نهاية زعيم المنافقين

الناقل : elmasry | الكاتب الأصلى : قصيمي | المصدر : www.ahm1.com

نهاية زعيم المنافقين
عبدالله بن أبي أطلق شائعة الإفك فأراد إبنه أن يقتله!


جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلي المدينة مهاجرا إليها، وكان أول مافعله أن آخي بين المهاجرين والأنصار، ثم كتب صحيفة المدينة التي أمن اليهود فيها علي معتقداتهم وأموالهم، كما أمن الطوائف الاخري في المدينة علي ألا يخونوا المسلمين، ولايتحالفوا مع أعدائهم ولايجيرهم. وجمع الرسول عليه الصلاة والسلام في يديه بين السلطة الروحية والسياسة.
وكانت هناك في المدينة طائفة من المنافقين تظهر الاسلام وتبطن العداء للرسول عليه الصلاة والسلام، وكان علي رأس هؤلاء المنافقين عبدالله بن أجبّيٌِ بن سلول

وكان من الخزرج، وكان يستعد قبل أن يهاجر الرسول الي المدينة أن يتوج ملكا عليها، غير أن هجرة الرسول أضاعت عليه هذه الفرصة فقد التف أهل المدينة حول الرسول، ولم يعد يأبهون بعبدالله بن أجبّيٌِ، مما جعله يحقد علي الاسلام ونبي الاسلام إذ انتزع الاسلام منه ما كان يحلم به من سلطة وجاه في المدينة.
ومضت الأيام.. وزاد التفاف المسلمين حول الرسول، ثم قامت معركة (بدر) بين المسلمين ومشركي مكة، وأنتصر المسلمون في هذه المعركة انتصارا حاسما، رفع من قيمة المسلمين في المدينة، وعزز مواقفهم، ووجد عبدالله بن أجبّيٌِ، أن الاسلام يسير في طريق صاعد وانه ينبغي ان يكون له دور في المجتمع الجديد فأعلن إسلامه، وهو يطوي بين جوانحه النفاق!! وأمر أعوانه من المنافقين باعلان اسلامهم حتي لا يأخذ المسلمون منهم موقفا، وبذلك أصبح هؤلاء المنافقون يضمرون شيئا، ويظهرون شيئا آخر!

***

وكانت هذه الجماعة المنافقة برئاسة عبدالله بن أجبّيٌِ، تتصل باليهود، وكل الناقمين علي المسلمين، ليكيدوا لهم ويتأمرون ضدهم إذا ماحدث في الأمور مايستدعي وقوفهم ضد الاسلام والمسلمين!
وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يعرف ذلك كل المعرفة، ولكنه ترك أمرهم لله، فالسرائر يملكها الله عز وجل، وكان يقول:
'لم أؤمر أن انقلب عن قلوب الناس أو أكشف عن أسرارهم'.
وقد صور القرآن الكريم هؤلاء المنافقين يقوله:
'ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وماهم بمؤمنين.. يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم ومايشعرون. في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا، ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون'.
(البقرة 8­10)
وصور الله سبحانه وتعالي مواقفهم المتخاذلة من الاسلام وهروبهم وتخلفهم عن الجهاد، حتي لايناصروا الدعوة بقوله تعالي:
'لايستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين. إنما يستأذنك الذين لايؤمنون بالله واليوم الآخر، وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون. ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدٌة، ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم، وقيل اقعدوا مع القاعدين'
(التوبة 44­46).
وما أكثر الآيات الكريمة التي تصف سلوكيات هؤلاء المنافقين ومواقفهم المتخاذلة، وأطماعهم وسوء طويتهم.

