حــق اليتيــم

الناقل : elmasry | الكاتب الأصلى : محمد حسان | المصدر : www.mohamedhassan.org


حــق اليتيــم

إن الحمد لله رب العالمين، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلفه وخليله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد فى الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبيا عن أمته، ورسولا عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله واصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد فحياكم الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس وشرح الله هذه الصدور، وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً ، وأسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجمعنا فى هذه الدنيا دائماً وأبدا على طاعته أن يجمعنا فى الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى فى جنته ودار مقامته، إنه ولى ذلك
والقادر عليه...
أحبتى فى الله ... حقوق يجب أن تعرف .. سلسلة منهجية تحدد الدواء من القرآن والسنة لهذا الداء العضال الذى استشرى فى جسد الأمة وهو داء الانفصام النكد بين منهجها المنير وواقعها المؤلم المرير، فأنا لا أعرف زماناً قد انحرفت فيه الأمة عن منهج ربها ونبيها كهذا الزمان، فأردت أن أذكر نفسى وأمتى لعلها أن تسمع من جديد عن الله عز وجل.
ولعلها أن تسمع من جديد عن رسول الله ، لعلها أن تحول هذا المنهج المنير فى حياتها إلى منهج حياة وتردد مع الصادقين السابقين الأولين قولتهم الخالدة: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (285) سورة البقرة
ونحن اليوم بحول الله ومدده على موعد مع لقاء من لقاءات هذه
السلسلة المنهجية المباركة وحديثنا اليوم بإذن الله تعالى عن حق جليل كبير عظيم الا
وهو حق اليتيم.
وكعادى حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعا من تحت أقدامنا فسوف ينتظم حديثى مع حضراتكم فى هذا الموضوع الرقراق فى العناصر التالية:
أولاً: من هو اليتم؟
ثانياً: ولتكن البداية مع اليتم الذى كان يتمه تشريفا لكل يتيم...
ثالثاً: مكانة اليتيم فى القرآن والسنه...
رابعاً: وهل ننسى يتامى فلسطين.
خامساً: يتم رغم وجود الوالدين.
سادساً وأخيراً: كيف تؤمن مستقبل ولدك بعد موتك.
فأعرنى قلبك وسمعك فإن الموضوع من الأهمية بمكان، والله أسأل أن يجعلنا جميعا ممن : {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (18) سورة الزمر
أولاً: من هو اليتيم؟: قال ابن منظور فى لسان العرب: اليتيم فى الناس: من فقد أباه، واليتم فى الحيوانات والطيور من فقد أمه، وهذه لطيفة لغوية مغزى قل من يتنبه إليها فأصل اليتم فى اللغة الغفلة، وبه سمى اليتيم يتيماً، لأنه يتغافل عن بره بعد موت أبيه، وأصل اليتيم فى اللغة أيضاً: الانفراد فكل شئ مفرد لا نظير له ولا مثيل له يقال له: يتيم، تقول: درة يتيمة أى: درة مفردة لا نظير لها ولا مثيل.
ثانياً: بإيجاز: ولتكن البداية بعد هذا التأصيل اللغوى السريع مع اليتيم الذى كان يتمه تشريفا لكل يتيم، وهذا هو عنصرنا الثانى فلقد شاء الله جل وعلا ولا راد لمشئيته أن ينشأ المصطفى يتيماً مات أبوه وأمه تحمله جنينا فى أحشائها على الراجح من أقوال المؤرخين، ومنهم من قال: بل مات أبوه عبد الله بعد مولد المصطفى بشهرين، فكفله جده عبد المطلب، الذى تعلق بالمصطفى تعلقا شديداً، وكان عبد المطلب صاحب مكانة كبيرة فى قومه فكان أولاده يفرشون له فراشه إلى جوار الكعبة ولا يجرؤ أحدهم أن يجلس على هذا الفراش إلا إذا خرج عبد المطلب فكان إذا جلس عبد المطلب على فراشه جاء المصطفى وهو طفل صغير ليجرى على هذا الفراش ليجلس إلى جوار جده فيحاول أولاد عبد المطلب أن يمنعوه فيأبى عليهم عبد المطلب ويقربه ويجلسه فى حجره .
