دروس من سورة طه

الناقل : SunSet | الكاتب الأصلى : الشيخ الدكتور عائض بن عبد الله القرنى | المصدر : alislamnet.com

سنقف في هذه الأوراق القادمة مع موسى عليه السلام، ومع دعوته العالمية التي طرقت العالم، ووقفة مع قصصه العجيب.
و
موسى عليه السلام، له مقاطع كبيرة من القرآن، حتى قال بعض السلف الصالح: كاد القرآن أن يكون لـموسى ، فما تكاد تقرأ مقطعاً أو سورة إلا وتسمع قول الله يقرع أذنيك ويصادف قلبك: ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى)).
و
موسى عليه السلام كانت دعوته: جدلية علمية، وعملية ميدانية، وحربية عسكرية.
و
موسى عليه السلام ذكر كثيراً في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم فصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه لما قرأ سورة الكهف ووصل إلى نهاية قصة موسى عليه السلام مع الخضر قال صلى الله عليه وسلم: (رحم الله موسى لوددنا لو صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما) (1) .
وجاء عنه صلى الله عليه وسلم من حديث
ابن مسعود ، قال: سمعت كلاماً -أي: يؤذيه صلى الله عليه وسلم- فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فتغير وجهه حتى كان كالسيف ثم قال: (رحم الله موسى ، أوذي بأكثر من هذا فصبر) (1) ، ((فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا)).
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (
إن موسى كان رجلاً حيياً -أي: كثير الحياء- فكان لا يغتسل أمام الناس.
فقال بنو إسرائيل: ما يمنع
موسى أن يغتسل أمامنا إلا أنه آدر -يعني به مرض في شيء من أعضائه التي يستحيا من ذكرها-.
فبينما هو يغتسل يوماً إذ فر الحجر بثوبه بقدرة الله .. فرآه بنو إسرائيل فعلموا أنه ليس به مرض)
(1) .
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (
تحاج آدم و موسى .. فقال موسى : أنت آدم الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك خلقه، كيف أخرجتنا بمعصيتك -يلومه على المعصية لا على القضاء والقدر-.
فقال
آدم عليه السلام: أنت موسى الذي كلمه الله، وكتب لك التوراة بيده، وأنجاك، أتلومني على شيء قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني)
فقال صلى الله عليه وسلم: (
فحج آدمموسى .. فحج آدمموسى .. فحج آدمموسى) (1) أي: غلبه بالحجة.
وسنعيش الآن معاً مع آيات سورة (طه) لنتأمل تطور الأحداث في قصته عليه السلام.
قال الله: ((
وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى)) الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم.
والجواب: لا والله ما أتاه، ومن أين يأتيه وهو ما قرأ ولا كتب ولا تعلم؟
((
إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى))، لم يذكر الله سبحانه وتعالى قصة موسى هنا كما ذكرها في سورة القصص، يوم أن خرج عليه السلام إلى أهل مدين ، بعد أن قتل نفساً، وهي قصة طويلة جداً ومشهورة.
((
إِذْ رَأَى نَارًا)) سبحان الله! أتى بأهله بعد أن رعى الغنم عشر سنوات، وكانت امرأته في المخاض، فأظلم عليه الليل، ومعه قطيع من الغنم، والأنبياء كلهم عليهم السلام قد رعوا الغنم.
فأظلم على
موسى الليل، فأتى تلك الليلة سحاب ومطر وبرق ورعد، فأراد موسى أن يشعل ناراً يستدفئ بها هو وأهله، ويوقدونها للطعام، ولكنه ما استطاع أن يوقدها بالحجارة لحكمة أرادها الله.
فلما أظلم عليه الليل رأى ناراً تلمع من طرف الوادي البعيد، فاستبشر، وقال لأهله: هذه النار، إما أن أجد فيها قبساً آتي به لتستدفئون، أو لعل صاحب هذا النار يهديني إلى الطريق.
فذهب فإذا بالنار غير النار، فاقترب منها فسمع هاتفاً يهتف: ((
يَا مُوسَى)) سبحان الله! من يعرف موسى ؟
ومن هو
موسى حتى يعرف من تلك القبائل الصحراوية؟
.
((
فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ)) سبحان الله! الله يعرف موسى عليه السلام.. ما أعظم الله.
((
فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ)) لماذا يخلع نعليه؟
وما هو السر في خلع النعلين؟
قال
أبو ذر و أبو أيوب و علي بن أبي طالب : [كان حذاؤه من جلد حمار، والوادي المخاطب فيه أصبح مقدساً لتكليم الله عز وجل].
سبحان من يشرف بقعة على بقعة، وإنساناً على إنسان، وبلداً على بلد، وزمناً على زمن.
((
إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى))، فأنت اليوم، يا راعي الغنم، سوف تكون رسولاً، وسوف تبعث إلى الطاغوت الأكبر، إلى شيخ الضلالة الأكبر، تدعوه إلى لا إله إلا الله.
((
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ)) فما زكاك أحد لدي، وما توسط لك أحد من الناس، وما شفع لك أحد من البشر.
ورد أن الله قال له: أتدري، يا
موسى ، لم اخترتك؟
قال: لا أدري، يا رب.
قال: نظرت في قلوب العباد فوجدت قلبك أكثر قلوب العباد تواضعاً لي.
سبحان الله!
موسى كان أكثر الناس تواضعاً لله، وقد أثر عنه أنه ما جلس مع أحد من الناس إلا ظن أن جليسه أعظم منه، وأعلى منه، وأحسن منه.
بعد ذلك ابتدأ الله بتعريف نفسه إلى
موسى ، ولم يبدأ بشيء آخر غيره ((إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا)).
وصح عنه صلى الله عليه وسلم (
أنه كان يسأل الناس عن أسمائهم، فقد قال لوفد عبد القيس: من الوفد؟
) (1) .
قال: ((
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي)) فملأ الله قلب موسى بالتوحيد.
وأنت إذا أردت الله، فاملأ قلبك بتوحيد الله، فوالله لا ينفع عملك من صلاة أو صيام أو حج أو عمرة أو تلاوة أو صدقة، حتى توحد الله رب العالمين.
(لا إله إلا الله): كلمة ما أتى بها أحد وصدق فيها وأخلص في فحواها، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية.
(لا إله إلا الله): كلمة من صدق في العمل بها ومقتضاها، أنقذه الله.
(لا إله إلا الله): كلمة من ثبته الله عليها فلا يخسر أبداً.
((
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي)) فأقرب طريق إلى الله هو العبادة.
ولذلك لـ
ابن تيمية كلام هنا معناه: أن أقرب الطرق إلى الله العبادة.
وفي التاريخ: أن
عمر رضي الله عنه وأرضاه قال لـسعد بن أبي وقاص لما أرسله للقادسية أميراً وقائداً للجيش: يا سعد بن وهيب ، لا يغرنك قول الناس أنك خال رسول الله، فإن الله ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، فأقربهم إليه أطوعهم له.
ولذلك ذكر الله النبيين بالعبادة وقال: ((
وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ))، وقال عن زكريا : ((وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)).
ولذلك فإنك كلما زدت لله عبودية؛ كلما نفعك. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم قال: (
إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة) (1) فكلما وضعت رأسك في التراب كلما رفعك.
وفي الحديث عن
ربيعة الأسلمي قال: (قلت: يا رسول الله! أسألك مرافقتك في الجنة.
قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود
) (1) .
فلا طريق إلى الله إلا بالعبادة.

فأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرت


ونادي إذا سجدت له اعترافاً بما ناداه ذو النون ابن متى


ثم قال تعالى: ((
فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)) فيا دعاة الإسلام، ويا أخيار ويا حملة لا إله إلا الله، ويا أهل البيوت الذين يريدون تربيتها على الإسلام ((وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)) أول زاد للدعاة وللمسلمين.
((
لِذِكْرِي)) قيل: إذا ذكرت، أي: وقت ما تذكرني فأقم الصلاة.
وقال بعض أهل العلم: ((
وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)) أي: إذا نمت عن الصلاة، ثم قمت وذكرتها فأدها، لحديث أبي قتادة مرفوعاً إليه صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك) (1) .
وقيل: ((
وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)) أي: لإقامة ذكري، فلا تذكر غيري، لا مال ولا ولد ولا منصب.
وقد ذكر الله الصلاة بعد التوحيد والعبادة لأهميتها؛ ولأن ((
إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)).
قال
ابن تيمية : هذه الآية أخطأ فيها طائفة من أهل العلم، ومعناها الصحيح أن للصلاة منفعتين:
1- أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.
2- أن فيها يقام ذكر الله.
((
إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى)).
يا
موسى : إن هناك يوماً يجمع الله فيه الأولين والآخرين.
يا
موسى : إن هناك حساباً.
يا
موسى : إن هنا يوماً يجعل الولدان شيباً.
يا
موسى : إن هناك يوماً تنسف فيه الجبال نسفاً.
((
إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا)) قيل: أكاد أظهرها على باب التضاد.
وقيل: أخفيها على ظاهرها.
((
كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى)) لا إله إلا الله! ما أعظمه من يوم.
لا إله إلا الله! ما أخطره من لقاء.

يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه


كم نطلب الله في ضر يحل بنا فإن تولت بلايانا نسيناه


ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطئ عصيناه


((
فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى)). فاحذر من جلساء السوء، يا موسى ، لا يصدنك عن لقاء الله.
وهذا تنبيه لكل مسلم بأن لا يصرفه قرناء السوء عن أمر الساعة، ويشغلونه بما يصده عن ذكر الله، وعن الصلاة والعبادة، فهؤلاء هم أهل الهوى ممن اتبعوا أهواءهم فانتبه منهم.
قال: ((
وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى)).
الآن، أراد الله مؤانسة
موسى ، فهو، سبحانه، يعرف أنها عصا، ولكنه، سبحانه، أراد من موسى أن لا يشعر برهبة، وأن يعلم أن الله قريب منه.
كان الأصل في الجواب أن يقول
موسى : هي عصا، ويكتفي بهذا، لكنه لما وجد الأنس والراحة استرسل في الجواب، فقال: ((هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى)).
فقال الله عز وجل: ((
أَلْقِهَا يَا مُوسَى)) لأن هذه العصا سوف يكون لها قصة مع الدعوة، وسوف يكون لها سجل حافل، وسوف يكون لها أحداث.
((
فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى)) سبحان الله! من حول العصا إلى ثعبان.
يقول أهل التفسير، وينسب إلى
مجاهد وغيره قالوا: تحولت العصا، فإذا هي حية عظيمة لها أنياب ولها عينان.
ففر عليه السلام! من هول المنظر، فقال الله له: ((
لا تَخَفْ))، ولم ير حتى قال له الله: ((إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ)) فلك منا عهد وشرط ألا تأكلك الحية!
سبحان الله! يخاف، والله يهيئه لأن يدكدك ملك
فرعون الذي يحرسه الجنود الأشاوس، فأراد سبحانه أن يقوي عزمه فقال: ((خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى)).
فتقدم إليها فقبضها بلسانها، ثم هزها، فإذا هي عصا.
والحكمة في قصة العصا أمور:
أولاً: ليثبت عند
موسى أن الله على كل شيء قدير.
ثانياً: أن الله معك يا
موسى ، وأنه يستطيع أن يفعل ما يؤيد دعوتك.
ثالثاً: أن عصاك سوف يكون لها خبر.
رابعاً: أنك سوف تنتصر في المعركة مع الدجال الخبيث الآثم
فرعون .
((
وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ)) وكانت يد موسى سمراء لأنه أسمر اللون، كما ثبت ذلك، فأمره تعالى أن يدخل يده تحت إبطه، فلما أدخلها خرجت بيضاء تلمع؛ كأنها قطعة البدر، أو قطعة القمر ليلة أربعة عشر، أو كأنها الشمس.
قال: ((
وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ)) أي: لئلا يظن موسى عليه السلام أنه برص، أو بهق، أو مرض.
((
اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى)) سبحان الله! هذا الرجل يفر منه أكثر من عشر سنوات، واليوم يطلب منه أن يدخل عليه في القصر.
فماذا قال
موسى عليه السلام؟
اسمع إلى التسديد من الله، واسمع إلى الكلام العجيب: ((
قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي)) لأن الله إذا شرح لك صدرك فلا تخف من شيء، ((فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ))، وإذا شرح الله صدرك فاعلم أن لذائذ الدنيا لا تساوي، والله، مع شرح الصدر شيئاً.
وإذا ضاق صدرك؛ فاعلم أن نعم الدنيا لا تساوي شيئاً.
وشرح الصدر يأتي بأمور: أعظمها التوحيد، ثم العبادة، وكثرة الذكر، والالتجاء إلى الله عز وجل.
ولذلك امتن الله على رسوله في القرآن، فقال: ((
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ))، أما وسعنا لك صدرك؟
أما طردنا عنك الهموم والغموم؟
قال
موسى عليه السلام: ((قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي)) فكأنه يقول: يا ربي، المسئولية خطيرة، ويا ربي، الرسالة ضخمة: فيسر لي أمري.
((
وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي)) لأن موسى كان يأكل الكلام.
قال
الحسن البصري : رحم الله موسى ، ما سأل الله إلا أن يحل عقدة واحدة بقدر الحاجة، فما قال: اجعلني أفصح أهل مصر ، أو خطيباً مصقعاً، أو محاضراً مطبقاً.. لا، بل قال: ((وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي)).
وفي سورة القصص يقول عن
هارون : ((هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا)) فأرسله الله معه.
قال أهل العلم: ما سمعنا بشفاعة أعظم في الدنيا من شفاعة
موسى في هارون ، فإنه شفع له عند الله حتى أصبح نبياً من الأنبياء.
فجعل الله
هارون وزيراً لـموسى يعينه على أعباء الدعوة ويشد أزره، ولذلك قال: ((وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا))، ((كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا)) ولذلك، فالاثنان يسبحان أكثر من الواحد، فيا حبذا الصديق الصادق الذي يعينك على طاعة الله.
فقال تعالى: ((
قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى)) كل هذه المسائل الكثيرة، هي: سؤال في جنب الله، عز وجل وفي عطاء الله، وسعة رحمة الله، فأصبحت سؤالا واحدا، ثم أخذ تعالى يذكره بنعمه عليه وبأيامه الأولى، فقال: ((وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى)) يا موسى ، لا تنس منة الله: ((إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)) فذكره سبحانه وتعالى بأيام الولادة، ثم أيام الطفولة، وكيف أنه، سبحانه، قد أنجى هذا الصبي الرضيع من ظلم فرعون ، وصنعه على عينه، وهيأه لهذه الرسالة.
ثم ذكره الله بنعمة أخرى، فقال: ((
وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ)) أي: عشر سنوات كما قال ابن عباس : ((ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى)) جئت بقضاء من الله وقدر.
ثم قال تعالى: ((
وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي)) ربيتك لتكون رسولاً لي تبلغ دعوتي، ((اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ)) الآن يقول سبحانه: ((أَنْتَ وَأَخُوكَ)) وفي أول السورة يقول: ((اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ)) فأصبح له وزيراً من الآن.
((
وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي)) قيل: ولا تضعفا عن ذكري، بل سبحا كثيراً، وهللا كثيراً، واحمدا كثيراً، واستغفرا كثيراً، فهذا زاد المسلم، وإذا رأيت المسلم يكثر ذكر الله، فاعلم أنه قريب من الله، وإذا رأيته غافلاً فاعلم أن بينه وبين الله بعد.
((
اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)).
ما أحسن هذا التوجيه! وما أحسن هذه التربية للدعاة وللخطباء من طلبة العلم والعلماء.
((
فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا)) كأن معنى الخطاب: لا تجرحا شعور فرعون ، واحذرا أن تسباه أو تشتماه، فتأخذه العزة بالإثم، فلا يسلم ولا يؤمن، بل خذاه بالتي هي أحسن.
قال
سفيان الثوري : والقول اللين أن يخاطباه بكنيته!
ولذلك يقول الشاعر:

