الضوابط الحاكمة في الدعوة العائلية .

الناقل : SunSet | الكاتب الأصلى : أحمد الكردى | المصدر : kenanaonline.com

علمتنا التجارب أن ما من شاب - أو فتاة - يوفقه الله لسلوك طريق التدين، ويرزقه الرغبة في الالتزام بأحكام الشرع، من بعد تهاون وتفريط، إلا ويحدث له ما أسميه بـ "صدمة الالتزام"، هذه الصدمة تحدث نتيجة ما يواجهه المتدين الجديد من إبهارات المعرفة، وهيبة الإدراك، بالضبط كمن كان نائمًا ثم استيقظ فجأة إثر منبه لم يألفه، فنجده يصحو فزعًا يتلفت حوله، يتخبط يمينًا ويسارًا، حتى تتضح له الرؤية، ويتعرف على ما حوله فيطمئن ويهدأ.
ولا شك أن هذه الصدمة تصاحبها أعراض مؤلمة، وتتخللها عناءات قاسية، تختلف حدتها من حالة لأخرى، هذه الأعراض لا يقاسيها المتدين الجديد فقط، وإنما يشاركه في تحملها - أول من يشاركه - الأقربون والمحيطون، من والدين، أو أبناء، أو إخوة، أو زوج.. إلخ. وربما يتطور الأمر إلى حدوث مواجهات وصدامات عنيفة ومؤلمة بين الطرفين، حيث يجد المخالطون أنفسهم أمام شخصية جديدة غير الشخصية التي ألفوها وعرفوها، شخصية تعترض على كثير من الأفعال التي كانت عادية بالنسبة لها قبل ذلك، وتأمر بأشياء لم تكن تهتم بها في ماضيها.


فعندما يلتزم فرد من أفراد الأسرة فإنه قد يعاني – مثلاً - من عدم التزام والديه وإخوته بالصلاة، وإهمال أخواته أو زوجته للحجاب الشرعي، وتثور مشكلات وشجارات حول مسائل مثل تعليق الصور على الجدران أو سماع الأغنيات، أو مشاهدة التلفاز، وارتكاب البعض للموبقات والمحرمات.. إلخ.
وللأسف فإننا نجد بعض الدعاة قد يكونون في غاية اللطف مع الغرباء من الناس، حينما يوجهون إليهم الدعوة إلى طريق الله عز وجل، ولكنهم عندما يوجهون نفس الدعوة إلى أهل بيتهم وأقاربهم نجد هذا اللطف يتحول إلى غلظة وشدة وقسوة، ثمَّ يسارعون باتهام الأهل بأنهم لا خير فيهم!!!.
ولا يمكن - بل ومن الظلم - أن نلقي بكامل المسئولية عن هذه الصدامات على كاهل طرف واحد فقط، إذ كل طرف - ولا شك - يتحمل جزءًا من الأسباب.
فتعالوا بنا نتعرف على مسئولية كل طرف، والأسباب الناشئة من جهته، لتتضح لنا الصورة ويسهل علينا طريق العلاج.

