فاطمة ابنة من

الناقل : SunSet | المصدر : www.holykarbala.net


فاطمة ابنة من :
إنّ ركائز الفرد الروحية والأخلاقية تستند إلى بوادر تربيته وبيئته وبيته الذي نشأ فيه ، وكان منبت الصديقة الزهراء عليها السلام في أول بيت حمل لواء الإسلام ونشر راية التوحيد ونادى بمكارم الأخلاق ، وهو البيت الذي وصفه أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته القاصعة : « ولم يجمع بيت واحد يومئذٍ في الإسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخديجة وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة ، وأشمّ ريح النبوة... » (1) .
فعميد البيت هو النبي العربي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم أبو القاسم محمد بن عبدالله ابن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ، الذي وصفه تعالى بقوله : « وإنك لعلى خلق عظيم » (2) ونعته قومه وهم في غياهب جاهليتهم بالصادق الأمين ، واختصه الله تعالى بالوحي والكتاب الكريم ، وشرّفه بشرف الرسالة ، وشرح صدره بأنوار المحبة واللطف والكرامة.

هـو الحبيب الذي تـرجى شفاعتــه
لكـلِّ هـول مـن الأهـوال مقتـحمِ
دعــا إلـى الله فـالمستمسكون بـه
مستمسـكـون بحبـلٍ غـير منفصمِ
فــاق النبييــن فــي خَلــْـق
وفـي خلقو لم يدانوه في علمٍ ولا كرمِ
و كلّهـم مـن رســول الله ملتمـس
غـرفاً مـن البحر أو رشفاً من الديمِ
فهـو الذي تـمّ معنـاه وصـورتـه
ثــم اصطفاه حبيباً بـارىء النسـمِ
منزّه عـن شـريك فـي محـاسنـه
فجـوهر الحسـن فيه غير منقسمِ (3)

أما سيدة البيت أُمّ الزهراء عليها السلام فهي أُمّ المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي جد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أوسط نساء قريش نسباً ، وأعظمهن شرفاً ، وكانت تدعى في الجاهلية الطاهرة (4) لشرفها وعفّتها ، وقد نشأت في بيت معروف بالمكانة واليسار والنفوذ والشرف في قريش.
كان جدها أسد بن عبد العزّى واحداً من أعضاء حلف الفضول ومؤسسيه والدعاة إليه ، وهو الحلف الذي بموجبه تعاقدت قبائل من قريش وتعاهدت على أن لا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها أو غيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلاّ نصروه ، وكانوا على من ظلمه حتى تردّ مظلمته ، وهو الحلف الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم السلام « لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفاً ما أحبُّ أن لي به حمر النعم ، ولو أُدعى به في الإسلام لاَجبت » (5) .
وكان ابن عمّها ورقة بن نوفل بن أسد من الأربعة الذي تنسكوا واعتزلوا عبادة الأوثان ، وهجروا قومهم فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام (6) .
وقد تزوج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خديجة الكبرى عليها السلام قبل البعثة بنحو خمسة عشر عاماً ، فلمّا بُعِث النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعاها إلى الإسلام ، فكانت أول امرأة آمنت بدعوته ، وبذلت كل ما بوسعها من أجل أهدافه المقدسة ، فكانت أموال خديجة ثالث أثافي دعوة الإسلام بعد تسديد العناية الإلهية لشخص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وحماية أبي طالب عليه السلام عم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته ومؤازرته.
ثم انها قد اجتباها الله تعالى لكرامة لا توصف نالت بها سعادة الأبد ، وذلك بأن منّ الله تعالى على الإسلام بأن حفظ في نسلها ذرية الرسول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فهي أُمّ آل البيت الكبرى ، الذين كانوا نفحةً من عطر شذاه ، وقبساً من سنا نوره ، إذ انحصرت في ابنتها الزهراء عليها السلام نسبة كل منتسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأعظم بها من مفخرة!
وتوفيت خديجة عليها السلام في السنة العاشرة من المبعث الشريف بعد خروج بني هاشم من الشعب (7) ، أي قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين ، وذلك بعد أن عاشت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نحو ربع قرن كانت فيها أُمّ عياله وربة بيته ومؤازرته على دعوته ، ولم يتزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امرأة في حياتها قط إكراماً لها وتعظيماً لشأنها بخلاف ما كان منه صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاتها.
وقد جاء في فضلها عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : « سيدات نساء أهل الجنة أربع : مريم بنت عمران ، وفاطمة بنت محمد ، وخديجة بنت خويلد ، وآسية امرأة فرعون » (8) .
ولم ينس ذكرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى في أواخر حياته كما في قول عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة ، فيحسن الثناء عليها ، فذكرها يوماً من الأيام ، فأخذتني الغيرة ، فقلت : هل كانت إلاّ عجوزاً قد أبدلك الله خيراً منها ، فغضب حتى اهتزّ مقدم شعره من الغضب ، ثم قال : « لا والله ما أبدلني خيراً منها ، آمنت بي إذ كفر الناس ، وصدّقتني إذ كذّبني الناس ، وواستني في مالها إذ حرمني الناس ، ورزقني الله منها أولاداً دون غيرها من النساء » قالت عائشة : فقلت في نفسي : لا أذكرها بعدها بسبّة أبداً (9) .
وفي هذا النص دليل واضح على أفضليتها عليها السلام على سائر أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكونها أحبهن إلى قلبه الشريف.
ففي هذا البيت الذي اختاره الله سبحانه مهبطاً للوحي ومقراً للنبوة لتبليغ رسالته والانذار بدعوته ، ولدت ونشأت وترعرت الزهراء عليها السلام بين أقدس زوجين في ذلك العالم الذي يلفّه الظلام والضلال ، فكان البيت بما يحتويه من عميده النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزوجته خديجة الكبرى ، وابن عمه الوصي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وابنته الطاهرة الصديقة (سلام الله عليهم أجمعين) هالةً من النور وبيرقاً للهداية ، وماهي إلاّ سنين قلائل حتى تبدّدت سحب الضلال بنور الإيمان ، وشملت راية التوحيد أمُّ القرى وماحولها .
قال الشاعر :

شبت بحجر رسول الله فـاطمة
كما تحــبّ المعالي أن تلاقيها
و في حمى ربّة العليا خديجة قد
نشت كما الطهر والآداب تشهيها
و نفسها انبثقت من نفس والدها
و أُمّها فهـي تحكيـه و يحكيها (10)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة / ضبط صبحي الصالح : 300 الخطبة ( 192 ) .
(2) سورة القلم : 68 / 4.
(3) الأبيات من قصيدة البردة للبوصيري ، المتوفى سنة 696 ، راجع المجموعة النبهانية / النبهاني 4 : 5 ، دار المعرفة.
(4) أُسد الغابة/ ابن الأثير 5 : 434 ، دار إحياء التراث العربي.
(5) سيرة ابن هشام 1 : 141 ، مطبعة البابي الحلبي ـ مصر.
(6) سيرة ابن هشام 1 : 237.
(7) الإصابة/ ابن حجر 4 : 283 ، دار إحياء التراث العربي.
(8) مستدرك الحاكم 3 : 185 حيدر آباد ـ الهند. وكنز العمال/ المتقي الهندي 12 : 144/ 34406 ، مؤسسة الرسالة.
(9) الاستيعاب / ابن عبدالبر 4 : 287 بهامش الاصابة. الاصابة 4 : 283.
(10) الأبيات من القصيدة العلوية للشاعر عبدالمسيح الأنطاكي : 95 ـ مصر.


المصدر : كتاب / سيدة النساء فاطمة الزهراء / علي موسى الكعبي