سعيد بن عامر

الناقل : mahmoud | المصدر : www.masrawy.com

سيرته

سعيد بن عامر بن جِذْيَـم بن سَلامان القرشي، أمـه أروى بنت أبي مُعَيـط أسلم قبل فتح خيبر وهاجر وشهدها، ومنذ أسلم وبايع الرسول-صلى الله عليه وسلم- أعطاهما كل حياته، شهد مع الرسول الكريم جميع المشاهد والغزوات كان أشعث أغبر من فقراء المسلمين، كما كان من أكبر أتقيائهم...

جيش الشام

 

بلغ سعيد بن عامر أن أبا بكر يريد أن يبعثه مدداً ليزيد بن أبي سفيان، ومكث أياماً لا يذكر أبو بكر ذلك له، فقال سعيد: (يا أبا بكر، والله لقد بلغني أنك تريد أن تبعثني في هذا الوجه، ثم رأيتك قد سكت، فما أدري ما بدا لك؟! فإن كنتَ تريد أن تبعث غيري فابعثني معه، فما أرضاني بذلك، وإن كنت لا تريد أن تبعث أحداً، فما أرغبني بالجهاد، إيذنْ لي رحمك الله حتى ألحق بالمسلمين، فقد ذُكِرَ لي أنه قد جُمِعَت لهم جموع كثيرة)...

فقال له أبو بكر: (رحمكَ الله، الله أرحم الراحمين يا سعيد، فإنك ما علمتُ من المتواضعين المتواصلين المخبتين، المجتهدين بالأسحار، الذاكرين الله كثيراً)... فقال سعيد: (يرحمك الله، نِعَمُ الله عليّ أفضل، له الطّوْل والمنُّ، وأنت ما علمتُك يا خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صدوقٌ بالحق قوامٌ بالقسط، رحيمٌ بالمؤمنين، شديد على الكافرين، تحكم بالعدل، ولا تستأثر بالقسم)...

فقال له: (حسبك يا سعيد، اخرج رحمك الله فتجهّز، فإني باعثٌ إلى المؤمنين جيشاً مُمِدّاً لهم، ومؤمِّرَك عليهم)... وأمر بلالاً فنادى في الناس: (ألا انتدبوا أيّها الناس مع سعيد بن عامر إلى الشام)...


السلامة

 


وجاء سعيد بن عامر ومعه راحلته حتى وقف على باب أبي بكر والمسلمون جلوس، فقال لهم: (أما إن هذا الوجه وجهُ رحمةٍ وبركة، اللهم فإن قضيتَ لنا -يعني البقاء- فعلى عادتك، وإن قضيتَ علينا الفرقة فإلى رحمتك، وأستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام)... ثم ولى سائراً...

فقال أبو بكر: (عباد الله، ادعوا الله أن يصحب صاحبكم وإخوانكم معه، ويُسلّمهم، فارفعوا أيديكم رحمكم الله أجمعين)... فرفع القومُ أيديهم وهم أكثر من خمسين، فقال عليّ: (ما رفع عدّة من المسلمين أيديهم إلى ربهم يسألونه شيئاً إلا استجاب لهم، ما لم يكن معصية أو قطيعة رحم)...

فبلغ ذلك سعيداً بعدما وقع إلى الشام، ولقيَ العدو فقال: (رحم الله إخواني، ليتهم لم يكونوا دعوا لي، قد كنت خرجتُ وأني على الشهادة لحريصٌ، فما هو إلا أن لقيتُ العدو فعصمني الله من الهزيمة والفرار، وذهب من نفسي ما كنت أعرف من حبي الشهادة، فلمّا أن أخبرتُ أنّ إخواني دعوا لي بالسلامة، علمت أني قد استجيب لهم!!)...


ولاية الشام


عندما عزل
عمر بن الخطاب معاوية عن ولاية الشام، تلفت حواليه يبحث عن بديل يوليه مكانه، يكون زاهد عابد قانت أواب، وصاح عمر: (قد وجدته، إلي بسعيد بن عامر)... وعندما جاء وعرض عليه ولاية حمص اعتذر سعيد وقال: (لا تَفْتِنّي يا أمير المؤمنين)... فيصيح عمر به: (والله لا أدعك، أتضعون أمانتكم وخلافتكم في عنقي ثم تتركونني؟!)... واقتنع سعيد بكلمات عمر، وخرج إلى حمص ومعه زوجه


الزوجة الجميلة

 


خرج سعيد -رضي الله عنه- ومعه زوجته العروس الفائقة الجمال إلى حمص، ولما استقرا أرادت زوجته أن تستثمر المال الذي زوده به عمر، فأشارت عليه بشراء ما تحتاج إليه من ثياب ومتاع ثم يدخر الباقي، فقال لها سعيد: (ألا أدلك على خير من هذا؟... نحن في بلاد تجارتها رابحة، وسوقها رائجة، فلنعط هذا المال من يتجر لنا فيه وينميه).. قالت: (فإن خسرت تجارته؟).. قال: (سأجعل ضمانها عليه!).. قالت: (فنعم إذن)..