أسباب خاصة بالداعية
1- الإحساس بالمسئولية والوصاية:
حيث يشعر الفرد المتدين حديثًا بأنه مسئول أمام الله عز وجل عن هداية أهله وأقاربه وعشيرته وزوجه، ويقرع فكره دومًا قول الله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة } ، ويقوي هذا الشعور بالطبع خوف الداعية على أهله، وحبه الشديد لهم، مما يزيد حرصه على هدايتهم.
هذا الشعور يجعل الداعية يتعامل مع أهله من منطلق الوصاية، فيبدأ في فرض رأيه، ويتبع أسلوب الأوامر والنواهي المباشرة، مما يؤدي لكثير من المشكلات والخلافات والصراعات والاضطرابات في محيط الأسرة.
ولتجنب هذا كله، ولكي يطمئن قلب الداعية، يجب أن يعرف مَن الذين له حق الإنكار عليهم باليد ومن لهم حق الإنكار عليهم باللسان، ومن لا يملك حق الإنكار عليهم إلا بالقلب، مع دراسة الظروف والأحوال بالطبع، ومدى تهيؤ الفرصة للقيام بهذا الواجب، والآداب التي يجب أن يتحلى بها وهو يقوم به.
فمثلاً في حالة وجود الأب فهو غير مسئول شرعًا عن عدم التزام الأم والإخوة والأخوات، إلا في حدود النصح لهم فقط، وليس له أن يعنفهم أو يضربهم أو يفرض عليهم ما يريده أو يمنع عنهم ما يكرهه. وإن كان هو العائل فهو مسئول عن إخوته القُصَّر، غير مسئول عن إخوته الراشدون. وهو مسئول عن زوجته وأبنائه، وليس مسئولا عن زوجة أخيه أو أبناء أخيه .. وهكذا.
حتى فيمن هو مسئول عنهم، يجب ألا يتبع معهم أسلوب الوصاية وفرض الرأي بالقوة مستغلاً مكانته الأسرية والاجتماعية بينهم.
إنَّ فرض الرأي يولِّد العناد - قطعًا - فقد يكون سامعك مقتنعًا تمامًا بصحَّة ما تقول وتعتقد، ولكنَّ طريقتك في عرض الموضوع، وإشعاره بأنَّ ما تقوله واجب التنفيذ، يجعله يظهر رفضه وعدم اقتناعه.
لذا فالطريق الأمثل لتوصيل ما تريد هو الإقناع، وليس الفرض، هكذا كان أسلوب الأنبياء، وأسلوب القرآن، في مواقف كثيرةٍ لا يتَّسع المقام لذكرها.
فليس من الحكمة التوجيه المباشر إذا أدى ذلك إلى منكر أكبر، والموعظة الحسنة تتطلب أن يكون الحب هو المدخل للنصيحة، والاكتفاء بالتلميح عندما يؤدي التصريح إلى نفور وتوتر في العلاقة.
وليتذكر الداعية قوله عز وجل: { فبما رحمةٍ من الله لِنتَ لهم ولو كنت فظّا غليظ القلب لانفضُّوا من حولك } .

2- نقص العلم وسوء الفهم:
فنجد المبتدئ لا يميز في بداية الطريق بين درجات الأحكام الشرعية، فلا يفرق بين الفرض والنفل، ولا بين الحلال والحرام والمباح والمكروه .. إلخ، كما نجد فهمه مشوشًا لبعض المفاهيم، مثل الالتزام والتدين والدعوة، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومفهومي الولاء والبراء. كل هذا يدفعه للتسرع في إطلاق الأحكام، وإلى الوقوع في أخطاء سلوكية فادحة، وخسارة مودة وتعاطف من يتعامل معهم.
لذا فأهم ما يجب أن يبدأ به من يسلك طريق الله عز وجل وطريق دعوته أن يطلب العلم، ليتعلم ما يقيه من الوقوع في هذه الأخطاء، وحتى لا يفسد من حيث أراد الإصلاح، فيتعلم فقه الأحكام الذي تصح به عباداته، ويتعلم آداب الدعوة وأدواتها، وغيرها من العلوم والآداب.

3- الميل إلى العزلة والانسحاب من المجتمع:
فنجد الشاب - أو الفتاة – قد آثر حياة الوحدة والانعزال، والانكفاء على الذات، والانقطاع عن مخالطة أهله وذويه، ظانًّا أن الله يريد منا ذلك، أو بدعوى هجرة المعصية والعصاة، وهذا أيضًا يرجع إلى سوء فهمه لمعنى التدين، وقد يؤدي هذا الفهم إلى فشل الداعية دراسيا وعمليا واجتماعيا.
لذا يجب أن يعرف الداعية المبتدئ أن الإسلام لا يعرف الرهبانية والعزلة والتقوقع، وإنَّما حامله والملتزم به يجب أن يكون مشعل هدايةٍ يتحرَّك بين الناس، وبائع مسكٍ إن لم يشترِ منه الناس حذاهم من عطره، أو وجدوا منه الريح الطيبة.

4- الغلو في العبادة:
فنجده مثلاً يقيم الليل كله أو معظمه، ولا ينام إلا القليل، ويكثر من الصيام وقلة الطعام فوق الحدود المقبولة، مما يؤدي إلى ضعفه وهزاله واعتلال صحته، وهذا بالطبع يؤدي إلى الخوف عليه والقلق من قبل أهله، فيجب عليه أن يعلم أن الإسلام لا يعرف الغلوّ، ويحذِّر منه أشدَّ التحذير، ونظرةً يسيرةً في سنَّة النبيِّ صلى الله عليه وسلم وسيرته هو وصحابته الكرام تنبئ بهذا، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ( والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) . وكذلك صدَّق النبي صلى الله عليه وسلم على قول سلمان لأبي الدرداء رضي الله عنهما: ( إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه ) .