ثم مات جده عبد المطلب وهو فى الثامنة من عمره بعدما فارق أمه وهو فى السادسة من عمره فكفلة عمه أبو طالب فخصه بمزيد من التقدير والرعاية والعناية، وأحاطه بالحماية حتى مات أبو طالب قبل هجرة المصطفى بثلاث سنوات على الراجح من أقوال أهل التاريخ والسير، شاء الله سبحانه أن ينشأ المصطفى يتيما فقد أباه ثم فقد أمه ثم فقد جده، وليس هذا من قبيل المصادفة العمياء ، فلا يوجد شئ فى كون الله إلا بقدر {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (49) سورة القمر شاء الله أن ينشأ المصطفى يتيماً ليتولاه الله وحده بالعناية والرعاية حتى لا ينشأ المصطفى يقول: أبى أبى وإنما
يقول: ربى ربى.
نشأ المصطفى يتيما ليتولاه ربه وحده بالرعاية- إنتبه- ومن تولاه الله برعايته أحسن الله بدايته وأكرم الله نهايته، وزاد الله بين البداية والنهاية كرامته فما ظنك إن كان المتولى بالرعاية هو الحبيب المصطفى ، فوالله ثم والله ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسا هى أكرم عليه من نفس محمد وإنه لمكتوب عند الله خاتم النبيين، وإن آدم لمجندل فى طينته- وآدم فى طينته- ورسول الله مكتوب عند الله خاتم النبيين، فكيف إذا كان المتولى بالعناية والرعاية من الله المدبر لأمر الكون كله هو حبيب الله المصطفى ، فوالله ما أحب الله مخلوقا كما أحب رسولنا وحبيبنا فلقد خلق الله الخلق واصطفى من الخلق الأنبياء، واصطفى من الأنبياء الرسل.
واصطفى من الرسل أولى العزم الخمسة: نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمداً، واصطفى من أولى العزم الخمسة: الخليلين الحبيبين إبراهيم ، ومحمداً، ثم اصطفى محمداً فكرمه على جميع خلقه فرفع ذكره، وشرح صدره، وأعلى قدره، ووضع وزره وزكاه فى كل شئ:
زكاه فى عقله فقال سبحانه: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} (2) سورة النجم
وزكاه فى بصره فقال سبحانه: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} (17) سورة النجم
وزكاه فى صدره فقال سبحانه: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} (1) سورة الشرح
وزكاه فى ذكره فقال سبحانه: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} (4) سورة الشرح
وزكاه فى طهره فقال سبحانه: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} (2) سورة الشرح
وزكاه فى علمه فقال سبحانه: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} (3، 5) سورة النجم  
وزكاه فى حلمه فقال سبحانه وتعالى: { بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (128) سورة التوبة
وزكاه كله فقال سبحانه وتعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (4) سورة القلم
أغر عليه للنبوة خاتما
وضم الأله إسم النبى إلى اسمه
وشق له من اسمه ليجله

 
من نور يلوح ويشهد
إذا قال فى الخمس المؤذن أشهد
فذو العرش محمود وهذا محمد

ما خاطب الله المصطفى وناداه بإسمه قط تدبروا مكانه الرسول عند الله وتعرفوا على محبة الله لحبيبنا وسيدنا رسول الله ما نادى الله على نبى إلا باسمه المجرد إلا المصطفى : {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ } (35) سورة البقرة {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا } (48) سورة هود {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ* قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} (104، 105) سورة الصافات { يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (30) سورة القصص {إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ } (55) سورة آل عمران {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ } (26) سورة ص {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ } (7) سورة مريم {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} (12) سورة مريم {قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ } (81) سورة هود أما المصطفى عليه الصلاة والسلام فنادى عليه بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا} (45، 46) سورة الأحزاب وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ } (41) سورة المائدة وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ* قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا}(1، 2) سورة المزمل وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ*قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ* وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} (1،7) سورة المدثر.