أكنيه حتى أناديه لأكرمه ولا ألقبه والسوءة اللقب


ولكن
موسى لا زال في قلبه بقايا خوف من سطوة فرعون وطغيانه، ولذلك قال: ((رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى)).
فطمأنه الله بقوله: ((
لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى))، أي: أنا قريب منكم أشاهد تفاصيل الموقف كله، وناصية فرعون في قبضتي، فلا تخافا، فأنا حافظ لكما منه.
ثم قال لهما: ((
فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى)).
فعلمهم سبحانه أسلوب الخطاب، وكيف يوجهان الكلام، وذلك بعدة أمور:
أولاً: أخبراه بأنكما رسولان.
ثانياً: خذا بني إسرائيل.
ثالثاً: سلما عليه بهذا السلام ((
وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى)).
ولذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما بعث رسالته إلى
هرقل استخدم هذا السلام معه لأنه كافر.
والآن تبدأ المحاورة بينهما:
قال
فرعون مستهزئاً: ((فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى))؟
السؤال محرج! فإن قال
موسى : ربي الله، فإن فرعون لا يعرف إلا نفسه تدعى بهذا الاسم.
وإن قال له: ربي العليم، فإن
فرعون سيقول: وأنا عليم.
فاسمع ما قال
موسى عليه السلام:
((
رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)).
وهذا جواب مسكت لـ
فرعون؛ لأنه لا خالق ولا هادي إلا رب السماوات والأرض، فهدى سبحانه الإنسان والحيوانات والطيور وجميع الكائنات، والقصص في هذه الهداية كثيرة، وفيها عجائب ونوادر.
فبهت
فرعون وانهزم أمام هذا الجواب الباهر، وانتصر موسى عليه السلام في محاورته، وأما بقية القصة فهي معلومة للجميع، ولعلها تأتي في موضع آخر.