خاتمة هذه العقيدة في مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال

الناقل : SunSet | الكاتب الأصلى : ابن جبرين | المصدر : www.ibn-jebreen.com

[فصل: ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة.
ويرون إقامة الحج والجهاد والجُمع والأعياد مع الأمراء أبرارا كانوا أو فجارا، ويحافظون على الجماعات .
ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم:
المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضا ، وشبك بين أصابعه .
وقوله صلى الله عليه وسلم:
مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد: إذا اشتكى منه عضو ؛ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ] .



* قوله: (فصل: ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة...):
هذه الأمور التي ذكرها المؤلف رحمه الله من خصال الخير ومن محاسن الأخلاق؛ فإنها لو لم تأت بها الشريعة فإن العقل يدرك حُسنها ويحبذ الأمر بها، فمن ذلك :
1- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
المعروف: اسم لكل ما تعرفه الفِطَر السليمة والنفوس المستقيمة، اسم لكل خير محبوب في النفس، تطمئن إليه النفس وتأنس به، وقد أصبح أيضًا اسما لما أمر به الله ورسوله، فإن ذلك يسمى معروفا، فالأمر بالعبادة والأمر بالإخلاص أمر بالمعروف، والأمر بالصلوات والجماعة أمر بالمعروف، والأمر بذكر الله وتلاوة كتابه أمر بالمعروف، والأمر بالصدقات وأفعال الخير، والأمر بإخراج الزكوات والكفارات والوفاء بالنذور، ونحو ذلك، أمر بالمعروف.
وكذلك الأمر بالصوم المفروض أو النفل، والأمر بحب أهل الخير والقرب منهم، والأمر بحضور مجالس الخير ومجالس العلم، وتعلم العلم النافع والأعمال الصالحة أمر بالمعروف، وهكذا كل أفعال الخير التي أمر الله بها وأحبها.
وأما المنكر: فهو اسم لكل ما تكره النفوس وتنفر منه الطباع، وتستبشعه النفوس الأبية السليمة وتنفر منه، وهذا سبب كونه منكرًا، ولو وجدت نفوس دنيئة تستحسنه، فإنه لا عبرة بها. فالمنكر أولا: منكر طبعا، وثانيا: أنكره الشرع وحرَّمه، فأصبح المنكر اسما لكل ما حرمه الله ونهى عنه، أو نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم وحذَّر منه.
فمثلا أذى العباد والتعدي عليهم منكر، والسب والهجو والشتم واللعن ونحو ذلك منكر. وهكذا البخل بالواجبات، وشح النفس، والحرص الشديد على ما لا فائدة فيه، أو الحرص الذي يوقع في المحرم فهذا منكر تنكره النفوس، وهكذا الغش في المعاملات، والتعامل بالمعاملات الربوية، والغرر والخداع ونحو ذلك منكر، وهكذا أذى الجار وأذى الصديق ونحو ذلك منكر. وهكذا التهاجر والتقاطع منكر.
وقد تكون بعض المنكرات مألوفة عند بعض النفوس الدنيئة، ولا يكون إلفها دليلاً على استحسانها، فالذين يألفون الخمور ويستحسنونها، لا يدل هذا على أنها معروف بل هي منكر. والذين يألفون شرب الدخان ونحوه، لا يدل على أنه معروف بل إنه منكر في الحقيقة، وهكذا الذين يتعاطون المخدرات ونحوها، يلتذون بها ويرون أنها حسنة ومناسبة لنفوسهم الدنيئة، ولا يخرجها ذلك عن كونها منكرا.
فمن صفات أهل الخير أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة، ومعنى توجبه الشريعة أي أنها جعلته من واجبات الإسلام، وقد كان عمر رضي الله عنه يقول: من أراد وعد الله فليحقق شرط الله.
وعد الله في أن تكون من هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، لا يتحقق إلا بالشرط الذي ذكره الله تعالى في قوله:

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: 110] انظر كيف قدَّم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله، وذلك دليل على أنه من واجبات الإسلام.
وهكذا قوله تعالى:

وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [التوبة: 71] انظر كيف قدَّم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فالتقديم يدل على الأهمية، ويدل أيضًا على أنهما من واجبات الإسلام، وهذا معنى قوله: على ما توجبه الشريعة.
كذلك قوله صلى الله عليه وسلم :

من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان

فهذا يحدد درجات تغيير المنكر، فلا يحق لأحد أن يتعدى هذه المراتب فمن كان يستطيع التغيير بيده، ولا يوجب ذلك منكرا أكبر أو مفسدة أكبر، كان فرضه أن يغير بيده، فإذا قدر مثلاً على إراقة الخمور وكسر دنانها وإتلاف علب الدخان، وما أشبه ذلك من المنكرات فإنه يفعل ذلك.