ثم من عليه جل وعلا وأقسم بالضحى والليل إذا سجى أنه ما ودع حبيبه المصطفى وما هجره وما قلى، فتدبر معى قول ربنا جل فى علاه: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى *وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}(1، 5) سورة الضحى تدبر معى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى* وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى* وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ* وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} (6،11) سورة الضحى لقد ولدت يتيماً فأواك الله جل وعلا وأحاطك بعنايته ورعايته {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى* وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى* وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ* وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} ووجدك تائها تبحث عن الحق والحقيقة فى بيئة جاحدة بين نفوس شاردة فى هاجرة محرق قاحلة فهدى الله قلبك للإيمان {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا } (52) سورة الشورى {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} كنت فقيرا فأغنى الله نفسك بالقناعة والرضا ثم من عليك بالرزق الحلال الطيب الواسع، وبعد هذا التكريم يأتى هذا التوجيه الربانى إلى الحبيب النبى
 : {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ* وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} من هذا المنطلق تتضح لنا مكانة اليتيم فى القرآن وفى سنة النبى الذى ولد يتمياً فكان يتمه
تشريفاً لكل يتيم.
وهذا هو عنصرنا الثالث من عناصر اللقاء مكانة اليتيم فى القرآن والسنة..
لا أيها الأحبة: من أعظم الآيات التى يكرم الله فيها اليتامى هذه الآية الكريمة التى يربط الله عز وجل فيها بين الأمر بتوحيده وعباده بين الأمر بالإحسان إلى اليتامى يقول سبحانه وتعالى: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا} (36) سورة النساء يأمر الله بتوحيده وعبادته {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} وبعد ذلك يأمر بالإحسان إلى الوالدين ثم ذوى القربى ثم اليتامى إنها مكانة عظيمة أن يربط الله بين الأمر بعبادته وبين الأمر بالإحسان إلى اليتيم وستعجبون إذا علمتهم أن الأمر بالإحسان إلى اليتامى ليس خاصا بأمة المصطفى وإنما أمر الله بالإحسان إلى اليتيم جميع الأمم السابقة بل وجعل الإحسان إلى اليتامى ميثاقاً جامعاً من المواثيق التى أخذها على بنى إسرائيل تدبر معى قول الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ} (83) سورة البقرة من هذا معرضون ومن هذا المنطلق يأمر الله جل وعلا أولياء اليتامى أن يتقوا الله فى أموال اليتامى وألا يقربوا أموالهم إلا بالتى هى أحسن وحذرهم من تبديدهم وتبديلها بالخبيث أو المتاجرة بها فى الحرام فقال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} (34) سورة الإسراء وقال سبحانه: {وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} (2) سورة النساء كان إثما عظيما وظلما بيناً  {وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا}.
بل وأوجب الله فى آية واحدة جامعة أوجب على ولى اليتامى ألا يسرف فى الإنفاق من أموالهم حتى يبلغ اليتامى الرشد وسن النكاح وصاروا قادرين على تدبير شؤونهم والمحافظة على أموالهم أوجب الله على ولى اليتامى أن يردوا أموالهم إليهم كاملة غير منقوصة، وأوجب الله على ولى اليتامى إن كان غنيا ألا يأكل من مال اليتيم فإن كان فقيراً أكل بالمعروف من غير إسراف ولا تبذير، وأووجب الله على ولى اليتامى بألا بسارع بأكل أموال اليتامى قبل أن يكبر أصحابها ليأخذوا حقهم وأوجب الله على ولى اليتم أن يرد إليهم أموالهم وأن يشهد على ذلك إبراءاً لذمته ودرءاً للشبهة عنه.
ورأى المالكية والشافعية: أن الأمر بالإشهاد عند رد المال بالوجوب ولو أن الأحناف قد رأوه للندب وإن ظاهر كل الآيات أن الأمر بالوجوب إذا لم تأت قرينة تصرف الأمر من الوجوب إلى الندب، فتدبروا كل هذه المعانى التى ذكرت فى آية واحدة فى آية فذة جامعة بأوجز لفظ وأعجز أسلوب يقول الله تبارك وتعالى: {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا} (6) سورة النساء يا لها من خاتمة جليلة وكفى باله حسيبا إن استطعت فى المجلس الحسبى أن تزور إن استطعت عن طريق المحاماة أن تحرف فكن على يقين بأن الذى يطلع على قولك وعملك ونيتك هو الذى أعلم بالسر وأخفى وكفى بالله حسيبا يا لها من خاتمة {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ*إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (88،89) سورة الشعراء {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ } (47) سورة الأنبياء ومن ثم يأتى هذا التحذير الرهيب والوعيد الشديد لمن يأكلون أموال اليتامى، تدبر معى قوله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} (10) سورة النساء مشهد مرعب مشهد النار وهى تتأجج فى البطون: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب المصطفى كانوا وقافين عند كلام الله كان القرآن يتنزل على رسول الله فيتلوا الرسول القرآن عليهم فترتجف القلوب لما نزلت الآية الكريمة: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} شق ذلك على أصحاب النبى .