***

وقد ظهر هذا الرجل علي حقيقته عندما انتصر المسلمون في بدر، وحاول يهود بني قينقاع أن يهزأوا بهذا النصر، ويقللون من أهميته، ويظهرون تأييدهم لقريش، وهذا يعني أنهم خانوا عهدهم مع الرسول، وحذرهم النبي من مغبة هذه الخيانة وقال لزعمائهم:
'يامعشر يهود، أحذروا من الله مثل مانزل بقريش من النقمة، واسلموا، بأنكم قد عرفتم انني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم، وعهد الله إليكم'
ولكنه قالوا له:
'يامحمد، أرأيتنا مثل قومك، لايغرنك أن لقيت قوما لاعلم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس'.
وأنزل الله في اليهود:
'وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم علي سواء إن الله لايحب الخائنين'
(الانفال 58).
وكان لابد من المواجهة.. وواجههم الرسول، فما كان من اليهود إلا أن دخلوا حصونهم، وحاصرهم الرسول وكان هؤلاء اليهود لهم حلفاء من العرب منهم (عبادة بن الصامت) الذي بريء من أفعالهم، وكان من هؤلاء الحلفاء (عبدالله بن أجبّيٌِ) الذي أبدا التعاطف معهم، وقال:
­ إني امرؤ أخشي الدوائر ولا آمن الزمن!! بمعني انه لايدري المستقبل فربما ينتصرون علي المسلمين أي انه بنفاقه أظهر انه لن ينحاز الي أحد لأنه لايعرف لمن سيكون له النصر!!
وأخيرا اضطر اليهود الي الجلاء عن المدينة علي أن يتركوا للمسلمين أموالهم وسلاحهم، المهم أن ينجو هم وأولادهم ونسائهم!!
وقبل الرسول الجلاء علي أن يرث المسلمون أموالهم وديارهم.

***

وتمر الأيام
وفي شعبان من السنة الخامسة للهجرة، اتجه الرسول الي بني المصطلق، عندما علم انهم يتآمرون علي المسلمين، وخرج مع المسلمين بهدف البحث عن الغنائم وبعض اهل النفاق وعلي رأسهم عبدالله بن أجبّيٌِ وانتصر المسلمون في هذه الغزوة، وقد حدث في اثناء هذه الغزوة ان تخاصم علي الماء أجير لعمر بن الخطاب، مع رجل حليف للخزرج وكان الخلاف حول أيهما يسقي قبل صاحبه، وماكان من الأجيران ضرب حليف الخزرج، واشتعلت فتنة بين المهاجرين والأنصار عندما استعان كل واحد منهما علي الأخر، وأخمد الرسول هذه الفتنة، غير أن عبدالله بن أجبّيٌِ ماكان يرضي ان تهدأ الفتنة وأراد ان يشعلها من جديد، فأخذ ينفث سمومه، ويهاجم المهاجرين علي أساس انهم دخلاء علي المدينة، وقال:
­ ولئن رجعنا الي المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ويقصد بالأذل المهاجرين!!
وسمع الرسول ان عبدالله بن أجبّيٌِ يحرض الانصار عي المهاجرين فغضب، حتي ان عمر بن الخطاب قال للرسول:
­ يارسول الله، مر (عباد بن بشر) ­وهو من الانصار­ أن يقتله
فقال الرسول عليه الصلاة والسلام:
لا، فكبت ياعمر إذا تحدث الناس ان محمدا يقتل أصحابه، ولكن أذن بالرحيل'.
وعندما علم ابن أجبّيٌِ ان الرسول علم بكل ما قاله، ذهب الي الرسول وأنكر أنه تحدث بشيء!!

***

وفي هذه الغزوة حدث حادث آخر، اتخذه هذا المنافق وسيلة لاشعال نار الفتنة، ويوهن المسلمين، ويحال اغاظة النبي عليه الصلاة والسلام، وعائشة بنت أبي بكر.
ففي اثناء هذه الغزوة وبينما المسلمين أخذوا في الرحيل الي المدينة، كانت في هذه الحملة أم المؤمنين عائشة، وكان قد انفرط عقدها، فأخذت تجمع حبات العقد، بينما كان المسلمون قد مضوا في طريقهم في طريق العودة، ورآها احد الصحابة (صفوان بن المعطل) فأركبها راحلته وقادها الي المدينة، حتي أعادها.
ورآها عبدالله بن أجبّيٌِ وصفوان يقود ناقتها، فاتهمها في شرفها مع هذا الرجل، وسرعان ماردد المنافقون قولته!
وعلم الرسول بذلك فحزن حزنا شديدا علي الافتراء علي زوجته الفاضلة، وسمي هذا الحديث (حديث الإفك).. أي الكذب، ونزل وحي السماء يبريء عائشة من هذه التهمة.. ونزل قوله تعالي من سورة النور:
'ان الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لاتحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم، لكل امريء منهم ما اكتسب من الاثم. والذي تولي كبره منهم له عذاب عظيم لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا، وقالوا هذا أفك مبين لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء، فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والأخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم. إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ماليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ولولا إذ سمعتموه قلتم مايكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم. يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا ان كنتم مؤمنين'
(النور 11­17)