كذلك إذا قدر أن يعاقب العصاة والمبتدعين على الملاهي والأغاني بيده أو بعصاه ولم يترتب على ذلك مفسدة فإنه يفعل، فإذا لم يستطع انتقل إلى التغيير بلسانه، وذلك ببيان بشاعة هذه الأفعال وشناعتها وقبحها، وبيان دناءة نفوس أهلها وقبح ما بهم، وعكوفهم على هذه الأشياء التي تنكرها الشرعةُ والفطرة.
فإذا لم يستطع ذلك وخاف أن يترتب عليه مفسدة اقتصر على الإنكار بالقلب، ويتحقق الإنكار بالقلب ببغض تلك المنكرات والأفعال القبيحة ومقت من يفعلها والبعد عنها وعدم مجالسة أصحابها، والتحذير من مجالستهم أو مؤاكلتهم أو مخالطتهم، والتصريح ببغضهم والإنكار لما هم عليه، فإذا فعل ذلك صدق في أنه منكر بقلبه.
2- إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء
فقوله: ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبرارًا كانوا أو فجارًا، هذه أيضا من خصال أهل السنة والجماعة؛ وذلك لأن الخروج على الأئمة والأمراء ونحوهم يحصل منه مفسدة عظمى وفتنة عمياء؛ لما ينتج عن ذلك من قتل وسفك دماء وفتن ونحو ذلك.
فلأجل ذلك أهل السنة يقولون: نسمع ونطيع كما أمرنا الله وكما أمرنا رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد أمر الله بطاعة الأمراء ولو كانوا فجارًا؛ لأن المفسدة التي تحصل من العصيان لهم، فيها مضرة، إلا إذا كانوا قد أمروا بمنكر، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
فمن طاعتهم: إقامة الحج معهم، فقد كانوا في الزمن القديم يحتاجون إلى أمير يقيم لهم شعائر الحج؛ لأنهم إذا حجوا فرادى اقتطعوا؛ لأن هناك قطاع الطرق في تلك الفيافي وتلك المفازات والصحاري التي يسكنها الرعاع والبوادي، فإذا مر بهم الحاج أو المسافر، اقتطعوه وأخذوا ما معه، فاحتاج المسلمون إلى أن يؤمروا أميرا يحج بهم ويحجون معه، ولو كان عاصيا، ولو كان عنده فجور، ولو كان يشرب الخمر أو يحلق لحيته أو يقصر في أمر الله أو ما أشبه ذلك، فإن تقصيره على نفسه، وللمسلمين مصلحة في الاجتماع عليه.
فبالحج معه مثلا يحصل الاجتماع والاطمئنان، وتحصل إقامة الشعائر؛ وذلك لأنهم يوافقونه في الرحيل، ويوافقونه في النزول، فإذا غربت الشمس صاح بهم: هلموا فانصرفوا من عرفة فينصرفون، فإذا طلع الفجر نادى فيهم أميرهم أن صلوا فيصلون جميعًا، ثم يسيرون بعد صلاة الفجر والإسفار إلى منى ثم إذا أذن الظهر نودي أن دخل وقت الرمي فارموا، فيذهبون إلى الرمي وهكذا، فهو الذي يقيم مناسك الحج وشعائره فيحجون على بصيرة.
وهكذا الجهاد يذهب هذا الأمير بالجيش إلى البلاد الأخرى ويجاهد، فلذلك يرى أهل السنة موافقته والغزو معه، ولو كان هو في نفسه يعكف على الأغاني والملاهي ولو كان متهما بشيء من التقصير في عبادته أو ما أشبه ذلك، فإن معصيته على نفسه ونفعه للمسلمين فيحجون معه، ويصلون معه، ويغزون معه، مهما كانت حالته؛ لحصول المصلحة في ذلك.
وأما الجمع والأعياد: فالعادة أن الذي يتولاها في المدن ويصلي بهم هو الأمير الذي ينوب على تلك البلاد، أو الملك والخليفة الذي في تلك المدينة، فهو الذي يتولى الخطبة بهم في الجمع والأعياد، فيصلون خلفه على ما كان منه من تقصير، ولو كان يشرب خمرا أو يعكف على الغناء فلا يجوز الخروج عليه أو خلع الأيدي من طاعته ما دام مصلحًا لا يأمر بالمنكر ولا ينهى عن المعروف، وهم مع ذلك يتخولونه بالنصيحة والموعظة، ويبينون له خطر المعاصي والذنوب، فإذا استقام فقد تم المراد، وإن أبى كانت معصيته على نفسه، فيجتمع المسلمون عليه في الخير ويشاركونه في الغزو والحج وإقامة الجمع والأعياد وغير ذلك.
3- المحافظة على الجماعة
فمن خصال أهل السنة: المحافظة على الجماعة، والمراد بها جماعة المسلمين ولو كانوا قليلا، والجماعة هم أهل السنة المتمسكون بها، فإذا جاء حديث يحث على الجماعة، كقوله صلى الله عليه وسلم

