادت إسرائيل الاستيلاء عليها.

العربى أمضى خمس سنوات كاملة مسئولا عن هذا الملف، وفى تلك السنوات الخمس التى بدأها فى 1983 وصولا إلى 1988، وبالتحديد يوم صدور الحكم لصالح الجانب المصرى فى 29 سبتمبر كان العربى يسخر القانون والدبلوماسية والسياسة ــ وفى أحيان كثيرة الصبر وضبط النفس ــ لضمان استعادة مصر لطابا. وقد بدأ تدخل العربى فى التعامل المباشر مع ملف طابا وصولا للاشراف على إدارة مصر لهذه الأزمة مع نهاية عام 1984 عندما طلب إليه وزير الخارجية المصرى فى حينه عصمت عبدالمجيد الانضمام لمجموعة عمل رفيعة كان فيها عبدالعزيز حجازى رئيس وزراء مصر الأسبق.

وعندما ترشح العربى عن مصر للانضمام لمحكمة العدل الدولية كانت له أيضا مواجهة مع اسرائيل، هذه المرة عبر الابواب الخلفية، التى ارادت أن تحول دونه والمنصب ولكنه تمكن من إقرار أحقيته بهذا المنصب ليكون عضوا له الاحترام غير المنقوص فى هذه الجهة الدولية بل وأن يشارك فى النظر فى طلب الجامعة العربية إلى المحكمة فى عام 2004 اعلان رأيها الاستشارى لقرار اسرائيل بناء الجدار العازل الذى يقسم الضفة الغربية المحتلة اصلا بالقوة العسكرية فى 1967 فيقطع اوصال القرى الفلسطينية ويسمح للمستوطنين الاسرائيليين الذين يعد وجودهم فى الاراضى الفلسطينية غير قانونى بمقتضى القانون الدولى الاستيلاء على مواردها الطبيعية، وفى 9 يوليو 2004 جاء الرأى الاستشارى التاريخى بان هذا الجدار مخالف للقانون الدولى.

العربى الذى هو سابع أمين عام مصرى للجامعة العربية كان ثالث قاض مصرى يشغل منصبا فى محكمة العدل الدولية وهو المنصب الذى كان يفترض أن يترشح له قبل ذلك لولا تدخلات فرنسية أدت إلى قبول مصر بطلب جزائرى ليترشح قاض جزائرى ثم توافيه المنية فيأتى ترشيح العربى وفوزه بالمنصب بعد انتخابه من أول جولة للتصويت فى كل من الجمعية العامة والأمم المتحدة فى 12 أكتوبر 2001 ــ وليس بعد عدد من جولات التصويت كما هو معتاد.