5- الاغترار بالعمل وتحقير أعمال الآخرين:
وهذا من أشد المهلكات والعقبات في نفس الوقت، حيث يظن الداعية أنه بطاعته وعبادته أفضل ممن حوله، فيغتر بعمله ويعاملهم بأنفة وكبر، ويحقر حياتهم وذواتهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( بحَسْب امرئ من الشر أن يحتقر أخاه المسلم ) ، وهذا بالطبع له تبعاته في نفوس المحيطين.

6- تجاوز الحقوق الشرعية لأولياء الأمور:
وهذا من أخطر الأسباب، حيث يؤدي إلى مشكلات كثيرة في محيط الأسرة، فإنه يحدث كثيرًا أن ينسى الداعية الحقوق الشرعية الممنوحة من قبل الله عز وجل لأفراد أسرته، كحق البر، وحق الطاعة في المعروف، وحق الاستئذان في الخروج والاستئذان استقبال الضيوف في المنزل، ممن لهم حق الاستئذان، كالوالدين والزوج.
لذا يجب على الداعية – ذكرا أو أنثى – ألا يهمل هذه الحقوق الشرعية، فإنه لا يخفى على أحد ما أمر الله سبحانه وتعالى به من خفض جناح الذل للوالدين، والتواضع لهما، والقول المعروف، حتى ولو لم يكونا مسلمَيْن، حتى ولو أمرا بمعصية الله سبحانه وتعالى، فقد قال تعالى: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا واتبع سبيل من أناب إليَّ)، وقال أيضًا: (وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورًا) وذاك هو الإحسان إليهما حال أمرهما بمعصية الله سبحانه، فكيف بهما إذا كانا مُسلمَيْن ولم يأمُرا بمعصية ؟!!.
فإن كان ثمة خلاف في الرأي بينكم، فليكن رأيهما هو المقدم ما لم يكن معصية لله، وليكن حقهما هو المقدم على حق من سواهما، فطاعتهما لها الأولوية.
كذلك يجب أن يُستَأذن ممن له حق الاستئذان منه، إن كانا والدين أو كان زوجًا أو أخًا أو أي ولي أمر، وذلك قبل الإقدام على شيء يجب استئذانه فيه قبل القيام به، مثل الخروج أو استقبال الغرباء في منزل الأسرة.

أسباب خاصة بالمحيطين
قد لا نحتاج التفصيل كثيرًا في هذه النقطة؛ لأنه من المنطقي أن كل سبب ناشئ من قبل الداعية تقابله نتيجة ورد فعل من قبل المحيطين، لذا فسنجد أن بعض الأسباب التي نذكرها هنا ما هي إلا ردود أفعال لما يبدر من الداعية.

1- الخوف على الداعية صحيًّا أو نفسيًّا:
وذلك نتيجة مغالاته في العبادة والعمل الدعوي، والانقطاع عن مناشط الحياة الأخرى.

2- الخوف من الفشل والإخفاق:
سواء كان في الدراسة، أو في العمل، بسبب ما يثار من إشاعات عن فشل المتدينين في مجالات حياتهم، أو استحضارهم للنماذج السيئة الموجودة في المجتمع، وقد يعطي الداعية مؤشرًا بذلك في بداية تدينه، من إهمال لدراسته أو عمله.

3- القلق الأمني:
إذ يخاف الأهل من الضرر والأذى الذي قد ينال هذا الشخص أو أسرته في بعض البلاد، من قبيل الملاحقات الأمنية أو الاعتقال، وما يصاحبه، نتيجة تدينه وسلوكه طريق الدعوة.

4- الخوف من شبح العنوسة:
حيث تخاف الأمهات والآباء من شبح العنوسة أن يطول بناتهم المتدينات، وذلك لاعتقادهن أن البنت المحجبة أو المتدينة لا تتزوج بسهولة، لأنها لا تختلط بالشباب ولا يراها أحد، لذا يجب طمأنتهم، والعمل على إزالة مخاوفهم من هذا الهاجس بإقناعهم بأنَّ الزواج رزقٌ من الله عزَّ وجلّ، وأنَّه مقدَّرٌ من عنده سبحانه وتعالى، وأنَّه سيأتي سيأتي، مهما كان مكان الفتاة، ومهما كان حالها، وأنَّ الشباب الجادَّ الطاهر العفيف، يبحث وينقِّب عن الطاهرات العفيفات المتدينات.

