الآثار الاقتصادية لتحويلات العمالة الأجنبية والحلول

الناقل : heba | الكاتب الأصلى : طلعت زكي حافظ | المصدر : www.arriyadh.com

الآثار الاقتصادية لتحويلات العمالة الأجنبية والحلول

 

تشكل تحويلات العمالة الأجنبية أو الوافدة، هاجساً وعبئاً اقتصادياً كبيراً على القائمين على وضع ورسم الخطط الاقتصادية والمالية في البلاد، وبالذات في بلد مثل المملكة العربية السعودية، الذي يحتل نصيب الأسد من إجمالي حجم تحويلات العمالة الوافدة مقارنة ببقية دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك وفق آخر دراسة (2004-1425هـ)، أعدتها إدارة الدراسات والتكامل الاقتصادي في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بعنوان "تحويلات العمالة الأجنبية في دول مجلس التعاون – محدداتها وآثارها الاقتصادية" والتي ورد فيها أن حجم تحويلات الأجانب بالنسبة لدول المجلس الست مجتمعة، يبلغ في الوقت الحاضر نحو 27 مليار دولار سنوياً، وتمثل المملكة العربية السعودية، أكثر من 60 في المائة من حجم هذه التحويلات، أو ما يعادل نحو 16 مليار دولار سنوياً، في حين تمثل تحويلات العاملين في دولة الإمارات العربية المتحدة نسبة 16 في المائة من الإجمالي، أو أربعة مليارات دولار سنوياً، بينما يتوزع الباقي بنحو سبعة مليارات دولار سنوياً على دول المجلس الأخرى.

والمشكلة الاقتصادية من وجهة نظري، لا تكمن فقط في ضخامة حجم التحويلات السنوية للعمالة الأجنبية، ولكنها تكمن أيضاً، في ظاهرة الارتفاع الملحوظ في حجم هذا النوع من التحويلات عاماً عن عام، حيث قد أفادت نفس الدراسة المذكورة، أن تحويلات العمالة الأجنبية في دول مجلس التعاون الست، قد سجلت ارتفاعاً ملحوظاً خلال الفترة (2002 – 1975)، حيث قد ارتفعت خلال هذه الفترة من نحو 1.6 مليار دولار في عام 1975، إلى نحو 27 مليار دولار في عام 2002، وقد ارتفع حجم هذه التحويلات كنسبة أيضاً من الناتج المحلي الإجمالي لدول المجلس من 2 في المائة إلى 8 في المائة للفترة نفسها، هذا وقد بلغ مجموع تحويلات العمال الأجانب من دول المجلس خلال الفترة نفسها أكثر من 413 مليار دولار من دول المجلس الست، موزعة بين المملكة العربية السعودية بنحو 260 مليار دولار، الإمارات بنحو 65 مليار دولار، الكويت بنحو 29 مليار دولار، عُمان بنحو 26 مليار دولار، قطر بنحو 23 مليار دولار، وأخيراً البحرين بنحو 11 مليار دولار.

استمرار تنامي ظاهرة ارتفاع حجم تحويلات العمالة الأجنبية في دول مجلس التعاون الخليجي، ينذر بآثار وبمخاطر اقتصادية عديدة، ستعود سلباً على اقتصادات دول المنطقة، وبالذات على الاقتصاد السعودي، الذي – وكما أسلفت – يحتل نصيب الأسد من حجم هذه التحويلات. ولعل من بين أبرز السلبيات الاقتصادية لمثل هذا النوع من التحويلات، تسرب وهروب وهجرة المخزون من العملات الأجنبية الصعبة إلى خارج البلاد، واتجاهها إلى البلدان المحول إليها، الأمر الذي سيؤثر آجلاً أم عاجلاً سلباً على موازين مدفوعات دول المجلس تأثيراً ملموساً، ولا سيما أن مثل التسرب والهروب للعملات الصعبة، يمثل نزيفاً مستمراً لمدخرات اقتصادات دول المنطقة ومدخراتها من العملات الأجنبية الصعبة، ولا سيما أيضاً، أن مثل النزيف، يتسبب في تخفيض حجم الفائض في الحساب الجاري لدول المجلس بنسبة كبيرة، تقدر بنحو 90 في المائة، حيث يبلغ فائض ميزان الحساب الجاري لمجمل دول المجلس نحو 30 مليار دولار سنوياً، وبالتالي فإن الفائض يمكن له أن يصل إلى نحو 57 مليار دولار سنوياً، وذلك في حالة بقاء مبالغ تحويلات العملات الأجنبية داخل النظام النقدي والاقتصادي، أي أن ذلك سيحقق نسبة زيادة في موازين المدفوعات لدول المجلس تقدر بنحو 90 في المائة.

