حتى لا تكون أساليب التربية عاملاً مضاداً لها

الناقل : SunSet | الكاتب الأصلى : عبد الكريم العامري | المصدر : www.annabaa.org

 

شبكة النبأ: عندما ينساق الكلام حول التربية، سيما وجهات النظر، الآراء، الأساليب المتداولة والدارجة في سياقها، فإن الذهن يتجه عادة باتجاه مفهومها الذي لو نمعن الدقة فيه لالتفتنا الى أنه لا يفقد أي ارتباط بالمفهوم الواقعي للتربية فقط بل قد يكون عاملا مضادا لها.

إن مجموعة التعاريف، المفاهيم، الانطباعات حاليا في المجتمع تعتبر بحد ذاتها، في بعض الحالات، حائلا دون الكشف عن المفاهيم والمبادئ الصحيحة للتربية. فمبادئ التعليم والتربية ليست أمورا وضعية بل (اكتشافية).

واكتشاف المبادئ على اختلاف ماهيتها عند كل الأطفال، كذلك المضامين السيالة، المتغيرة للأهداف، والماهية البيئوية المتنوعة، والتجاذبات المتعددة الجوانب، الغير متثبتة فيما بين هذه العناصر يتوقف على العمليات المتبادلة بين هذه العناصر على مر اللحظات. هذه العوامل، المواقف تتغير باستمرار بحسب اختلاف دورات الحياة الفردية، النوعية للإنسان، بالنظر للظروف الاجتماعية، الثقافية السائدة في المجتمع. من هنا، فإن تحديد مبادئ ثابتة للتربية لا ينسجم مع هذه التغيرات المتواصلة.

وعلى هذا كيف يمكننا تبديل أمر متغير غير متثبت الى أمر جامد، متصلب؟. كيف يمكن تدارس حقيقة سيالة بأدوات، تقنيات آلية، متصلبة؟. إذاً:

أول؛ عوائق التربية فهم التربية هو اعتبارها عملية (آلية) متصلبة بحيث يخيل الى البعض أن المتربي كطين الصلصال في يد المربي، له أن يتلاعب بمظهره كيفما يشاء أو أن باطن المتربي كمستودع لابد من ملئه بمواد ومنتجات جيل الراشدين.

ثاني؛ عوائق التربية فهم التربية هو اعتبارها عملية(إنتاج). أي أن يسود التصور بأنه ينبغي الإفادة من المتربي لتلبية المتطلبات الاقتصادية، السياسية المقررة في المجتمع. فمن وجهة النظر هذه يجب أن يكون الأشخاص مواطنين مطيعين مفيدين يضحون بهويتهم الفردية إزاء الهوية الجماعية والمصالح السياسية المتحكمة بالمجتمع.

الإفراز الأكثر بداهة لهذا النمط من التربية هو تلاشي فردية الأشخاص وهيمنة الحكومات على جسم الطفل وروحه. الخبرات التاريخية أثبتت أن مثل هذه الاتجاهات التربوية تؤدي الى تكون جيل منقاد، عقيم، مشلول، متهشم، متجرد عن الهوية. هذا النمط من الرؤى يعتبر(إنتاج) أعضاء مفيدين للمجتمع هدفا للتربية والتعليم.

ثالث، العوائق الهامة لفهم حقيقة التربية هو اعتبارها عملية(خارجية)، زخرفية، تطلية. يرى البعض أن التربية مهمة يتحملها الجيل الراشد إزاء جيل لا يقوى على مواصلة الحياة الاجتماعية. البعض يرى التربية عبارة عن فعل قصدي أحادي الاتجاه، يؤديه الكبار إزاء الطفل لتكييفه مع القوانين والضوابط الاجتماعية.

أي أن مهمة الراشدين في هذا النمط من التربية يتحدد في الحقيقة بنقل الخبرات، التراث الثقافي للمجتمع الى الجيل الجديد دون أن يكون للجيل الجديد أي دور ناشط في إعادة تنسيق هذه الخبرات.

وهذا النوع من الانطباع وإن كان يبدو، في الوهلة الأولى، أمرا مطلوبا ، ضروريا، لكنه بتوقفه عند نفس هذا الإطار سوف تتجاوز تبعاته السيئة آثاره الايجابية. لابد لكل جيل أن يقوم ويعيد بنفسه، تنسيق، نظم الخبرات، المعارف، الحقائق الثقافية بما يتلاءم مع زمانه.

