الوحدة العشرون أحكام الدين والتجارة والرهن - في ظلال القرآن

الناقل : elmasry | المصدر : www.khayma.com

مقدمة الوحدة

دقة الصياغة الثانوية في القرآن هذه الأحكام الخاصة بالدين والتجارة والرهن تكملة للأحكام السابقة في درسي الصدقة والربا فقد استبعد التعامل الربوي في الدرس السابق والديون الربوية والبيوع الربوية أما هنا فالحديث عن القرض الحسن بلا ربا ولا فائدة وعن المعاملات التجارية الحاضرة المبرأة من الربا وإن الإنسان ليقف في عجب وفي إعجاب أمام التعبير التشريعي في القرآن حيث تتجلى الدقة العجيبة في الصياغة القانونية حتى ما يبدل لفظ بلفظ ولا تقدم فقرة عن موضعها أو تؤخر وحيث لا تطغى هذه الدقة المطلقة في الصياغة القانونية على جمال التعبير وطلاوته وحيث يربط التشريع بالوجدان الديني ربطا لطيف المدخل عميق الإيحاء قوي التأثير دون الإخلال بترابط النص من ناحية الدلالة القانونية وحيث يلحظ كل المؤثرات المحتملة في موقف طرفي التعاقد وموقف الشهود والكتاب فينفي هذه المؤثرات كلها ويحتاط لكل احتمال من احتمالاتها وحيث لا ينتقل من نقطة إلى نقطة إلا وقد استوفى النقطة التشريعية بحيث لا يعود إليها إلا حيث يقع ارتباط بينها وبين نقطة جديدة يقتضي الإشارة إلى الرابطة بينهما إن الإعجاز في صياغة آيات التشريع هنا لهو الإعجاز في صياغة آيات الإيحاء والتوجيه بل هو أوضح وأقوى لأن الغرض هنا دقيق يحرفه لفظ واحد ولا ينوب فيه لفظ عن لفظ ولولا الإعجاز ما حقق الدقة الشتريعية المطلقة والجمال الفني المطلق على هذا النحو الفريد ذلك كله فوق سبق التشريع الإسلامي بهذه المبادىء للتشريع المدني والتجاري بحوالي عشرة قرون كما يعترف الفقهاء المحدثون

الدرس الأول أحكام الدين

يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه هذا هو المبدأ العام الذي يريد تقريره فالكتابة أمر مفروض بالنص غير متروك للاختيار في حالة الدين إلى أجل لحكمة سيأتي بيانها في نهاية النص وليكتب بينكم كاتب بالعدل وهذا تعيين للشخص الذي يقوم بكتابة الدين فهو كاتب وليس أحد المتعاقدين وحكمة استدعاء ثالث ليس أحد الطرفين في التعاقد هي الاحتياط والحيدة المطلقة وهذا الكاتب مأمور أن يكتب بالعدل فلا يميل مع أحد الطرفين ولا ينقص أو يزيد في النصوص ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فالتكليف هنا من الله بالقياس إلى الكاتب كي لا يتأخر ولا يأبى ولا يثقل العمل على نفسه فتلك فريضة من الله بنص التشريع حسابه فيها على الله وهي وفاء لفضل الله عليه إذ علمه كيف يكتب فليكتب كما علمه الله وهنا يكون الشارع قد انتهى من تقرير مبدأ الكتابة في الدين إلى أجل ومن تعيين من يتولى الكتابة ومن تكليفه بأن يكتب ومع التكليف ذلك التذكير اللطيف بنعمة الله عليه وذلك الإيحاء بأن يلتزم العدل وهنا ينتقل إلى فقرة تالية يبين فيها كيف يكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل إن المدين الذي عليه الحق هو الذي يملي على الكاتب اعترافه بالدين ومقدار الدين وشرطه وأجله ذلك خيفة أن يقع الغبن على المدين لو أملى الدائن فزاد في الدين أو قرب الأجل أو ذكر شروطا معينة في مصلحته والمدين في موقف ضعيف قد لا يملك معه إعلان المعارضة رغبة في اتمام الصفقة لحاجته إليها فيقع عليه الغبن فإذا كان المدين هو الذي يملي لم يمل إلا ما يريد الارتباط به عن طيب خاطر ثم ليكون إقراره بالدين أقوى وأثبت وهو الذي يملي وفي الوقت ذاته يناشد ضمير المدين وهو يملي أن يتقي الله ربه ولا يبخس شيئا من الدين الذي يقر به ولا من سائر أركان الإقرار الأخرى فإن كان المدين سفيها لا يحسن تدبير أموره أو ضعيفا أي صغيرا أو ضعيف العقل أو لا يستطيع أن يمل هو إما لعي أو جهل أو آفة في لسانه أو لأي سبب من الأسباب المختلفة الحسية أو العقلية فليملل ولي أمره القيم عليه بالعدل والعدل يذكر هنا لزيادة الدقة فربما تهاون الولي ولو قليلا لأن الدين لا يخصه شخصيا كي تتوافر الضمانات كلها لسلامة التعاقد وبهذا ينتهي الكلام عن الكتابة من جميع نواحيها فينتقل الشارع إلى نقطة أخرى في العقد نقطة الشهادة واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى إنه لا بد من شاهدين على العقد ممن ترضون من الشهداء والرضى يشمل معنيين الأول أن يكون الشاهدان عدلين مرضيين في الجماعة والثاني أن يرضى بشهادتهما طرفا التعاقد ولكن ظروفا معينة قد لا تجعل وجود شاهدين أمرا ميسورا فهنا ييسر التشريع فيستدعي النساء للشهادة وهو إنما دعا الرجال لأنهم هم الذين يزاولون الأعمال عادة في المجتمع المسلم السوي الذي لا تحتاج المرأة فيه أن تعمل لتعيش فتجور