انتبه معى أيها الفاضل فانطلق كل ولى لليتامى فعزل طعامه عن طعام اليتامى وعزل شرابه عن شراب اليتامى فكان الطعام يقدم لليتيم حتى يشبع فإن تبقى شئ من طعام اليتيم لا تمتد إليه حتى يأكله اليتيم مرة أخرى أو يفسد فشق ذلك على أصحاب المصطفى فذهبوا إلى رسول الله فأخبروه فرفع الله الحرج والعنت وأنزل على حبيبه قوله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (220) سورة البقرةتدبر القرآن انظر كيف طهر القرآن هذه القلوب ورفعها إلى هذا الأفق السامق { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (220) سورة البقرة {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ} فى الطعام والشراب لا حرج فى ذلك بغير ظلم { وَاللّهُ يَعْلَمُ}- أى: لضيق عليكم- { إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .
ايها الإخوة الكرام هذه بعض آيات القرآن التى تبين مكانة اليتيم ويأتى اليتيم الذى كان يتمه تشريفا لكل يتيم ليكرم اليتامى، ففى السنة الشريفة المطهرة فى الصحيحين من حديث أبى هريرة أن المصطفىقال:" أنا وكافل اليتيم فى الجنة كهاتين" واشار بالسبابة والوسطى". ([1]) .
هل تدبرتم هذا الحديث ماذا لو أخبرتك أخى الحبيب بأنك ستكون فى منزلة على فى الجنة؟ ثم ماذا لو أخبرتك أخى الحبيب بأنك ستكون فى منزلة عمر فى الجنة؟ ماذا لو أخبرتك أخى الحبيب بأنك ستكون فى منزلة عثمان فى الجنة؟ ثم ماذا لو علمت يا أخى الحبيب بأن منزلتك ستكون فى منزلة صديق الأمة فى الجنة؟ ثم ماذا لو أخبرتك
أخى الحبيب بأنك ستكون فى الجنة مع الحبيب المصطفى هل فكرت فيها
أسمع الحديث مرة أخرى وتدبر يقول الحبيب: " أنا وكافل اليتيم فى الجنة كهاتين" وأشار بالسبابه والوسطى.
انظروا إلى تقارب السبابة والوسطى هذه منزلة كافل اليتيم فى الجنة مع المصطفى وفى لفظ مسلم:" كافل اليتيم له أو لغيره" ... أو حتى لو كان اليتيم أجنبيا عنك: " كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو فى الجنة كهاتين" واشار المصطفى بالسبابة والوسطى، بل وتدبروا هذا الحديث الذى رواه أبو يعلى بسند قال فيه الحافظ ابن حجر: إسناده لا بأس به من حديث أبى هريرة أن النبى قال: "أنا أول من يفتح باب الجنة.."([2]) أول من يحرك باب الجنة هو نبينا فالجنة محرمة على كل أحد حتى يدخلها المصطفى
يوم القيامة بل ولا تدخل أمة من الأمم الجنة قبل أمة المصطفى يقول الحبيب : " أنا أول من يفتح باب الجنة فأرى امرأة تبادرنى..." يرى الحبيب امرأة تسابقه لتدخل معه الجنة فى منزلته العالية يقول المصطفى: " فأقول لها: ما لك من أنت؟.. فتقول هذه المرأة: أنا امرأة قعدت على أيتام لى".. أنا امرأة قعدت على أيتام لى .. امرأة ربت يتامى مات زوجها وهى فى ريعان الصبا والشباب فأبت إلا أن تفرغ نفسها لتربية أولادها تربية ترضى الرب سبحانه هذه هى منزلها تركت كل لذة واستعلت على كل شهوة ورفضت الخطاب وتفرغت لتربية أولادها اليتامى هذه هى منزلتها مع الحبيب : " أنا أول من يفتح باب الجنة فأرى امرأة تبادرنى
-
تسابقنى- فأقول لها: ما لك من أنت؟
.. فتقول هذه المرأة: أنا امرأة قعدت
على أيتام لى".(
[3])
وفى سنن النسائى بإسناد جيد من حديث أبى شريح بن خويلد بن عمر الخزاعى أن الحبيب النبى قال: "إنى أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة" أحرج
أى أحرم على من ضيع حق اليتيم والمرأة وأكل مالهما،
" إنى أحرج حق الضعيفين:
اليتيم والمرأة".