***

وبرئت عائشة من فوق سبع سماوات وتحدث الناس في كل مكان في المدينة عن هذا الحادث وكيف افتري عبدالله بن أجبّيٌِ كذبا علي أهل بيت الرسول، حتي أن ابنه (عبدالله).. توجه الي الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم وكان الابن تقيا صالحا علي عكس والده المنافق­ وقال:
­ يارسول الله : انه بلغني انك تريد قتل (عبدالله بن ابي) فيما بلغك عنه.. وقلت من يغدر بي في رجل آذاني في أهلي؟
فإن كنت لابد فاعلا فمرني به، فأنا أحمل لك رأسه.
فو الله ماعلمتْ الخزرج ماكان لها من رجل أبر بوالده مني.. وأني أخشي أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر الي قاتل أبي يمشي في الناس ، فاقتله، فاقتل رجلا مؤمنا بكافر فأدخل النار،
فقال النبي صلي الله عليه وسلم
­ بل نرفق به، ونحسن صحبته مابقي معنا وتسامع الناس بموقف رسول الله منه ، وبدأوا يشعرون أن 'عبدالله بن ابي' قد بلغ الذروة في النفاق، وان سلوكياته لاتليق برجل كريم، فكانوا يعنفونه، وبزدرونه، ويحتقرون تصرفاته..!
وقال الرسول الكريم لعمر بن الخطاب وهو يري موقف ا لناس من هذا المنافق:
­ يف تري الآن ياعمر؟
اما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له أنف لو أرثها اليوم لقتلته'
فقال عمر:
­ قد والله علمت لأمر رسول الله اعظم بركة من امري'
يقول الدكتور عبدالرحمن عميره في كتابة رجال ونساء انزل الله فيهم قرآنا):
'... وبلغ الكتاب أجله ومات عبدالله بن ابي.. مات زعيم المنافقين، وجاء ابنه الي رسول الله صلوات الله عليه وسلامه فقال: اعطني قميصك حتي أكفنه فيه وصل عليه واستغفر له. فأعطاه قميصه ثم قال:
آذني أن اصلي عليه فآذنه.
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فاي وقف عليه تحولت حتي قمت في صدره فقلت: يارسول الله.. أعلي عدد الله عبدالله بن أبي القائل يوم كذا.. وكذا: أعدد أيامه ورسول الله صلي الله عليه وسلم يبتسم، حتي إذا أكثرت عليه قال آخر عني ياعمر، إني خيرت فاخترت.. فقد قيل لي: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ، ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم.. لو أني أعلم أني ان زدت علي السبعين غفر له لزدت.
قال : ثم صلي عليه السلام ومشي الي ان وصل الي قبره فقام علي قبره حتي فرغ منه.
قال : فعجبت لي وجرأتي علي رسول الله صلي الله عليه وسلم ، والله ورسوله أعلم، فو الله ما كان يسيرا حتي نزل:
­ ولا تصل علي أحد منهم مات ابدا ولاتقم علي قبره'
قال: فما صلي رسول الله صلي الله وسلم بعده علي منافق ولاقام علي قبره حتي قبضه الله تعالي.
قال المعشرون: وكلم رسول الله صلي الله عليه وسلم أصحابه فيما فعل بعدالله بن ابي فقال:
ومايغني عنه قميص وصلاتي من الله. والله اني كنت أرجو ان يسلم به ألف من قومه'

مراجع

­ حياة محمد د. محمد حسين هيكل
­ النبي العربي احمد التاجي
­ رجال ونساء انزل الله د. عبدالرحمن عميرة