لنقل كلمة الحق لا نخشى في الله لومة لائم

الناقل : SunSet | الكاتب الأصلى : محمد لطفي الصباغ | المصدر : dmataib.net

إن على الدُّعاة إلى الله أن يتَّصِفوا بالجُرأة المقبولة، التي تجعلهم يقولون الحقيقةَ التي وردتْ عن الله كما جاءت في الكتاب والسُّنة، لا يخافون في الله لومةَ لائم، مع التلطُّف في القول، والحكمة في التصرُّف، يقولونها دون إخفاء شيءٍ منها، هذا الشيء الذي لا يستريح إليه الآخرون، يقولونها بكل صراحة ووضوح.

 


 

ويجب أن يحذروا ليَّ النصوصِ أو تمييعَها؛ لكيلا يقعوا - لو فعلوا ذلك - في تحريف الكلِمِ عن مواضعه، وإفساد المعنى.


 

وعليهم أن يقولوها مع حُسن التأنِّي، ومع الحكمة والموعظة الحسنة، مُيسِّرين لا مُعسِّرين، ومُبشِّرين لا مُنفِّرين، بعيدين عن الفظاظة والغلاظة، مُجانبين العنفَ في كل صورِه؛ لأن الرِّفق لا يُنزَع من شيءٍ إلا شانَه، ولا يكون في شيءٍ إلا زانَه.


 

واذكروا - أيها الإخوةُ الدعاة - أن هناك عددًا من المخالفين لنا في الدِّين، عرفوا حقائقَ عديدةً من أحكام الشريعة المُطهَّرة؛ بل إن حركة الاستشراق في الغرب، وحركة التنصير في داخل بلاد الإسلام - قد درستَا دينَ الإسلام؛ لتشوِّهاه وتُحارباه.


 

فقد نشر المستشرقون كتبًا من تراثنا العظيم؛ بل إن أول طبعة للقرآن كانت في البندقية [1] من إيطاليا سنة 937هـ (1530م)، وقاموا بدراسات حول الكتاب والسنة[2]، وحول الإسلام بشكلٍ عامٍّ.


 

فعندما يأتي نفرٌ من المسلمين، ويعمدون إلى تأويل النصوص الشرعية بما يظنُّون أنه يُرضِي مُخالفينا في الدِّين، فإن العارفين منهم يَسخَرُون من هذا العمل، وينظرون إلينا نظرةًَ مُرِيبةً، ولا يُصدِّقوننا.


 

إن علينا أن نُبلِّغ الناسَ رسالةَ الإسلام، وأن نعرِضَ لهم دينَ الله كما أنزله الله بالأسلوب الحسن، وبلسان الحال ولسان المقال؛ {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29].


 

ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي صحابته الكرام، الأُسوةُ الحسنة.


 

وأودُّ أن أُورِد نموذجين من السيرة النبوية المُطهَّرة، تدعُوانِ إلى هذا النهج السديد:
ذكر ابن هشامٍ في "السيرة" عن أم هانئ بنت أبي طالب - رضي الله عنها - أنها كانت تقول: ما أُسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلاَّ وهو في بيتي، نام تلك الليلة في بيتي، فصلَّى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر أيقَظَنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فلما صلى الصبح وصلَّيْنا معه، قال: «يا أم هانئ، لقد صليتُ معكم العشاء كما رأيتِ بهذا الوادي، ثم جئتُ بيتَ المقدس، فصليتُ فيه، ثم قد صليتُ صلاةَ الغداةِ معكم الآن كما ترَيْن، ثم قام ليخرج.
قالت أم هانئ: فأخذتُ بطرَف ردائه وقلتُ: يا نبي الله، لا تُحدِّثْ بهذا الناسَ فيُكذِّبوك ويُؤذوك، فقال - صلى الله عليه وسلم -: والله لأُحَدِّثَنَّهُمُوهُ، ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس وأخبرهم، فعجِبُوا» [3].


 



وجاء في "سيرة ابن هشام" أيضًا:
فلما أصبح، غدا على قريش فأخبرهم الخبر، فقال أكثر الناس: هذا والله الإمْر[4] البيِّن، والله إن العِير لَتُطْرَدُ شهرًا من مكةَ إلى الشام مُدبرةً، وشهرًا مُقبِلة، أفيذهبُ محمدٌ في ليلةٍ واحدة ويرجع إلى مكة؟!