بذلك على أمومتها وأنوثتها وواجبها في رعاية أثمن الأرصدة الإنسانية وهي الطفولة الناشئة الممثلة لجيل المستقبل في مقابل لقيمات أو دريهمات تنالها من العمل كما تضطر إلى ذلك المرأة في المجتمع النكد المنحرف الذي نعيش فيه اليوم فأما حين لا يوجد رجلان فليكن رجل واحد وامرأتان ولكن لماذا امرأتان إن النص لا يدعنا نحدس ففي مجال التشريع يكون كل نص محددا واضحا معللا أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى والضلال هنا ينشأ من أسباب كثيرة فقد ينشأ من قلة خبرة المرأة بموضوع التعاقد مما يجعلها لا تستوعب كل دقائقه وملابساته ومن ثم لا يكون من الوضوح في عقلها بحيث تؤدي عنه شهادة دقيقة عند الاقتضاء فتذكرها الأخرى بالتعاون معا على تذكر ملابسات الموضوع كله وقد ينشأ من طبيعة المرأة الانفعالية فإن وظيفة الأمومة العضوية البيولوجية تستدعي مقابلا نفسيا في المرأة حتما تستدعي أن تكون المرأة شديدة الاستجابة الوجدانية الانفعالية لتلبية مطالب طفلها بسرعة وحيوية لا ترجع فيهما إلى التفكير البطيء وذلك من فضل الله على المرأة وعلى الطفولة وهذه الطبيعة لا تتجزأ فالمرأة شخصية موحدة هذا طابعها حين تكون امرأة سوية بينما الشهادة على التعاقد في مثل هذه المعاملات في حاجة إلى تجرد كبير من الانفعال ووقوف عند الوقائع بلا تأثر ولا إيحاء ووجود امرأتين فيه ضمانة أن تذكر إحداهما الأخرى إذا انحرفت مع أي انفعال فتتذكر وتفيء إلى الوقائع المجردة وكما وجه الخطاب في أول النص إلى الكتاب ألا يأبوا الكتابة يوجهه هنا إلى الشهداء ألا يأبوا الشهادة ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا فتلبية الدعوة للشهادة إذن فريضة وليست تطوعا فهي وسيلة لإقامة العدل وإحقاق الحق والله هو الذي يفرضها كي يلبيها الشهداء عن طواعيه تلبية وجدانية بدون تضرر أو تلكؤ وبدون تفضل كذلك على المتعاقدين أو على أحدهما إذا كانت الدعوة من كليهما أو من أحدهما وهنا ينتهي الكلام عن الشهادة فينتقل الشارع إلى غرض آخر غرض عام للتشريع يؤكد ضرورة الكتابة كبر الدين أم صغر ويعالج ما قد يخطر للنفس من استثقال الكتابة وتكاليفها بحجة أن الدين صغير لا يستحق أو أنه لا ضرورة للكتابة بين صاحبيه لملابسة من الملابسات كالتجمل والحياء أو الكسل وقلة المبالاة ثم يعلل تشديده في وجوب الكتابة تعليلا وجدانيا وتعليلا عمليا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا لا تسأموا فهو إدراك لانفعالات النفس الإنسانية حين تحس أن تكاليف العمل أضخم من قيمته ذلكم أقسط عند الله أعدل وأفضل وهو إيحاء وجداني بأن الله يحب هذا ويؤثره وأقوم للشهادة فالشهادة على شيء مكتوب أقوم من الشهادة الشفوية التي تعتمد على الذاكرة وحدها وشهادة رجلين أو رجل وامرأتين أقوم كذلك للشهادة وأصح من شهادة الواحد أو الواحد والواحدة وأدنى ألا ترتابوا أقرب لعدم الريبة الريبة في صحة البيانات التي تضمنها العقد أو الريبة في أنفسكم وفي سواكم إذا ترك الأمر بلا قيد وهكذا تتكشف حكمة هذه الإجراءات كلها ; ويقتنع المتعاملون بضرورة هذا التشريع ودقة أهدافه وصحة إجراءاته إنها الصحة والدقة والثقة والطمأنينة ذلك شأن الدين المسمى إلى أجل أما التجارة الحاضرة فإن بيوعها مستثناة من قيد الكتابة وتكفي فيها