5- رفض الأسلوب الذي يتخذه الداعية:
فقد يكون رفض دعوته والتضييق عليه رد فعلٍ مضادّ لإحساسهم باستعلائه عليهم وتكبره، ورفضهم للأسلوب المنفر الذي يستخدمه في دعوتهم.

6- وجود رواسب سيئة قديمة في العلاقة مع الأهل:
مثل عقوق قديم، أو مواقف غير محمودة، تفجرها هذه التغييرات التي طرأت على الداعية، لذا ينبغي معالجة وإزالة تلك الرواسب في العلاقة بين الداعية وأهله، فيحسن – إن كان أخطأ في حق أحد منهم، وخاصة الوالدين – أن يبادر بالاعتذار وطلب السماح، والمبالغة في برِّهما والإحسان إليهما، وأشعارهما أن التغيُّر الذي حدث في طريقة معاملته لهما، وحسن الأدب معهما، وبرَّهما، كلُّ ذلك كان نتيجة الالتزام بأحكام الدين، فيكون هذا سببًا في أن يقراه على ما هو عليه.

7- السخرية والإيذاء:
فقد يعمد الأقارب والمحيطون إلى السخرية والاستهزاء بمن يتدين منهم، وقد يتعدى الأمر إلى الإيذاء البدني أو النفسي، لذا يجب أن يعلم الداعية أن ما يتعرض له من إيذاء، إنما هو من ضريبة الدعوة التي لم يُعفَ من دفعها نبيٌّ ولا داعيةٌ على مرِّ الزمان، فما من نبيٍّ أو داعيةٍ إلا وسخر منه قومه وآذوه، ورمَوه بالجنون وغيرها من التهم، فما كان منهم إلا الاستعلاء على تلك الممارسات، وعدم الاهتمام بها، والركون إلى جناب الله عزَّ وجلَّ لمحو آثارها في النفس، واحتساب الأجر عنده سبحانه وتعالى، ولا شكَّ أنَّ كلَّ هذا يحتاج منك إلى صبر ومجاهدة، وهما عُدَّتا كلِّ مسلمٍ ملتزم.
بل إن البعض من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مَن تعرَّض لابتلاءاتٍ من قِبَل والديه، فهذا مصعب بن عميرٍ رضي الله عنه عندما أسلم، حبسته أمُّه، وخلعت عنه ملابس العزِّ والترف، وألبسته لباس الذلِّ والهوان، وضربته وعذَّبته، كي يحيد عن إسلامه، ولكنَّه لم يقابل هذا كلَّه إلا بالصبر، ولم يدفعه ذلك إلى إساءة القول أو الفعل مع والدته، حتى جعل الله عزَّ وجلَّ من ضيقه فرجًا ومخرجًا، كذلك كان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وغيرهما الكثير من صحابة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، مع أنَّ الوالدة في حالاتهم كانت كافرة، وليست مسلمة!! فما بالك بآبائنا وأمَّهاتنا المسلمين؟ بل والمصلِّين؟ بل والصائمين؟.

8- سابق المعرفة بنماذج سيئة من المتدينين والدعاة:
ممن يوصفون بسوء الخلق والسلوك، مما يولد لديهم عدم الاحترام والتقدير لعامة المتدينين والدعاة، وهذا يعالج بمحاولة الداعية زيادة احتكاك أسرته وأهله بالمتدينين الواعين الفاهمين، الذين يقدمون صورة مثلى للإسلام ولدعوته، فهذا له أبلغ الأثر في طمأنتهم وإزالة ما في صدورهم من شك وريبة تجاه التدين والمتدينين.