 


قال: فارتدَّ كثيرٌ ممن كان أسلم، وذهب الناس إلى أبي بكر فقالوا: - هل لك يا أبا بكرٍ في صاحبكَ، يزعُمُ أنَّه قد جاء هذه الليلة بيتَ المقدس، وصلَّى فيه، ورجع إلى مكة؟!


 


فقال لهم أبو بكر: إنكم تكذبون عليه.
فقالوا: بلى، ها هو ذاك في المسجد يُحدِّث به الناس.


 


فقال أبو بكر: والله لئن كان قاله، لقد صدق، فما يُعجِبُكم من ذلك؟
فوالله إنه ليُخبِرُني أنَّ الخبرَ يأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار، فأُصدِّقُه، فهذا أبعد مما تعجبون.
ثم أقبل أبو بكرٍ حتى انتهى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: - يا رسول الله، أحدَّثتَ هؤلاء القوم أنَّك جئتَ بيت المقدس هذه الليلة؟
قال: «نعم».


 


قال: صدقتَ، أشهد أنك رسول الله.
فيومئذٍ سُمِّي أبو بكرٍ الصدِّيقَ[5].


 


والشاهد: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «والله لأحدثنهموه»؛ أي: سأُحدِّثُهم مهما لاقيتُ من التكذيب والإيذاء، والإنكار والاستهزاء.


 

ولقد جرى على هذا النهج السديدِ الصحابةُ الأجِلاَّء - رضوان الله عليهم - ومن ذلك: موقف جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - أمام النجاشي في الحبشة.


 


من المعلوم لمن يقرأ السيرة: أنه لما هاجر فريقٌ من المؤمنين إلى الحبشة يلتمسون العيشَ الآمِن، الذي يُتيحُ لهم أن يُؤدُّوا ما افترضه الله عليهم، ويتخلَّصوا من الإيذاء الشديد الذي كانوا يلقونه في مكة، وتمَّ لهم ما يُريدون في مقامهم الجديد - رأت قريشٌ أن هذا الفريق من الصحابة أمِنوا واطمأنُّوا بأرض الحبشة، وأنهم قد أصابوا بها دارًا وقرارًا، ساءهم ذلك، فبعثوا إلى النجاشي رجلَيْن من قريشٍ؛ ليُعيدُوهم ويُخرِجوهم من دارهم التي اطمأنوا بها وأمِنوا.


 

وهذان الرجلان هما: عبدالله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص، وأدَعُ الحديث إلى أمِّ المؤمنين أمِّ سلمةَ - رضي الله عنها - تُحدِّثنا عن ذلك.


 

قالت أم سلمة:
"فخرجا حتى قدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دارٍ، عند خير جارٍ، فلم يبقَ بطريقٌ من بطارقتهم إلا دفعا إليه هديةً قبل أن يُكلِّما النجاشي، وقالا لكل بطريق: إنه قد لجأ إلى بلد الملكِ غِلمانٌ سُفهاءُ، فارقوا دينَ قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدينٍ مُبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعَثَنا أشرافُ قومنا إلى الملك ليردَّهم إليهم، فإذا كلَّمْنا الملكَ فيهم، فأشيروا عليه بأن يُسلمهم إلينا، ولا يُكلِّمهم.


 

ثم إنهما قدَّما هداياهما إلى النجاشي، فقبِلَها منهما، ثم كلَّماه فقالا له:
أيها الملك، إنه قد لجأ إلى بلدكَ منا غِلمانٌ سُفهاء، فارقوا دينَ قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدينٍ ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعَثَنا إليك فيهم أشرافُ قومهم؛ لتردَّهم إليهم؛ فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم.


 

قالت أم سلمة - رضي الله عنها -: ولم يكن شيءٌ أبغض إلى عبدالله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص، من أن يسمع كلامَهم النجاشيُّ، قالت: فقالت بطارقتُه حوله:
صدقا أيها الملك، قومُهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلِمهم إليهما.


 

قالت: فغضب النجاشي، وقال: لاها اللهِ إذًا، لا أُسلِمُهم إليهما، ولا يكاد قومٌ جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على مَن سواي، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان، أسلمتُهم إليهما، ورددتُهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك، منعتُهم منهما، وأحسنتُ جوارهم ما جاوروني.


 

قالتْ أم سلمة - رضي الله عنها -: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعاهم، فلما جاءهم رسولُه، اجتَمعوا، ثم قال بعضهم لبعضٍ: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟
قالوا: نقول والله ما عَلِمنا، وما أمرَنا به نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - كائنًا في ذلك ما هو كائن.


