الرحمن الرحيم

الناقل : SunSet | الكاتب الأصلى : ابو وليد المهاجر | المصدر : norelhaq.com

الرحمن الرحيم
ماجد بن أحمد الصغير



الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاس مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وأِشهد أن محمداً عبده ورسوله الرحمة المهداة إلى الثقلين الموصوف بكونه بالمؤمنين رؤوف رحيم، أرسله الله رحمة للعالمين، وحجة على العاملين، ومنارة للسائرين، فانقسم الناس بدعوته إلى مرحومين مهتدين، وأشقياء محرومين، صلى الله وسلم وبارك عليه في الأولين والآخرين، وعلى أصحابه وأتباع دينه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد.
فإن من رحمة الله بالناس أنّ تجاوزَه عن خطايا عباده يسبق مؤاخذته لهم، وأنّ رحمته تغلب غضبه عليهم؛ ولذا كان الله هو الإله الحق لا إله غيره هو
الرحمن الرحيم وهو خير الراحمين وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين.
وقد حدثنا الله عن نفسه في كتابه، وعرفنا بأنه ذو الرحمة التامة التي لا تدانيها رحمة، رحمة شاملة لجلائل النعم وأصولها، رحمة شملت أرزاق الناس، ومصالحهم، وعمتهم كلهم، مؤمنهم وكافرهم، برهم و فاجرهم.
ولم تقتصر رحمته بهؤلاء على هذا فحسب بل شملت ما تحيا به قلوبهم وتزكو به نفوسهم فبرحمته تزول الكروب وتستر العيوب وتضيء القلوب. فحياتهم قائمة بإذنه، وأرزاقهم مكنونة في غيبه، وبقائهم رهن مشيئته وأمره، ومن ثم فإنه لا حول ولا قوة لهم إلا بقوته وحوله، فهو الملك وهو
الرحمن الذي استوى على عرشه، ودبر أمر الخلائق في ملكه، فلا يستغني عنه في الحقيقة مؤمن أو كافر، قال - تعالى -: الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيراً. ورحمة الله لا تقتصر على المؤمنين فقط؛ بل تمتد لتشمل ذريتهم من بعدهم؛ تكريما لهم، كما قال - تعالى -في نبأ الخضر والجدار: وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك فالإيمان بالله والعمل بطاعته وتقواه من أهم أسباب الرحمة الخاصة، قال - تعالى -: وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون، وقال: وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون.

رحمة الله الشاملة.
إن الله - سبحانه - موصوف بسعة الرحمة التي طوت جميع الوجود ووصلت إلى كل موجود، فحيثما أشرق شعاع من علمه المحيط، أشرق معه شعاع من رحمته بحسب ما تقتضيه علمه وحكمته. وقد خص المؤمنين منها، بالنصيب الأوفر، والحظ الأكمل، قال - تعالى -: ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون، وبهذا يثني عليه الخاصة من ملائكته، رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ.
وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: (قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسبي فإذا امرأة من السبي تبتغي إذا وجدت صبياً في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا والله، وهي تقدر على أن لا تطرحه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لله أرحم بعباده من هذه بولدها). [رواه مسلم]
وعن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قال: ((لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد لو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة)) [رواه مسلم].
وقال - صلى الله عليه وسلم - « ولما خلق الخلق كتب في كتابه فهو عنده: إن رحمتي سبقت غضبي » [رواه البخاري ومسلم]. فهي كالعهد لكل الخليقة بالرحمة لهم والعفو عنهم، والتروِّ والإمهال لهم.
ولعلك تقول: ما معنى كونه - تعالى -رحيماً، وكونه أرحم الراحمين، والرحيم لا يرى مبتلى ومضروراً ومعذباًًً ومريضاً، وهو يقدر على إماطة ما بهم إلا ويبادر إلى إماطته. والرب - سبحانه وتعالى - قادر على كفاية كل بلية، ودفع كل فقر وغمة، وإماطة كل مرض وإزالة كل ضرر، والدنيا طافحة بالأمراض والمحن والبلايا، وهو قادر على إزالتها جميعها، وتارك عباده ممتحنين بالرزايا والمحن.
فجوابك: أن الطفل الصغير قد ترق له أمه فتمنعه عن الحجامة والأب العاقل يحمله عليها قهراً والجاهل يظن أن
الرحيم هي الأم دون الأب، والعاقل يعلم أن إيلام الأب إياه بالحجامة من كمال رحمته وعطفه وتمام شفقته وأن الأم له عدو في صورة صديق فإن الألم القليل إذا كان سببا للذة الكثيرة لم يكن شرا بل كان خيرا.
وتحت هذا الغطاء سر منع الشرع عن إفشائه فاقنع بالإيماء ولا تطمع في الإفشاء ولقد نُبهت بالرمز والإيماء إن كنت من أهله فتأمل لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي هذا حكم الأكثرين وأما أنت أيها الأخ المقصود بالشرح فلا أظنك إلا مستبصراً بسر الله - عز وجل - في القدر مستغنياً عن هذه التحويمات والتنبيهات [ينظر: المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، لأبي حامد الغزالي 1/64].

شواهد رحمـة الله:
إن كل ما يراه الإنسان من الإنعام والإحسان ومن شواهد التدبير والتصريف الإلهي فهو من شواهد رحمة الله - عز وجل -، فكل ما هو مشاهد ومغيب من النعم والإحسان والكرم الفضل كل أولئك من آثار رحمتـه ومن ذلك:
نعمة إرسال النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنزال القرآن؛ولذا قال - سبحانه -: الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ* علمه البيان. وهذه النعم أعظم من إنزال المطر وإنبات الزرع وتسخير الكون: الليل والنهار، والشمس والقمر، لأن إنزال القرآن رحمة لأن بها يحصل حياة الأرواح والقلوب.
ومن أعظم شواهد رحمة الله تعلم القرآن ولهذا نزلت سورة كاملة بهذا الاسم سورة «
الرحمن » ابتدأت بهذا الاسم: الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علَّمه البيان فهذه ثلاثة من أعظم النعم فنعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، كلها من رحمته - سبحانه -، وليس للإنسان فيها يد.

ومن شواهد الرحمة:
السكينة التي يجدها المؤمنون في معية ربهم فما دام المؤمن مع الله فإن رحمة الله وعنايته تصحبه، ولو كان في غار مظلم موحش فالفتية أصحاب الكهف سألوا ربهم أن يصيبهم برحمته إذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً، فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً. فإذا الغار الموحش المظلم يغدو فسيحاً مضيئاً، وإذا الكهف الكئيب يصبح مع العيش طيباً سعيداً! إنها رحمات الله - سبحانه - ونفحاته تهون تلك الوحشة، وتفسح ذلكم الضيق.

* / كلية الشريعة وأصول الدين - جامعة القصيم - الدراسات العليا