شهادة الشهود تيسيرا للعمليات التجارية التي يعرقلها التعقيد والتي تتم في سرعة وتتكرر في أوقات قصيرة ذلك أن الإسلام وهو يشرع للحياة كلها قد راعى كل ملابساتها ; وكان شريعة عملية واقعية لا تعقيد فيها ولا تعويق لجريان الحياة في مجراها إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم وظاهر النص أن الإعفاء من الكتابة رخصة لا جناح فيها أما الإشهاد فموجب وقد وردت بعض الروايات بأن الإشهاد كذلك للندب لا للوجوب ولكن الأرجح هو ذاك والأن وقد انتهى تشريع الدين المسمى والتجارة الحاضرة والتقى كلاهما عند شرطي الكتابة والشهادة على الوجوب وعلى الرخصة فإنه يقرر حقوق الكتاب والشهداء كما قرر واجباتهم من قبل لقد أوجب عليهم ألا يأبوا الكتابة أو الشهادة فالأن يوجب لهم الحماية والرعاية ليتوازن الحق والواجب في أداء التكاليف العامة ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم لا يقع ضرر على كاتب أو شهيد بسبب أدائه لواجبه الذي فرضه الله عليه وإذا وقع فإنه يكون خروجا منكم عن شريعة الله ومخالفة عن طريقه وهو احتياط لا بد منه لأن الكتاب والشهداء معرضون لسخط أحد الفريقين المتعاقدين في أحيان كثيرة فلا بد من تمتعهم بالضمانات التي تطمئنهم على أنفسهم وتشجعهم على أداء واجبهم بالذمة والأمانة والنشاط في أداء الواجبات والحيدة في جميع الأحوال ثم وعلى عادة القرآن في إيقاظ الضمير واستجاشة الشعور كلما هم بالتكليف ليستمد التكليف دفعته من داخل النفس لا من مجرد ضغط النص يدعو المؤمنين إلى تقوى الله في النهاية ; ويذكرهم بأن الله هو المتفضل عليهم وهو الذي يعلمهم ويرشدهم وأن تقواه تفتح قلوبهم للمعرفة وتهيىء أرواحهم للتعليم ليقوموا بحق هذا الإنعام بالطاعة والرضى والإذعان واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شىء عليم ثم يعود المشرع إلى تكملة في أحكام الدين آخرها في النص لأنها ذات ظروف خاصة فلم يذكرها هناك في النص العام ذلك حين يكون الدائن والمدين على سفر فلا يجدان كاتبا فتيسيرا للتعامل مع ضمان الوفاء رخص الشارع في التعاقد الشفوي بلا كتابة مع تسليم رهن مقبوض للدائن ضامن للدين وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة وهنا يستجيش الشارع ضمائر المؤمنين للأمانة والوفاء بدافع من تقوى الله فهذا هو الضمان الأخير لتنفيذ التشريع كله ولرد الأموال والرهائن إلى أصحابها والمحافظة الكاملة عليها فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه والمدين مؤتمن على الدين والدائن مؤتمن على الرهن ; وكلاهما مدعو لأداء ما اؤتمن عليه باسم تقوى الله ربه والرب هو الراعي والمربي والسيد والحاكم والقاضي وكل هذه المعاني ذات إيحاء في موقف التعامل والائتمان والأداء وفي بعض الآراء أن هذه الآية نسخت آية الكتابة في حالة الإئتمان ونحن لا نرى هذا فالكتابة واجبة في الدين إلا في حالة السفر والإئتمان خاص بهذه الحالة والدائن والمدين كلاهما في هذه الحالة مؤتمن