 

فكان الذي كلَّمه جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - فقال له:
أيها الملك، كنَّا قومًا أهل جاهلية؛ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونُسيء الجوار، ويأكل القويُّ منا الضعيفَ، فكنا على ذلك، حتى بعث اللهُ إلينا رسولاً منا، نَعرِف نَسَبَه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنُوحِّدَه ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا مِن دونه من الحجارة والأوثان، وأمَرَنا بصدقِ الحديث، وأداءِ الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقولِ الزور، وأكلِ مال اليتيم، وقذف المُحصنات، وأمَرَنا أن نعبد الله وحده لا نُشرك به شيئًا، وأَمَرَنا بالصلاة والزكاة والصيام - قالت أم سلمة: فعدَّد عليه أمورَ الإسلام - فصدَّقناه وآمنَّا به، واتَّبعناه على ما جاء به من الله، فعبدْنا الله وحده، فلم نشرك به شيئًا، وحرَّمنا ما حرَّم علينا، وأحلَلْنا ما أحلَّ لنا، فعدا علينا قومُنا، فعذَّبونا وفتنونا عن ديننا؛ ليرُدُّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله - تعالى - وأن نستحلَّ ما كنا نستحلُّ من الخبائث.


 

فلما قهرونا وظلمونا، وضيَّقوا علينا، وحالُوا بيننا وبين ديننا - خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألاَّ نُظلَمَ عندك أيها الملك.
قالت أم سلمة - رضي الله عنها -: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟


 

فقال له جعفر: نعم.
فقال له النجاشي: فاقرأْه عليَّ.


 

قالت: فقرأ عليه صدرًا من {كهيعص}، قالت: فبكى - واللهِ - النجاشيُّ حتى اخضلَّتْ لحيتُه، وبكَت أساقفتُه، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى لَيخرُجُ من مشكاة واحدة، انطلِقا، فلا والله لا أُسلِمُهم إليكما، ولا يكادون.


 

قالت أم سلمة - رضي الله عنها -: فلما خرجا من عنده، قال عمرو بن العاص: والله لآتينَّه غدًا عنهم بما أستأصِلُ به خضراءهم، والله لأُخبِرنَّهُ أنهم يزعُمون أن عيسى ابن مريم عبدٌ.
فلما كان من الغدِ، قال له: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيمًا، فأرسلْ إليهم فسلْهُم عما يقولون فيه.


 

قالت: ولم ينزل بنا مثلُها قط.
فاجتمع القوم، ثم قال بعضهم لبعضٍ: ماذا تقولون في عيسى ابن مريم إذا سألكم عنه؟
قالوا: نقول والله ما قال الله، وما جاء به نبيُّنا كائنًا في ذلك ما هو كائنٌ.
فلما دخلوا عليه، قال لهم: ماذا تقولون في عيسى ابن مريم؟


 

فقال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاءنا به نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم -: هو عبدُ الله ورسوله، ورُوحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
قالت: فضرب النجاشي بيده إلى الأرض، فأخذ منها عودًا، ثم قال: والله ما عدا عيسى ابنُ مريم ما قلتَ هذا العودَ.
ثم قال للمسلمين: اذهبوا فأنتم الآمِنون، من سبَّكم غرِم، من سبَّكم غرِم"[6].


 

إن هذا النهجَ هو النهجُ السليم الذي يُوصل إلى النصر، ويُحقِّق لأصحابه الأجر، فما أجدرَ الدعاةَ بالحرص عليه كائنًا ما يكون الأمر!
إن ذلك يجعلهم محترمين في أعين الموافقين والمخالفين، ويثق بهم من يستجيب لدعوتهم.
إن المخالفين لنا لن يستجيبوا لدعوتنا مهما جامَلْنا وتنازلْنا، وقد قام في العصر الحاضر مثالٌ حيٌّ على ذلك.


 

ألم يقُم فينا مَن يؤوِّل لهم كلَّ النصوص الثابتة في الكتاب والسنة، التي يحسبُ هؤلاء المؤولون أنها تخيفهم؟!
ثم كان ماذا؟!
كان ما يعلم الحاضرُ والبادي، ماذا فعل هؤلاء المخالفون بنا في البوسنة والهرسك؟! وما يفعلون الآن في أفغانستان وباكستان وفلسطين؟!


 

إن الأمور انكشفتْ، فلم تعُدْ خافيةً على ذي بصرٍ وبصيرة.


ألاَ فلنمضِ في تقرير دعوتنا دون تأويلٍ ولا استرضاءٍ لأحدٍ؛ {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256]، وصدق الله العظيم: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 220].