عليكم بالجماعة

فالمراد بها جماعة المسلمين.
ومنها اجتماعهم على الصلوات في المساجد، وهذا دليل على محافظتهم على الجماعة وتمسكهم بها.
ولو تفرق هؤلاء في بلد كانوا هم الجماعة؛ لأن الجماعة ما وافق الحق، وإن كانوا قليلا، فأهل السنة والجماعة قليل جدًّا بالنسبة للفِرَق الأخرى، وكذلك فإنهم مضطهدون ومحاربون ومشتتون، ومع ذلك فإنهم هم الجماعة الذين وردت النصوص بالحث على التمسك بهديهم وطريقتهم، ولو خالفهم الجم الغفير والعدد الكثير، فإنه لا عبرة بمخالفة هؤلاء لهم.
فالحاصل: أن أهل السنة يرون المحافظة على الجماعة.
4- النصيحة
فقوله: يدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم:

المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه

.
وقوله:

مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد: إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر

.
هذا من خصال أهل السنة والجماعة أنهم يرون أن المسلم عليه أن ينصح للمسلمين، وأن يكون مخلصًا لهم وناصحًا. والنصح هو صفاء المودة، ومن آثاره: الدلالة على الخير الذي يعلمه خيرا، واتقاء الشر الذي يعلمه شرًا، والبعد عن الغش؛ وذلك بأن تحب للمسلمين ما تحبه لنفسك، وتدلهم على ما تحب أن تفعله؛ فإذا كان هناك مصلحة دنيوية فلا تستبد بها وتحرم إخوتك المسلمين، وإذا رأيت مسلما قد أقبل على هلكة، فإياك أن تتركه بل حذِّره من أسباب هذا الهلاك ونحو ذلك، وهكذا الدلالة على كل خير، سواء كان خيرا دنيويا لا ضرر فيه، أو خيرا دينيا، فهذا هو محض المحبة؛ لأن المسلم ما دام محبا لإخوته المسلمين، فإنه يدلهم على الخير ويساعدهم عليه، ولهذا شبههم النبي صلى الله عليه وسلم بالبنيان أي الطين الذي يجعل على طين فييبس ويتصلب ويشد بعضه بعضا.
هكذا المؤمن يشدُّ عضد أخيه ويساعده، ويعينه على ما وقع فيه من المشاكل ونحو ذلك، فتشبيه المؤمنين بالجسد الواحد يعني أنه إذا تألم واحد من أطراف المسلمين حزن له إخوته المسلمون، وحرصوا على إزالة الألم الذي وقع به. وإذا وقع به ظلم، تألم له كل مسلم في شرق الأرض وغربها، وحرص على أن ينجيه من هذه المظلمة التي وقع فيها؛ إذا سجن ظلما، أو أُخذ ماله ظلما، أو اعتُِديَ عليه أو نحو ذلك، فإن حقا على المسلمين أن ينصروه كما قال النبي صلى الله عليهم وسلم:

انصر أخاك ظالما أو مظلوما

.
والحاصل أن هذه الأمور من خصال أهل الخير التي إذا تأملها المسلم عرف أن الإسلام جاء بمحاسن الأعمال ومعالي الآداب.