وسائل ناجعة
وهناك من الوسائل الكثير لتلافي خطر هذه الأسباب، وإبطال أثرها السلبي على العلاقة بين الداعية والمحيطين به، منها:
- التودد والتحبب والاقتراب، وإشعارهم بأنَّك تحبُّهم وتشفق عليهم، وتحبُّ لهم الخير والهدى والصلاح.
- إدامة الابتسام في وجوههم، حتى تمحو مفهومًا شائعًا عند كثير من عوام الناس بأن المتدينين دائمو العبوس، لا تعرف الابتسامة طريقًا إلى وجوههم.
- لا تترك تقبيل يدي أبيك وأمك.
- الثناء الدائم على أي مظهر من مظاهر الطاعة تبدر منهم، وعدم التحدث عن الذنوب والأخطاء والهفوات.
- محاول إشراكهم – دون ضغط – في الأنشطة الدعوية المختلفة، (دروس، محاضرات، ندوات، رحلات، سماع موعظة.. إلخ).
- جمع المؤيدين والمساندين، عن طريق محاولة كسب التأييد من بعض الأقارب، ممن له تأثير على الباقين، فيحاولوا إقناعهم بوجهة نظرك، كعاملٍ مساعدٍ، دون أن تقطع الطريق بينك وبينهم، مع الانتباه إلى ضرورة أن يكون ذلك بطريقةٍ غير مباشرة، حتى لا يظن الأهل أنَّك تكوِّن الجبهات ضدَّهم.
- اللجوء إلى الله عزَّ وجلّ، ودعاء السَّحَر أن يصلح الرحمن ما بينك أهلك ويفتح بينك وبينهم بالحق، وأن يربط على قلوبهم، فهو سبحانه الهادي، "إنَّك لا تهدي مَن أحببت ولكنَّ الله يهدي مَن يشاء..".
- كن في حاجتهم دائمًا، فالمرء منَّا قد يزوره فلانٌ وفلانٌ في وضعه الطبيعيِّ فينسى ذلك أو لا يلتفت إليه، ولكنَّه أبداً لا ينسى أنَّ فلاناً قد تواجد عند حاجته إليه، سواءً في فَرَحٍ أو تَرَح.
- يجب أن تكون قدوةً حسنةً لهم: تتمسَّك بأداء الفروض الخمسة في المسجد، وتلزم الأخلاق الحسنة والطاعات، وأن تكون عفيفاً طاهراً شفَّافا.
- اختيار الأوقات المناسبة لتوجيه النصح، حتى يكونوا مُهيَّئين لقبوله.
- أن توفِّر لهم ما تيسَّر من الأشرطة السمعيَّة والمرئيَّة التي تحوي الموادَّ الهادفة والبنَّاءة والمفيدة، وكذلك الكتيِّبات التي تعالج أوجه القصور وتشرح الأمور ببساطة، دون أن تفرض السماع أو القراءة عليهم فرضًا.
- في حالة رفضهم عليك بالصبر والمثابرة، فإنَّك داعية: { وأْمُر أَهلَك بالصلاة واصْطَبِر عليها… }، والداعية لا ينبغي أن يداخله نوعٌ من اليأس والفتور.
- الاجتهاد في إيجاد صحبةٍ طيِّبةٍ مناسبةٍ لأفراد أسرتك، كل حسب سنه واهتماماته، تختارهم من الأقارب والجيران والأصدقاء والزملاء، وتدعوهم لزيارتكم ولتكوين علاقاتٍ معهم، سواء في البيت أو النادي أو المسجد، أو في مكان العمل، أو في رحلاتٍ ونزهاتٍ ومسابقاتٍ وألعابٍ ونحو ذلك.
- التنويع بين التلميح والكلام المباشر، وبين الكلام مع كلِّ فردٍ على حِدَة سرًّا، وبين الجمع بينهم علانية، ومراعاة الستر وعدم الفضح، ومراعاة التوسُّط والاعتدال بين اللين والحزم، وكن إلى التيسير أقرب.

وبين الزوجين خصوصية
تدخل العلاقة الزوجية ضمن علاقات القربى، ولكنها بالطبع تتحلى بخصوصية تميزها عن غيرها من تلك العلاقات، اكتسبتها من تسمية الله عز وجل لها بالميثاق الغليظ، ولما أصبغه عليها من ميزات لا تتوافر في غيرها من العلاقات.
وبالتالي فالدعوة بين الزوجين تنسحب عليها تلك الخصوصية، وتحيطها بسياج تغلفه المودة والرحمة اللتان جعلهما الله بين الزوجين.