ولعل أيضاً من بين أبرز الانعكاسات السلبية لتحويلات العمالة الأجنبية على الاقتصاد، وبالذات على البيئة الاستثمارية والمناخ الاستثماري للاقتصاد، ضياع فرص الاستثمار، وعدم إمكانية إعادة توظيف الأموال في النظام الاقتصادي النقدي للدولة، فعلى سبيل المثال، حينما نقارن حجم تحويلات العمالة الأجنبية بحجم الاستثمار الفعلي في دول مجلس التعاون الخليجي، فإننا نجد أن حجم هذه التحويلات، قد بلغ نحو 42 في المائة من حجم الاستثمار الفعلي، في الوقت نفسه الذي تسعى فيه دول المجلس جاهدة لاستقطاب الاستثمارات وجذب الرساميل الأجنبية إلى البلاد، ومن هذا المنطلق فإن تسرب مثل هذا النوع من الأموال إلى خارج الاقتصاد، يتسبب في ضياع فرص استثمارية كبيرة كان يمكن حسن استغلالها وإعادة تشغيلها وتوظيفها في مشاريع تنموية تعود بالنفع الكبير على الاقتصاد وعلى المسيرة التنموية التي تعيشها في دول المجلس.

ومما لا شك فيه أن الاقتصاد السعودي يعتبر الاقتصاد الأكثر تضرراً مقارنة باقتصادات دول المجلس الأخرى من التحويلات الأجنبية، بسبب اقتصاديات الحجم من جهة، وبسبب عدد العمالة الأجنبية الكبير الموجودة في البلاد، ولا سيما حين النظر إلى ما قد أشارت إليه الدراسة المذكورة، بأن مستويات التحويلات الأجنبية في السعودية، قد ارتفعت مستوياتها ثلاثة أضعاف مما كانت هي عليه، خلال الفترة 1986-2000، وقد كان معدل النمو مرتفعاً بشكل خاص خلال الفترة 1986-1994، حيث قد بلغت في عام 1986 نحو 4804 ملايين دولار لتتزايد لتبلغ نحو 18102 مليون دولار في عام 2000 و1540 مليون دولار في عام 2001.

وفي اعتقادي، من بين أبرز الأسباب والعوامل التي تتسبب في زيادة وتيرة التحويلات الأجنبية إلى خارج البلاد، وبالذات في بلد مثل السعودية ما يلي:

1 -  ارتفاع مستوى معدل الأجور التي تتقاضاها العمالة الأجنبية، الأمر الذي يتسبب في توفير سيولة نقدية فائضة عن الحاجة، تمكن العمالة الأجنبية من إرسالها إلى بلدانها بغرض الادخار أو بغرض مواجهة التزامات أسرية أو عائلية في بلدانهم.

2 -  ضعف ومحدودية القنوات والأوعية الاستثمارية والادخارية المتاحة لدى العمالة الأجنبية، وبالذات في بلد مثل السعودية، الذي لم يمكن النظام فيه الأجانب إلى وقت قريب من الاستثمار المباشر في سوق العقارات مثلاً أو بالتحديد في سوق الأسهم، إلا من خلال صناديق الاستثمار المتاحة في المصارف السعودية.

3 -  محدودية الدور الذي تلعبه المصارف السعودية في استقطاب وفي استبقاء أموال ومدخرات العمالة الأجنبية، بالشكل الذي يساعد على توطينها وتدويرها في الاقتصاد السعودي وإعادة توظيفها في مشاريع تنموية تعود بالنفع على البلاد في الدرجة الأولى وعلى المستثمر الأجنبي الصغير في الدرجة الثانية.

أما بالنسبة للاقتصادات الأخرى على مستوى العالم، فلعل من بين الأسباب الرئيسية المحفزة على هروب الأموال والمدخرات الأجنبية وتسربها إلى خارج النظام النقدي والاقتصادي:

1 -  مستويات ومعدلات أسعار الفوائد، فبطبيعة الحال ارتفاع معدلات الفائدة المحلي سيساعد دون أدنى شك على بقاء الأموال الأجنبية، وسيشجع العمالة الأجنبية على استثمارها في الاقتصاد، وبالذات في أسواق الأوراق المالية والسندات الحكومية، والعكس من ذلك تماماً صحيح.