(
[4])
وأخيراً أختم بهذا الحديث الرقراق وهو فى أعلى درجات الصحة، الحديث رواه البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة أن المصطفى :" الساعى على الأرملة والمسكين كالمجاهد فى سبيل الله وكالذى يصوم النهار ويقوم الليل.."([5])
الساعى على الأرملة والمسكين كالمجاهد فى سبيل الله، وكالذى يصوم النهار ويقوم الليل. هذه طائفة نبوية كريمة تبين مكانة اليتيم فى سنة الحبيب .
وبعد هذا أسأل هذا السؤال هل ينسى مسلم صادق فى هذا الوقت
الحرج يتامى فلسطين؟.
وهذا هو عنصرنا الرابع من عناصر اللقاء ، هل ننسى يتامى فلسطين؟
أيها المسلم أيتها المسلمة تصور أخى الفاضل، تصور إنك تجلس مع أولادك على مائدة الطعام وبدون مقدمات سقط صاروخ على البيت فحول البيت إلى ركام ثم توفى الوالد وتمزقت أشلاؤه وسالت دماؤه وقتلت الأم وتمزقت أشلاؤها وسالت دماؤها وربما قتل بعض الأطفال وبقى طفل أو طفلان، بقى طفل ليرى هذا المشهد المروع رأى بيتا يسقط ويرى والداً يمزق، ويرى أماً تقتل، ويرى إخواته تتمزق أشلاؤهم لتتطاير هنا وهناك فيصرخ هذا اليتيم، وتنقل صرخته على مرأى ومسمع من العالم الخائن، والعالم الإسلامى الهزيل المهزوم، لكن من يسمع صرخته بل ربما نراه على شاشات التلفاز فينظر أحدنا إلى هذا المشهد المروع ثم يقوم بعد ذلك يهز كتفيه، وكأن الأمر لا يعنيه، وكأن هذا الطفل الذى فقد بيته وفقد والديه ليس منه فى شئ وتصرخ هذه اليتيمة الصغيرة على ارض فلسطين تصرخ بأعلى صوتها وتنادى على ألف مليون وتقول:
 
أنا لا أريد طعامكم وشرابكم فدمى هنا يا ملسمون يراق
أنا لا أريد طعامكم وشرابكم فدمى هنا يا ملسمون يراق
عرضى يدنس أين شيمتكم أما فيكم أبى قلبة خفاق
عرضى يدنس أين شيمتكم أما فيكم أبى قلبة خفاق

 
تصرخ اليتيمة على أرض فلسطين وتقول:
 
أنا لا أريد طعامكم وشرابكم فدمى هنا يا ملسمون يراق
بنتاه بنتاه بنتاه
أمتنا التى تدعينها صارت على درب الخضوع تساق
أودت قومية مشئومة وصارت بها نحو الضياع رفاق
إذا كنت تريدينها فسينتهى نفق ويأتى بعده أنفاق
فمدى إلى الرحمن كفيك تضرعا فسوف يرفع صوتك الخلاق
لا تيأسى بنتاه لا تيأسى بنتاه
فمدى إلى الرحمن كفيك تضرعا فسوف يرفع صوتك الخلاق
لا تيأسى بنتاه لا تيأسى بنتاه
لا تيأسى فأمام قدرة ربنا تتضاءل الأنساب والأعراق
أطفالنا ناموا على أحلامهم وعلى لهيب القاذ
فا
ت أقاقوا
لا تيأسى فأمام قدرة ربنا تتضاءل الأنساب والأعراق
أطفالنا ناموا على أحلامهم وعلى لهيب القاذفات أقاقوا
أطفالنا قتلوا على فراشهم والعالم كله خسه ونفاق
أطفالتا قتلوا على فراشهم والعالم كله خسه ونفاق
أين النظام العالمى أما له أثر ألم تنعق به الأبواق
أين السلام العالمى أما له أثر ألم تنعق به الأبواق
يا مجلس الخوف يا مجلس الخوف
                يا مجلس الأمن عذرا
يا مجلس الخوف الذى فى ظله كسر الأمان وضيع الميثاق
أو ما يحركك الذى يجرى لنا أو ما يثيرك جرحنا الدفاق
يعفى عن اليهود الذين طغوا وتجبروا وبفرد بالعقاب العراق
وحشبة يقف الخيال أمامها متضائلا وتمجها الأواق

 