شهادة الشهود تيسيرا للعمليات التجارية التي يعرقلها التعقيد والتي تتم في سرعة وتتكرر في أوقات قصيرة ذلك أن الإسلام وهو يشرع للحياة كلها قد راعى كل ملابساتها ; وكان شريعة عملية واقعية لا تعقيد فيها ولا تعويق لجريان الحياة في مجراها إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم وظاهر النص أن الإعفاء من الكتابة رخصة لا جناح فيها أما الإشهاد فموجب وقد وردت بعض الروايات بأن الإشهاد كذلك للندب لا للوجوب ولكن الأرجح هو ذاك والأن وقد انتهى تشريع الدين المسمى والتجارة الحاضرة والتقى كلاهما عند شرطي الكتابة والشهادة على الوجوب وعلى الرخصة فإنه يقرر حقوق الكتاب والشهداء كما قرر واجباتهم من قبل لقد أوجب عليهم ألا يأبوا الكتابة أو الشهادة فالأن يوجب لهم الحماية والرعاية ليتوازن الحق والواجب في أداء التكاليف العامة ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم لا يقع ضرر على كاتب أو شهيد بسبب أدائه لواجبه الذي فرضه الله عليه وإذا وقع فإنه يكون خروجا منكم عن شريعة الله ومخالفة عن طريقه وهو احتياط لا بد منه لأن الكتاب والشهداء معرضون لسخط أحد الفريقين المتعاقدين في أحيان كثيرة فلا بد من تمتعهم بالضمانات التي تطمئنهم على أنفسهم وتشجعهم على أداء واجبهم بالذمة والأمانة والنشاط في أداء الواجبات والحيدة في جميع الأحوال ثم وعلى عادة القرآن في إيقاظ الضمير واستجاشة الشعور كلما هم بالتكليف ليستمد التكليف دفعته من داخل النفس لا من مجرد ضغط النص يدعو المؤمنين إلى تقوى الله في النهاية ; ويذكرهم بأن الله هو المتفضل عليهم وهو الذي يعلمهم ويرشدهم وأن تقواه تفتح قلوبهم للمعرفة وتهيىء أرواحهم للتعليم ليقوموا بحق هذا الإنعام بالطاعة والرضى والإذعان واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شىء عليم ثم يعود المشرع إلى تكملة في أحكام الدين آخرها في النص لأنها ذات ظروف خاصة فلم يذكرها هناك في النص العام ذلك حين يكون الدائن والمدين على سفر فلا يجدان كاتبا فتيسيرا للتعامل مع ضمان الوفاء رخص الشارع في التعاقد الشفوي بلا كتابة مع تسليم رهن مقبوض للدائن ضامن للدين وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة وهنا يستجيش الشارع ضمائر المؤمنين للأمانة والوفاء بدافع من تقوى الله فهذا هو الضمان الأخير لتنفيذ التشريع كله ولرد الأموال والرهائن إلى أصحابها والمحافظة الكاملة عليها فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه والمدين مؤتمن على الدين والدائن مؤتمن على الرهن ; وكلاهما مدعو لأداء ما اؤتمن عليه باسم تقوى الله ربه والرب هو الراعي والمربي والسيد والحاكم والقاضي وكل هذه المعاني ذات إيحاء في موقف التعامل والائتمان والأداء وفي بعض الآراء أن هذه الآية نسخت آية الكتابة في حالة الإئتمان ونحن لا نرى هذا فالكتابة واجبة في الدين إلا في حالة السفر والإئتمان خاص بهذه الحالة والدائن والمدين كلاهما في هذه الحالة مؤتمن

وفي ظل هذه الاستجاشة إلى التقوى يتم الحديث عن الشهادة عند التقاضي في هذه المرة لا عند التعاقد لأنها أمانة في عنق الشاهد وقلبه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ويتكىء التعبير هنا على القلب فينسب إليه الإثم تنسيقا بين الاضمار للإثم والكتمان للشهادة فكلاهما عمل يتم في أعماق القلب ويعقب عليه بتهديد ملفوف فليس هناك خاف على الله والله بما تعملون عليم وهو يجزي عليه بمقتضى علمه الذي يكشف الإثم الكامن في القلوب ثم يستمر السياق في توكيد هذه الإشارة واستجاشة القلب للخوف من مالك السماوات والأرض وما فيهما العليم بمكنونات الضمائر خفيت أم ظهرت المجازي عليها المتصرف في مصائر العباد بما يشاء من الرحمة والعذاب القدير على كل شيء تتعلق به مشيئته بلا تعقيب لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير وهكذا يعقب على التشريع المدني البحت بهذا التوجيه الوجداني البحت ; ويربط بين التشريعات للحياة وخالق الحياة بذلك الرباط الوثيق المؤلف من الخوف والرجاء في مالك الأرض والسماء فيضيف إلى ضمانات التشريع القانونية ضمانات القلب الوجدانية وهي الضمان الوثيق المميز لشرائع الإسلام في قلوب المسلمين في المجتمع المسلم وهي والتشريع في الإسلام متكاملان فالإسلام يصنع القلوب التي يشرع لها ; ويصنع المجتمع الذي يقنن له صنعة إلهية متكاملة متناسقة تربية وتشريع وتقوى وسلطان ومنهج للإنسان من صنع خالق الإنسان فأنى تذهب شرائع الأرض وقوانين الأرض ومناهج الأرض أنى تذهب نظرة إنسان قاصر محدود العمر محدود المعرفة محدود الرؤية يتقلب هواه هنا وهناك فلا يستقر على حال ولا يكاد يجتمع اثنان منه على رأي ولا على رؤية ولا على إدراك وأنى تذهب البشرية شاردة عن ربها ربها الذي خلق والذي يعلم من خلق والذي يعلم ما يصلح لخلقه في كل حالة وفي كل آن ألا إنها الشقوة للبشرية في هذا الشرود عن منهج الله وشرعه الشقوة التي بدأت في الغرب هربا من الكنيسة الطاغية الباغية هناك ; ومن إلهها الذي كانت تزعم أنها تنطق باسمه وتحرم على الناس أن يتفكروا وأن يتدبروا ; وتفرض عليهم باسمه الإتاوات الباهظة والاستبداد المنفر فلما هم الناس أن يتخلصوا من هذا الكابوس تخلصوا من الكنيسة وسلطانها ولكنهم لم يقفوا عند حد الاعتدال فتخلصوا كذلك من إله الكنيسة وسلطانه ثم تخلصوا من كل دين يقودهم في حياتهم الأرضية بمنهج الله وكانت الشقوة وكان البلاء فأما نحن نحن الذين نزعم الإسلام فما بالنا ما بالنا نشرد عن الله ومنهجه وشريعته وقانونه ما بالنا وديننا السمح القويم لم يفرض علينا إلا كل ما يرفع عنا الأغلال ويحط عنا الأثقال ويفيض علينا الرحمة والهدى واليسر والاستقامة على الطريق المؤدي إليه وإلى الرقي والفلاح