الاحتفال بضرب النفس بالسيف عمل منكر

الناقل : صيد الخاطر | الكاتب الأصلى : العلامة عبد العزيز بن باز | المصدر : www.binbaz.org.sa

الاحتفال بضرب النفس بالسيف عمل منكر

حيرني وحير جميع أهلي قضية رأيناها، وهي أنه تقام في قريتنا بعض الاحتفالات والموالد، وأرى بعض الأشخاص يقومون بأعمال غريبة جداً وهي أن يقوم بعض الأشخاص بضرب أنفسهم بسيف أو خنجر وتقطيع أيديهم وأصابعهم، هل هذه الأفعال معقولة؟ وهل هي من عمل الشيطان؟ ونوع من السحر والشعوذة؟ وإذا كانت من عمل الشيطان كيف نرى أن الشخص الذي يقول لهم إن هذا العمل غير صحيح وأنه سحر وشعوذة يصاب في اليوم التالي بمرض خطير لا يشفى منه إلا إذا اعتذر منهم، وجهوني في هذا لأنها فتن ابتلينا بها جزاكم الله خيراً؟


 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:

فهذه الأشياء التي ذكرها السائل من كون بعض الناس يقيمون أعياداً واحتفالات، ويعملون بها أعمالاً منكرة من تقطيع أيديهم وأصابعهم ونحو ذلك، وأن من أنكر عليهم ذلك قد تصيبه بعض الأمراض، كل ذلك من عمل الشيطان وتزيينه للناس حتى يطيعوه وحتى يعملوا ما يدعوهم إليه من طاعة الشيطان وعصيان الرحمن، وهذه الأعمال التي يفعلها هؤلاء المجرمون يلبسون بها على الناس ويسحرون أعينهم، فيظن الناس أنهم قطعوا أيديهم أو قطعوا أرجلهم أو أصابعهم وليس هناك شيء من ذلك، كله كذب وكله سحر وكله بهرج، كما قال تعالى في قصة السحرة مع موسى: فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ[1]، فالساحر قد يسحر الناس حتى يروا الحبل حية ويروا العصا حية؛ كما قال تعالى: قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى[2]، فالمقصود أن هذه الأعمال أعمال سحرية وشعوذة باطلة، والواجب إنكارها على أهلها، وعلى الحاكم منعهم من ذلك ومعاقبتهم بما يردعهم وأمثالهم، وإذا كانت الحكومة إسلامية وجب عليها تنفيذ حكم الشرع فيهم حماية للمسلمين من شرورهم. كما أن الاحتفال بأعياد الميلاد كمولد فلان وفلان كل ذلك لا أصل له، وكله من البدع التي أحدثها الناس، فليس في الإسلام أعياد لمولد فلان أو فلان، وإنما فيها الأعياد الشرعية عيد النحر، وعيد الفطر، ويوم عرفة، وأيام منى هذه أعياد المسلمين بنص النبي صلى الله عليه وسلم.

أما مولد النبي عليه الصلاة والسلام أو مولد الحسين أو مولد فلان وفلان فالاحتفال بها مما أحدثه الناس بعد القرون المفضلة وكلها من البدع، فالواجب على المسلمين ترك ذلك والتوبة منه، والتعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والرجوع إلى ما شرعه الله، وشرعه رسوله عليه الصلاة والسلام فالخير كله في اتباع النبي عليه الصلاة والسلام، والشر كله في مخالفة هديه وما كان عليه أصحابه رضي الله عنهم، فقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد))[3] متفق على صحته، وقال صلى الله عليه وسلم: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))[4] أخرجه مسلم في صحيحه، ومعنى فهو رد أي مردود على فاعله. وفي الصحيح عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة ويقول: ((أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة))[5]، وزاد النسائي بإسناد حسن: ((وكل ضلالة في النار))[6]، وفي حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه يقول صلى الله عليه وسلم: ((إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة))[7]، فوصيتي لإخواني المسلمين في كل مكان بمصر والشام والعراق وغيرها أن يتركوا هذه الأعياد المنكرة، وأن يكتفوا بالأعياد الإسلامية، وأن تكون اجتماعاتهم في دروس القرآن والأحاديث النبوية والعلم النافع في الأوقات المناسبة من الليل والنهار للتعلم والتفقه في الدين، عملاً بقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه))[8]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين))[9]، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة))[10].

أما الاجتماع للاحتفال بمولد فلان أو غيره فهذا بدعة يجب الحذر منها وتركها، والتعاون على ذلك بالأسلوب الحسن والنصيحة الطيبة حتى يفهم المؤمن والمؤمنة الحقيقة. ويكون الاجتماع لطاعة الله ورسوله وللعلم والتفقه في الدين والتعاون على البر والتقوى، أما الاحتفال بمولد فلان من الناس فهذا بدعة لا تجوز، وأعظم ذلك الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يشرعه لأمته كما تقدم آنفاً، ولو كان الاحتفال بمولده مشروعاً لفعله النبي صلى الله عليه وسلم وعلَّمه للناس وعلَّمه أصحابه ولفعله أصحابه من بعده وعلَّموه للناس، فلما لم يقع شيء من ذلك علم أنه بدعة،

والله ولي التوفيق.


[1] سورة الأعراف الآية 116.

[2] سورة طه الآية 66.

[3] رواه البخاري في الصلح برقم 2499، ومسلم في الأقضة برقم 3242 واللفظ متفق عليه.

[4] رواه مسلم في الأقضية برقم 3243.

[5] رواه مسلم في الجمعة برقم 1435، والنسائي في العيدين برقم 1560.

[6] رواه النسائي في كتاب العيدين برقم 1560.

[7] رواه أبو داود في السنة برقم 3991.

[8] رواه البخاري في فضائل القرآن برقم 4639.

[9] رواه البخاري في العلم برقم 69، ومسلم في الزكاة برقم 9719، واللفظ متفق عليه.

[10] رواه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار برقم 4867.

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة الجزء التاسع