وصدق ربى إذ يقول: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ *  مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء* وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ * وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ * يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ *سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ * لِيَجْزِي اللّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ *  هَذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} (42،52) سورة إبراهيم
اللهم زلزل الأرض من تحت أقدام اليهود، اللهم اخسف بهم الأرض يا غفور يا ودود، اللهم املأ بيوتهم وقلوبهم ناراً اللهم يتم أولادهم ورمل نسائهم واقذف الرعب فى قلوبهم، اللهم عليك بأمريكا الخائنة وعليك بكل من خاف فلسطين من الغرب الملحد والشرق الكافر، وفى بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم ارحم ضعفنا واجبر كسرنا وتول أمرنا واغفر ذنبنا، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا وارفع مقتك وغضبك عنا يا أرحم الراحمين.
يجب عليك أيها المسلم ألا تنسى أولادك فى فلسطين طرفة عين ، فليحترق قلبك وإن كنت لا تقدر أن تقدر أن تقدم شيئا فليحترق قلبك، فلتبك، أما أن نحمل قلوبا باردة وأعينا جامدة فماذا نبذل؟
لقد بخلت الأمة بالدعاء ، من منا يدعو لأولادنا فى فلسطين فى كل صلاة؟ من؟ والله إنه لأمر مخز والله إنه لأمر فاضح، والله قد تخلى كثير من افراد الأمة حتى عن الدعاء لقد تخلى كثير من نساء الأمة حتى عن الدعاء، فصار المسلم لا يعيش إلا لشهواته ونزواته، وصارت المسلمة لا تعيش إلا لشهواتها ونزواتها، ونسى الكل إلا من رحم ربك أطفالنا فى فلسطين.
فليحترق قلبك ولتبك عينك فلتقم الليل لله جل وعلا/ لترفع بين يديه أكف الضراعة أن يحفظهم بحفظة، ولا تستهن بالدعاء فإن الدعاء سهام الليل وقد رأيتم بأعينكم بيتا يخسف به الأرض بدون أسباب وبدون مقدمات ، وأنا أقسم بالله بأنها دعوة مستجابة من صالح من المسلمين وأنا أقسم بالله إنها دعوة مستجابة من مسلمة صالحة من الصالحات.
لا تستهينوا بالدعاء وإن قلوبنا تحترق وإن عيوننا تبكى وإننا نبذل ما نقدر عليه من المال، صلى الله وسلم على المصطفى كما قال فى الصحيحين:" إن فى المدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا وكانوا معكم شركوكم الأجر"". قالوا: وهو بالمدينة يا رسول الله؟! قال: "وهم بالمدينة ، حبسهم العذر"([6]) .
يا راحلين إلى البيت العتيق لقد
إنا اقمنا على عذر نكابده

 
سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا
ومن أقام على عذر كمن راحا

أكتفى بهذا القدر وأكمل بعد جلسة الاستراحة وأقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهدية واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد...
رابعاً: يتيم رغم وجود الوالدين:
نعم! لقد صرحت بأن ابن منظور ذكر أن أصل اليتيم فى اللغة هو الإنفراد فقد يشعر كثير من أولادنا باليتيم التربوى ورغم وجود الوالدين، لأن الوالدين قد انشغلا عن الأولاد، لأن الوالد انشغل بتجارته ربما يعذر الوالد المسكين الذى انشغل بالعمل، ليوفر لأولاده لقمة العيش الكريمة، لكنه والله لا يعذر إن وجد عنده رمقا من الوقت فعاد إلى بيته ليقتل هذا الوقت الرمق مثلا بالجلوس أمام التلفاز، لينشغل بهذا الوقت القليل ايضاً عن أولاده وتزداد المصيبة إذا انشغلت الأم هى الأخرى بالوظيفة خرجت إلى الوظيفة بغير حاجة ولا ضرورة.