وتلك بعض الضوابط الهامة في الدعوة بين الزوجين:
- غالبًا ما يتسلم الزوج زمام القيادة في الأسرة، لذا فإن كان هو الذي يدعو زوجته فإن المهمة تصير أسهل ونتائجها أسرع، ولكن إن كان العكس هو الحادث فإن الأمر يحتاج إلى كثير من الحكمة والصبر والجهد من قبَل الزوجة، حتى لا تصدم زوجها في رجولته وقوامته، فبعض الأزواج قد يجد صعوبةً في تلقي المواعظ أو تقبّل النصائح من زوجته، فيدفعه ذلك إلى العناد والكبر.
- لا يجب أبدًا أن يشهر أحد الزوجين بالآخر، أو يفضحه في محيط العائلة أو الأصدقاء، فالإنسان يسهل عليه إصلاح نفسه والعودة عن خطئه ما لم يُكشَف أمرُه حرصاً على ثقة الناس به ومحافظة على حسن ظنهم به.
- أثبتت التجارب أن أنجح وأنجع وسائل الدعوة بين الزوجين هي التي يغلفها الحنان والرقة، وليست التي يغلب عليها العنف والقهر.
- يجب أن تعلم الزوجة أنها لا ولاية لها على زوجها، وأنه إذا لم تفلح أية وسيلةٍ معه فلا حرج ولا مسئولية ولا عقاب عليها؛ لأن لا سلطة لها عليه.
- اعتماد أسلوب التشجيع والحثّ مع كل عمل خيرٍ يعمله المدعو منهما، وزيادة المديح في ذلك، وذكر الأجر عليه دائمًا حتى وإن تكرر.
- على الزوجين أن يحذَرا من أن يربط أحدهما دعوته للآخر ودعوته للطاعة والالتزام بشخصه هو ورضاه هو، وتلبية رغبات الطرف المدعو. فإن هذا يدفع المدعو للوقوع في الشرك بالله ، والعياذ بالله. بل يجب أن يعلم المدعو أن هذه الطاعة وهذا الالتزام إنما يفعله لوجه الله وابتغاء مرضاته سبحانه وتعالى، وليس لوجه شريكه، ولا طمعًا في رضاه.
- المدخل العاطفي مهم جدًّا في الحديث بين الزوجين، كأن يذكر أحدهما للآخر في بداية الحديث أنه يحبه ويحرص عليه ويريده رفيقا له في الجنة. وإن كان لا يجيد الحديث فليكتب رسالة رقيقة يبث فيها مشاعره، ورغبته في طاعة الله سويّا.

وليتذكر دائمًا توجيه الله عز وجل لنبييه موسى وهارون عليهما السلام، حينما أمرهما بدعوة فرعون – ومن هو فرعون – قال عز وجل: { فقولا له قولاً ليِّنا لعلَّه يتذكَّر أو يخشى } .
- ليكن للزوج الداعية في رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة في تعامله مع أهله،
الذي قال: ( خيركم خيركم لأهله ) ، والذي حكت عنه السيدة عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن حاله في البيت، قالت: "كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة".
وربما قد يكون الزوج في الماضي لا يساعد الزوجة في أعمال البيت، وربما تكون الزوجة أيضًا في الماضي تعصي زوجها وترهقه بكثرة طلباتها، ثم يجد أحدهما الآخر وقد تغير سلوكه وتعدل، وصار متعاونًا متفهمًا مشفقًا، وعندما يبحث عن سبب هذا التغيير يجد أن هذا راجع إلى التزام الطرف الآخر بتعاليم الإسلام، وأن ذلك هو الذي هذب سلوكه وعدل طريقته، فيكون لهذا أبلغ الأثر في نفسه، فيتقبل الدعوة بصدر رحب.

إنك لا تهدي من أحببت
وأخيرًا يجب أن يعلم الداعية أنه إن كان قدوةً لوالديه وإخوته وأقاربه، وتودَّد إليهم وتقرَّب، وعاملهم بالحسنى، وعايش أفراحهم وأحزانهم، وخدمهم فيما يحتاجونه بما استطاع، وحدَّثهم بما يناسبهم في التوقيت الذي يناسبهم، وكان متوسِّطاً معتدلاً معهم، وغلب على ظنِّه أنَّه لم يترك مجالاً إلا وحاول توصيل دعوة الإسلام إليهم على حسب طاقاته وإمكاناته وظروفه وأحواله، فحينئذٍ لا إثم عليه إن لم يستجيبوا، فقد أدَّى ما أمكنه { لا يُكلِّف الله نفسًا إلا وسعها } ، وقد قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } ، وقال: { لعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفًا } .

وليعلم أن له – إن شاء الله - ثواب الاستجابة لأمر الله تعالى بالدعوة، ولكن يجب أن يستمر في التواصل معهم وحسن معاملتهم.

{ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } .