معا .. قلبا وعقلا ( 2 ) .

الناقل : heba | الكاتب الأصلى : ناهد الخراشي | المصدر : www.almostshar.com


معا .. قلبا وعقلا ( 2 ) .

 

 

أ. ناهد الخراشي .

 

 * مقومات الحياة الكريمة بين الزوجين


إن الحياة الكريمة هي دعامة أي زواج حتى تنتشر السعادة بين الزوجين ، وحتى ترفرف البهجة والاطمئنان والاستقرار على حياتهما.. ولكي تقوم هذه الحياة الكريمة المبنية على الاحترام والتقدير فلابد لها من مقومات تساعد على بنائها وتحقيقها.. وهذه المقومات ضرورية وأساسية وفعالة وهي :

أولاً : الحب

إن أجمل ما في الوجود الحب.. إن الحب كلمة جميلة وبسيطة ولكنها تحوى في معناها الكثير والكثير.. والذي يفهم الحب بمعناه الحقيقي يعيش مستقراً في حياته.. هانئاً.. هادئاً وأقصد هنا بالحب الحقيقي.. هو الحب الذي يقوم على أساس من الاحترام والثقة والتقدير بين الطرفين.



وفي الحقيقة أن السعادة في الزواج نسبية وتقديرية ولكن الأهم هو أن يعرف الإنسان كيف يجعل من حياته الزوجية.. حياة سعيدة.. هانئة.. هادئة.. وكيف يتحمل ويتصرف في مواجهة الصعاب ومشكلات الحياة، ولكي يحظى بذلك فلا بد له أولاً من محاولة فهم الطرف الآخر ومنحه الفرصة للتعمق في أغوار نفسه حتى يستطيع أن يواجه الحياة معه ويسيرا معاً في مشوار الطريق الذي سيسلكاه معاً وهذا لن يأتي إلا بالحب الجميل الصادق النابع من القلب والوجدان القائم على الاحترام والثقة.

والكثير منا يعرف أن الزواج يأخذ ثلاثة أشكال أو يتميز بثلاثة سمات رئيسية:

‌أ) الزواج الذي يعتمد على العقل وحده

‌ب) الزواج الذي يعتمد على القلب وحده

‌ج) الزواج الذي يعتمد على العقل والقلب معاً

والسؤال الذي يطرح نفسه.. أي هذه الأشكال أنجح؟ وأيها أفضل مما يحقق الحياة الهادئة المستقرة؟

لكي نجيب على هذا التساؤل.. فلابد لنا من وقفة هنا لكي نتبين وندقق في كل شكل من هذه الأشكال ونتحقق من كل سمة تتميز بها كل صورة من صور الزواج:

‌أ) الزواج القائم على العقل فقط

إن هذا النوع من الزواج ناجح إلى حد ما بالرغم من سمته الرئيسية التي يتميز بها وهى أنه جامد ليس فيه روح لأن كل شيء فيه مرسوم حسب ما يقره العقل.. ودائماً العقل وحده هو الذي يقول كلمته دون القلب هنا من رأى أو لمسة ولو بسيطة. وهنا تكون حياة جامدة حافلة بالعقلانية وما يجب أن يكون والمفروض أن يحدث.. وهذه تعطى نتائج ناجحة ظاهرياً.. أما باطنياً فهي فاشلة لأن ليس للقلب هنا من لمسات.. وليس للوجدان من وجود.. وليس للحياة فيها من مكان.. وليس للروح فيها من نبضات كأن القلب متوقف تماماً وخاضع لما يقوله العقل.. فهي حياة لا طعم فيها ولا روح كالتمثال المنحوت ببراعة فائقة الجميل الشكل ولكن لا روح فيه ولا حياة، ومثل هذا النوع لا يعيش طويلاً إلا إذا فتح القلب أبوابه وبدأ يشع بأنواره الساطعة التي تملأ الجو بهجة وحباً ودفئاً وحياة.

‌ب) الزواج القائم على القلب فقط

إن هذا النوع من الزواج جميل في ظاهره.. برَّاق في شكله.. حلو في مذاقه، ولكنه خطير في باطنه.. مزيف في حقيقته.. مرير في أعماقه.. كيف ذلك إن الزواج الذي يعتمد على القلب فقط يجعل المحب يتصرف ويفعل دون إرادة دون وعي.. فلقد أعطى لعقله أجازة ولإرادته راحة ولشخصيته فسحة من الوقت.. فلقد ألغى كل إرادة له وكل عقل له وكل شخصية من أجل من يحب ويحاول أن يرضيه بكل الطرق.. وفي طريقه لإرضائه على استعداد أن يتنازل تنازلات لا حد لها.. وأن يعطى الحق لمن لا حق له، ويبذل ما في وسعه للعطاء المستمر، وللتضحيات التي لا تنتهي أبداً.

إنه يفعل كل ذلك وهو راضٍ ومقتنع بأنه يعمل الصواب.. وتكمن الخطورة في أنه لا يعي ما يفعل.. ويفهم أنه سائر في الطريق الصحيح وأنه بذلك يحقق السعادة لحياته، ولكنه في الحقيقة يبدأ النهاية لحياته ولطريقه.. لأن كثرة تنازلاته وتضحياته من غير وجه حق، واستمرارية عطاءه بلا حدود يوقعه ويدخله في صراع مع نفسه يجعله يفقد احترامه لنفسه واحترام من يحب له.. لأنه لا يعرف أن يقول لا أبداً.. دائماً يقول نعم.. دائماً تصرفاته إيجابية وليست سلبية مقتنعاً أنه بذلك يسعد نفسه وغيره ولكن سرعان ما يكتشف الحقيقة المُرة ويحس بالوهم الذي يعيش فيه وظن أنه السعادة خصوصاً إذا شعر بأن الطرف الآخر غير مقدر لكل هذه العطاءات وهذا ما سيحدث حتماً لأنه تنازل عن حق نفسه لمن لا حق له، ولا يمكن أن يطلب من الطرف الآخر أن يقدر هذا العطاء فلو حدث وطلبت منه ذلك فإنه سيجيب على الفور كيف يطلب مني أن أقدر من أعطى لنفسه الحق في التنازل عن حقوق نفسه فمن الأولى والأجدر بالإنسان أن يحافظ على حقوق نفسه وألا يتنازل أبداً عنها وإن حدث وقدم بعض التنازلات فليكن ذلك في حدود معينة.. وفي إطارات معينة.. هكذا هي الحياة.

وبذلك تكون النتيجة المتوقعة لهذه العطاءات المستمرة أن الطرف الآخر يعتبر أنها ليست تضحيات أو عطاءات مستمرة من شريك حياته وإنما هي حق مكتسب له. لابد أن تحدث ومن المفروض أن يحصل عليها فيفقد الاحترام والثقة المتبادلة والتقدير الحي، ويقع الإنسان في صراع داخلي خطير.. يكتشف فيه أنه بدأ يفقد حياته وسعادته ومن يحب وبدأ يفقد قبلهم نفسه التي طالما احترمها وعودها على الاحترام والثقة والفهم والوضوح والصدق والشخصية المتزنة فيقع فريسة للوساوس والأفكار الشيطانية ومن الممكن أن تصيبه الأمراض النفسية لو لم يلجأ إلى الله وتدركه رحمة الله.. فليطلب العون من الله ويأخذ القرار السريع والتصرف الفعال حتى يحافظ على ما تبقى لنفسه من التقدير وحتى لا يخسر احترامه لها، ويكتسب من هذا الموقف ومن هذه التجربة بألا يعطى الفرصة الكاملة لقلبه فقط لكي يفرض نفسه دون استخدام عقله ودون التمتع بشخصيته المتزنة وبحقه الطبيعي في الحياة لأنه لو استخدم قلبه سيتنازل وسيضحى وسيعطى بلا حدود وسيفقد الاحترام ولن يناله إلا الصراع النفسي والشقاء الحتمي الذي يودى بحياته إلى الهلاك.

ومن هنا نتبين بأن القلب وحده يجعل الإنسان يقدم دائماً العطاء المستمر الذي يعطى له الفرصة لفقدان توازن شخصيته التي طالما عاش لبنائها البناء المتوازن السليم فيفقد احترامه لنفسه واحترام الغير له.. ولـو تذكر لحظة بأن الطرف الآخر عندما أقدم للارتباط به.. إنما لشخصيته المتوازنة السليمة القوية وليس للشخصية التي أخذت شكلها الجديد في الاستسلام والخضوع والطاعة الكلية العمياء لكل رغبات الطرف الآخر. فلابد من الوصول إلى الحياة التي تقوم على البناء وليس على الهدم.. فمن الضروري بناء شخصياتنا وتقويتها لكي نكون أهل وعلى قدر من الكفاءة والمسئولية لتربية وتقويم شخصيات أجيالنا القادمة بكل اتزان وقوة وأساس سليم بناء.

ويجب أن نعرف ونتبين بأن العطاء المستمر كفيل بأن يفسد الحياة الزوجية ويهز شخصية الإنسان ويسلبه إرادته وحريته وحقيقته كإنسان له الحق في أن يبدي رأيه.. وله الحق في أن يقول لا.. وفي أن يعترض ويقترح دون أن يقلل ذلك من قيمته كإنسان حر خلقه الله في أحسن تقويم وكنفس بشرية يجب أن تسير في الحياة وترتقي دائماً نحو الأفضل وكروح هي نفحة من الله فينا تركها الله لنا وديعة لنحافظ عليها ونرتقي بها دائماً إلى الخير والفضيلة حيث الصفاء والنقاء والنورانية.

‌ج) الزواج القائم على العقل والقلب معاً

إن هذا النوع من الزواج لهو أفضل أشكال الزواج ومن أنجحها فإن صورة الحياة فيه هي الصورة الحية الجميلة للزواج السعيد الذي يدوم ويستمر وتستقيم الحياة فيه لأن الطرفين يسيرا في طريق حياتهما متوكلان على الله.. معالجان جميع أمورهما وأحوالهما وهما واضعان أمامهما العقل والقلب معاً.. انهما يكتسبان من رجاحة العقل وحكمته ومن الإحساس بالدفء القلبي والحنان الفؤادي الذي يعطى لحياتهما بهجة ويضفي على قراراتهما المعنى والأمل دائماً وأبداً فيحتفظ كل منهما بشخصيته القوية المتزنة وباحترامه لنفسه وللطرف الآخر. وبثقته الكبيرة بنفسه وبشريك حياته ورفيق عمره دون استبداد بالرأي.. ودون الوصول إلى الغرور.. ودون الإحساس بالنقص أو المهانة.. فلذلك تستقيم الحياة وتكون القرارات فعالة.. والتصرفات هادئة.. والأفعال واضحة.. فتكون حياتهما جميلة هادئة.. مستقرة.. لأنها مليئة بلمسات من الإيمان بالله.. والثقة بما أعطاهما الله وحمده بما وهبهما من نعمة العقل والإحساس بالراحة والحب من نعمة القلب ودفء الفؤاد واطمئنان الروح وهدوء النفس.

ولهذا يكون هذا النوع من الزواج زواجاً ناجحاً والحياة فيه هادئة ومستقرة منعمة لأنها مفعمة بلمسات من الإيمان والحب والوضوح والعقل الراجح والقلب الدافئ والخير الذي يهيئ لنا الطريق حتى نسلك سلوكاً فاضلاً لأنفسنا ولأجيالنا القادمة مما ينشيء مجتمع فاضل يقوم على أسس فاضلة ومبادئ خيرة وقيم عليا ومثل راقية.

إن الشخصية الإنسانية التي تستمد الحب والحنان من القلب.. والحكمة والرجاحة من العقل.. وتعرف إطارها وتعيش حول هذا الإطار ويملأها الإيمان بالله والسلوك نحو الأفضل دائماً فهي بلا شك الشخصية الموفقة الناجحة والتي تستطيع أن تحقق بعون الله السعادة والحب والهناء والاستقرار والهدوء لنفسها ولمن تحب.

" وللحديث بقية "