2 -  ارتفاع معدلات ومستويات التضخم في الغالب ما يكون طارداً رئيسياً للاستثمارات والمدخرات الصغيرة على مستوى العمالة الأجنبية، وبالذات في حالة تجاوز معدل التضخم الوضع الطبيعي المقبول، أو تجاوز مستوى التضخم ببلدان العمالة الأجنبية.

3 -  ارتفاع مستوى الضرائب على الاستثمارات والمدخرات الشخصية، بلا شك يحفز ويشجع على هروب الاستثمارات والمدخرات الشخصية وعودتها إلى بلدانها.

4 -  تذبذب وعدم ثبات سعر صرف العملة المحلية، يساعد على هجرة الاستثمارات الأجنبية إلى بلدانها بهدف تفادي تحقيق خسائر مالية فادحة نتيجة لاختلاف أسعار الصرف بين البلد المضيف والبلد الأصل.

5 -  عدم استقرار الوضع السياسي والأمني وضعف سيادة القانون والنظام، يعد من بين أهم العوامل الرئيسة، بل من بين أهمها على الإطلاق في بقاء أو عدم بقاء الأموال الأجنبية داخل البلاد، فطبيعة الحال اهتزاز الوضع السياسي في بلد وعدم استقراره، سيكون عاملاً مساعداً لهروب الأموال الأجنبية إلى بلدانها أو إلى بلدان أكثر استقراراً سياسياً وأمنياً، ولا سيما أن رأس المال – وكما يصفونه – بأنه دائماً جبان، وبالتالي فهو يبحث باستمرار عن ملاذ استثماري وسياسي آمن ومستقر.

وكوجهة نظر اقتصادية بعيداً عن المحاباة والمجاملة للاقتصاد السعودي، باعتقادي أن الاقتصاد السعودي مؤهل وجدير أكثر من غيره باحتضان الاستثمارات والرساميل الأجنبية، وبالذات استثمارات صغار المدخرين من الأجانب، ولا سيما حين النظر إلى حجم العمالة الوافدة الموجودة في البلاد وعدد الأجانب، الذين تجاوز عددهم السبعة ملايين شخص، كما أن المملكة تتمتع بتاريخ سياسي ولله الحمد مستقر وبيئة استثمارية آمنة، على الرغم من العمليات الإرهابية التي تعرضت إليها البلاد أخيراً في أماكن متفرقة من السعودية، هذا إضافة إلى أن المملكة تتمتع ببيئة استثمارية معفاة تماماً من الضرائب على دخول الأفراد، وأسعار صرف مستقرة (ثابتة) لعملتها المحلية، كل هذه المقومات الاستثمارية وغيرها كثير، في اعتقادي أنها من الممكن أن نستغل في جذب الاستثمارات والمدخرات الشخصية الصغيرة، والعمل على استبقائها في الاقتصاد، ولكن وحتى يتحقق ذلك، في اعتقادي أننا بحاجة ماسة إلى إدخال العديد من الإصلاحات الهيكلية السريعة على البيئة الاستثمارية والتشريعات والقوانين الاستثمارية لصغار المستثمرين والمدخرين من الأجانب إذا نحن فعلاً كنا جادين وراغبين في استقطاب الاستثمارات الأجنبية الصغيرة إلى البلاد، التي من بينها على سبيل المثال لا الحصر، إيجاد فرص استثمارية جديدة للمستثمرين الأجانب، تمكنهم من الاستثمار المباشر في الاقتصاد، وتوفير قاعدة معلومات وبيانات واضحة عن الفرص الاستثمارية المتاحة، وفتح المجال أمام الأجانب للاستثمار المباشر في سوق الأسهم السعودية، هذا إضافة إلى أهمية تفعيل دور المصارف السعودية في استقطاب الأموال الأجنبية من خلال ابتكار الأوعية والقنوات الاستثمارية المتعددة، وكذلك تسهيل مهمة فتح الحسابات الأجنبية للمستثمرين الأجانب، بما في ذلك قبول الودائع الاستثمارية والادخارية الخاصة بهم، والله من وراء القصد.

جريدة الاقتصادية / السبت غرة جمادى الأولى 1425 العدد 3904

طلعت زكي حافظ

كاتب ومحلل مصرفي واقتصادي / عضو جمعية الاقتصاد السعودي