رابع؛ انطباع انحرافي للتربية، يرتبط بتوجيهات و(أهداف)التربية، حيث يتصور البعض أنه من أجل تنشئة كل شخص لابد من تحديد أهداف مقررة مسبقا ليتم توجيه المتربي نحوها. بينما يكمن الهدف من التربية في عملية التربية نفسها، لابد للمربي أن ينسجم مع الأصالات الفطرية، التوجهات الطبيعية، التكوينية للمتربي، التي يكشف عنها خلال عملية الازدهار، تفعيل مواهبه، استعداداته الكامنة، لا أن يكيف المتربي بحسب أهدافه هو.

من هنا يرى (جون ديوي) أنه ليس للتعليم والتربية هدف محدد مسبقا، بل الأهداف تعود للأبوين، المعلمين، الأشخاص.

وقال الإمام علي (عليه السلام): إن للولد على الوالد حقا، وإن للوالد على الولد حقا. فحق الوالد على الولد أن يطيعه في كل شيء، إلا في معصية الله سبحانه، وحق الولد على الوالد أن يحسن أسمه، ويحسن أدبه، ويعلمه القرآن.

خامس؛ إلتباس إدراكي لمفهوم التربية يرتبط بنمط و(أسلوب) التربية أي أن البعض يتصور أن التربية لابد أن تتم عن طريق مواصلة التعليم، بذل المعلومات، التعليمات الخارجية بينما التربية عملية (اكتشافية)لا اكتسابية إلتقاطية. حتى لو كنا نهدف الى تحقيق السعادة الحقيقية للمتربي لابد من توفير الظروف المناسبة لكشفه عن سعادته في باطنه لا أن نخلق له السعادة خارجيا ونقدمها له. هناك قول قديم (بدلا من أن تعطيه يوميا سمكة علمه الصيد).

الاطلاع على الطرق المنتهية الى التربية يجب أن نعرف ما هي الطرق التي (لا تنتهي) الى التربية. أن الإحاطة بالأساليب الخاطئة أهم من معرفة الطرق الصحيحة. معرفة الانحرافات أكثر فائدة من معرفة الطرق الأصيلة. قال لقمان الحكيم: (تعلم الأدب ممن تجردوا عن الأدب).

أول نظرة وخطوة تتخذ نحو استيعاب مفهوم التربية يخطر على بال أي شخص تلقائيا، اعتباطيا أنها عملية قولبة، بناء، تنشئة بالنحو المنظور لدى مجتمع الكبار، بحسب أهداف محددة مسبقا. بهذا نكون قد جعلنا التربية صنوا للصناعة. نحن نتوقع من أي صانع نجار، أن يقولب قطعة خشبية بما يلبي الحاجة المنظورة أو المصلحة، الذوق أو الطلب، فيعرضها للخراطة والصقل حتى يتم تجهيزها وفقا للقالب في ذهنه ونسقه الذوقي. فتوقعاتنا من التربية كذلك تتأطر بمثل هذا الإطار.

لأننا نعرف بأية طريق وأساليب لابد من تحقيق هذا الإطار والأنموذج المقرر مسبقا، نعتبر الطريق الى التربية أيضا ممهدا مستويا كالشوارع والطرق الخارجية المعبدة، الخاضعة لنظام رسم الخطوط. نرى أنه على جميع الأشخاص اجتياز هذا الطريق المعبد. بالطبع طريق تكثر شاراته المرورية المانعة، يكون اجتيازه أحادي الاتجاه أيضا.

لكن أن مثل هذا الإجراء يعد تربية حيوانية لا إنسانية. إنها خطوة صناعية لا تربوية، عملية صنع نماذج انقيادية، لا تنشئة إنسان منطلق متحرر. إنها عملية ترويض، تطويع الأشخاص، لا تنمية إنسان. التربية الواقعية عملية تنمية، تفعيل المواهب، الاستعدادات الكامنة في الشيء الموجود وتنميته، بدون الخوف، التهديد، الإرعاب، الضرب.