كائن متعدِّدٌ..أم كائنٌ مخدَّرٌ ..؟

الناقل : SunSet | الكاتب الأصلى : Jarjo | المصدر : www.olympic13.com

 
 
وهنا تكمن المعضلةُ ....
فالكائن سيرورة وانفتالاتٌ وجودية، وعمقٌ زمنيٌّ متأبٍّ على إواليَّاتِ الرصد وآليات التنميط مهما أمعن مكرُها في التخفِّي. له وجهان : وجه هو ميزةُ الضلال، ووجهٌ هو قابليةُ الإصلاح، واختلافهُ هو آخر ما يمتلكه ويعتدُّ به في مواجهة المخدِّرِ الذي يحقن به يوميا. فالاختلافُ هو نوع من المقاومة لطاحونةٍ ترومُ انتزاعَ الكائن من كائنيته وكينونته، والمطالبةُ بالحق فيه في عالم لا مُبَالٍ ومتشابهٍ وشرسٍ يعني المطالبةَ بإنسانية مفتقدةٍ في حضارة مزعومةٍ همُّها رفاهيةُ القلة وبؤس الكثيرين، ولذلك كان لجوء هذا الكائن إلى لغة عمقه العاطل تعبيرا أقوى عن تشبُّثِه باختلافه، ورفضه لكل الأطاريح التي تسعى إلى فصله عن أبعاده الإنسانية ومناطقه الأخرى الحميمية التي لا يتم التكَيْنُنُ إلا بها كالمناطق الأخلاقية و الميتافيزيقية والأسطورية والجمالية والصوفية. فهذه المناطقُ قد حاول الإعلامُ بتقنياته العُليا اجتثاثها وكشطها من ذاكرة الكائن ووجدانه عن طريق تسرُّبه إلى كل منزل في المعمور مثل أي منتوج استهلاكي، مع برامج هدفها تهييجُ بهيمية لا تحدُّ، مصحوبة بدعايات تحطُّ من قدر الكائن الإنساني، وتضعه في مرتبة الكائن المُخدَّرِ، وبدلاً من بيعِ السلعة له يتمُّ بيعه هو للسلعة ، وهذه هي أعلى قمةٍ لاستعباد الكائن البشري وتشويهه. وإذا كانت الرواقية قديمًا قد بصرت الكائن الآدمي بحقيقته الوجودية، وعرفته بأنه " مجموعة رغبات لا يمكن أن تلبى"، لأن في تلبيتها شقاء له، وتدميرا لطبيعته، وإفسادًا لوجوده، فإن الشومَلَةَ اليوم قد مكرتْ به وخدعته حين أعادت تعريفه بأنه "مجموعة رغبات يمكن أن تلبَّى"، وبتلك الخدعة تمكنت منه اقتصاديا وتكنولوجيا، وأفرغته وجدانيا حتى صار لا يرى إلاَّ هيَ، ولا يسمعُ إلا صوتها في كل مستويات وجوده، كأنها إلهه الجديدُ، مما أدى به إلى نكوص وارتكاسٍ في هويته ومكوناته اللامادية.

 
 
إن الشعور بتهديد الشومَلَةِ لا يكفي بل لابد من إحداث شرخ في الجدار حتى يتسرب شعاع من نور يضيء السديم الغامضَ الذي يغطي جوانية الكائن ويفعل فيها، ويحدُّ من قيمته. إذ بإمكان نص شعري منسوج بماء صوفي ولغة مسكونة بالعمق العاطل أن يفتح العيون، ويُحدث انفعالا، ويكشفَ برهانا يُنير الوجود المهدد، ينيره هذا قدره... ولكن ليس في استطاعته أن يحول دون عسف السلطات واندفاعاتها وجشعها لامتلاك خيرات العالم وارتهان مستقبله الغير القار، كما ليس في استطاعته كذلك أن يحول دون الجوع والأوبئة والمظالم والتوترات والتشنجات والاختلالات. ولكنه قادر على أن يكون قوة شبيهة بقوة الجوع وما شابهها..قوة تغادر معبر النجوم وبريقه، وتلتجيءُ إلى الهامش لتفعل فيه فعلتها الإنسانية. والفعلةُ الإنسانية ما هي إلا حركيةُ السؤالِ داخل العمق العاطل بلغة المنْحَجِبِ.

 
 
فهل إذن؛
سؤال الذات وسؤال الوجود هما اللذان يحفران مجرى المعرفة الأونطولوجية؟ أم حركية الزمَان وملابساتها في العمق العاطل هي التي تفعلُ ذلك؟ إن حركية الزمن هي التي تتساءل ككل موحَّدٍ بعين التاريخ والذات. فعندما يطفو السؤال على السطح يكون قد استأصل جذوره وغَدا مُضمرا لأكثرِ الأسئلة عمقا، وبهذه اللعبة يتحول دائما إلى حركةٍ وفضاءٍ يقدم فيهما الكلام نفسه ناقصا غير مكتمل أي مبنيا على النقص والعوز ومحتاجا إلى ترميمٍ مستمرٍّ وملءٍ لفراغاته المستمرة. فعن طريق السؤال يصعد الكائن بذاته ويمنحها الشيء كما يمنحها الفراغ الذي يُمكنها من أن لا تتملكه أو أن لا تتملكه إلا كرغبة.

 
 
فالسؤال إذن هو رغبة الفكر
وهو الجواب عن شقاء السؤال.
والوجود الذي "يوضع موضع سؤال" هو وجود مضاء بقوة السؤال التي تعلو به نحو الصدارة، فيظهر عن طريقها بعد اختفاءٍ وتحجب، ولكنه ظهور مهدد بالاختفاء نتيجة لعبة السؤال. ولذلك فإن السؤال عن لغة العمق العاطل للكائن هو رغبة الفكر المتحرِّك، والحركة التي يغير فيها الوجود مجراه، فيظهر كإمكانية مرهونة بدورة الزمان.

 
 

وقطعا؛ فإن السؤال لا يجد تتمته واستمراره في الجواب المنبثق عنه، بل على العكس من ذلك ينتهي وينغلق بفضل الجواب، ليقيم نوعا من العلاقة التي تتميز بالانفتاح والحركة الحرة. فهو يتوخى من الجواب ما هو غريب عنه، كما يتوخى منه كذلك أن يظل قائما فيه كحركةٍ لا تتوقف ولا تخلدُ إلى الراحة، لأنها منذورةٌ لتبصير الكائن بالطريق الذي ضَلَّ عنه فضاعت منه ذاته.
__________________
نحن نصنع من أرواحنا خبزاً يأكله الجميع ؛ وبقايا الأيام نقتسمها معاً!!.