وخرج سعيد فاشترى بعض ضرورات عيشه المتقشف، ثم فرق جميع المال على الفقراء والمحتاجين... ومرت الأيام وكلما سألته زوجته عن تجارتهما يجيبها: (إنها تجارة موفقة، وإن الأرباح تنمو وتزيد)... وعندما شكت وارتابت بالأمر ألحت عليه لتعرف، فأخبرها الحقيقة، فبكت وأسفت على المال، ونظر إليها سعيد وقد زادت جمالا ثم قال: (لقد كان لي أصحاب سبقوني الى الله، وما أحب أن انحرف عن طريقهم ولو كانت لي الدنيا بما فيها)...

وقال لها: (تعلمين أن في الجنة من الحور العين والخيرات الحسان، ما لو أطلت واحدة منهن على الأرض لأضاءتها جميعا، ولقهر نورها نور الشمس والقمر معا، فلأن أضحي بك من أجلهن، أحرى وأولى من أن أضحي بهن من أجلك)... وأنهى الحديث هادئا مبتسما وسكنت زوجته وأدركت أنه لا شيء أفضل من السير مع سعيد في طريقه التقي الزاهد...


شكوى أهل حمص

 


عندا زار عمر -رضي الله عنه- حمص تحدث مع أهلها فسمع شكواهم، فقد قالوا: (نشكو منه أربعا: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار، ولا يجيب أحد بليل، وله في الشهر يومان لا يخرج فيهما إلينا ولا نراه، وأخرى لا حيلة له فيها ولكنها تضايقنا وهي أنه تأخذه الغشية بين الحين والحين)...

فقال عمر همسا: (اللهم إني أعرفه من خير عبادك، اللهم لا تخيب فيه فراستي)... ودعا سعيد للدفاع عن نفسه...

فقال سعيد: (أما قولهم: إني لا أخرج إليهم حتى يتعالى النهار، فوالله لقد كنت أكره ذكر السبب، إنه ليس لأهلي خادم، فأنا أعجن عجيني، ثم أدعه حتى يختمر، ثم أخبز خبزي، ثم أتوضأ للضحى، ثم أخرج إليهم)... وتهلل وجه عمر وقال: (الحمد لله، والثانية؟!)...

قال سعيد: (وأما قولهم: لا أجيب أحدا بليل، فوالله لقد كنت أكره ذكر السبب، إني جعلت النهار لهم، والليل لربي...

وأما قولهم: إن لي يومين في الشهر لا أخرج فيهما، فليس لي خادم يغسل ثوبي، وليس لي ثياب أبدلها، فأنا أغسل ثوبي ثم أنتظر حتى يجف بعد حين وفي آخر النهار أخرج إليهم...

وأما قولهم: إن الغشية تأخذني بين الحين والحين، فقد شهدت مصرع خبيب الأنصاري بمكة، وقد بضعت قريش لحمه، وحملوه على جذعة، وهم يقولون له: أتحب أن محمدا مكانك، وأنت سليم معافى؟...

فيجيبهم قائلا: والله ما أحب أني في أهلي وولدي، معي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة... فكلما ذكرت ذلك المشهد الذي رأيته، وأنا يومئذ من المشركين، ثم تذكرت تركي نصرة خبيب يومها، أرتجف خوفا من عذاب الله ويغشاني الذي يغشاني...

وانتهت كلمات سعيد المبللة بدموعه الطاهرة... ولم يتمالك عمر نفسه وصاح: (الحمد لله الذي لم يخيب فراستي)... وعانق سعيدا...


زهــــده

 


لقد كان سعيد بن عامر صاحب عطاء وراتب كبير بحكم عمله ووظيفته، ولكنه كان يأخذ ما يكفيه وزوجه ويوزع الباقي على البيوت الفقيرة، وقد قيل له: (توسع بهذا الفائض على أهلك وأصهارك)... فأجاب: (ولماذا أهلي وأصهاري؟ ... لا والله ما أنا ببائع رضا الله بقرابة)...

كما كان يجيب سائله: ما أنا بالمتخلف عن الرعيل الأول، بعد أن سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (يجمع الله عز وجل الناس للحساب... فيجيء فقراء المؤمنين يزفون كما تزف الحمام... فيقال لهم: قفوا للحساب... فيقولون: ما كان لنا شيء نحاسب عليه... فيقول الله: صدق عبادي... فيدخلون الجنة قبل الناس)...

وفاته

 


وفي العام العشرين من الهجرة، لقي سعيد -رضي الله عنه- ربه نقيا طاهرا...