فالزوج قادر بفضل الله على أن يطعمها وعلى أن يكرمها حتى ولو كان بأمر يسير لكنها أصرت على الخروج من البيت إلى الوظيفة تارة وإلى الجرى إلى الأسواق تارة أخرى وللزيارات ثالثة وتركت الأولاد، فجلس الأولاد أمام التلفاز ليقتات الأولاد قوتهم التربوى من التلفاز والذى يقوم بالتوجيه التربوى فى الإعلام لا يرقب فى المسلمين دينا ولا ذمة.
شتان شتان بين ما يقدم لأولادنا فى التلفاز وبين شرعنا الإسلامى فهؤلاء لا علاقة لهم بإسلام لا بقرآن ولا بسنة.
انظر إلى الخريطة الإعلامية من البرامج التى تقدم لأولادنا على شاشة التلفاز، أفلام تعزف على وتر الجنس والدعارة والجريمة والفهولة، مسرحيات فاسده هابطة، تمثيليات طويلة مملة ساقطة، برامج تعزف على وتر التمجيد للمثلين والممثلات واللاعبين واللاعبات والمطربين والمطربات، الأحياء منهم والأموات، برامج تسىء إلى النقاب وتتهم اللحية وتثير الشبهات لا على الفرعيات بل على الثوابت والكليات فيقتات أولادنا هذا القوت العفن عبر وسائل الإعلام.
ثم زاد الطين بلة هذا الدش الخبيث الذى ينقل إلى بيوت المسلمين أفلام الزنا، وصار كثير من المسلمين يقيمون الليل كله مع أفلام الزنا ومناظر الدعارة حتى ملأ الفقر البيوت، ولا حول ولا قوة إلا بالله أو يخرج الأولاد ليقتاتوا قوتهم اليومى فى الشوارع والطرقات عبر صحبة السوء فيرجع الوالد المسكين، ليرى ولده فى بيت زنا أو شقة دعارة أو ليرى ولده قد أدمن البانجو والمخدرات، اللهم أحفظ لنا أولادنا بحفظك، اللهم رب لنا أولادنا يا كريم.
كذا انشغل الوالد، وظن الوالد المسكين أن الوظيفة أنه فى البيت ممثل لوزارة المالية كم تحتاج الأم من أموال يدفع، كم يحتاج الولد من أموال يمنح وفقط، وظنت الأم هى الاخرى أنها ما هى إلا مصدر للوضع فحسب فقدت أمومتها يوم أن تخلت عن وظيفتها التربوية، وفقد الوالد أبوته يوم أن تخلى عن وظيفته التربوية وشعر الأولاد بيتم تربوى حقيقى فى كثير من البيوت.
فليس اليتيم من انتهى أبواه وخلفاء فى هم الحياة ذليلا
إن اليتيم هو الذى ترى له أما تخلت أو أبا مشغولا
يتيم رغم وجود الوالدين:
قال جلا وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (6) سورة التحريم وقال كما فى الصحيحين من حديث أبن عمر:" كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع فى بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية فى بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع فى مال سيده ومسؤول عن رعيته". ([7])
وفى الصحيحين من حديث معقل بن يسار أن النبى قال: " ما من عبد يسترعية الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة".([8])
وأخيراً: أطرح هذا السؤال المهم: كيف تؤمن مستقبل ولدك بعد موتك؟ سؤال قد يبدو غريبا للوهلة الأولى لكن ستزول الغرابة فورا بعد ترتيلى لقول الله عز وجل وعلا: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا} (9) سورة النساء هذا هو الجواب: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا}.
حقق التقوى ليحفظ الله لك أولادك بعد موتك، هذا وعد ربى قل قولا سديداً، ليتول الله أولادك بالرعاية والعناية بعد موتك، دخل مسلمة بن عبد الملك على عمر ابن عبد العزيز وهو على فراش الموت فقال مسلمة وهو ابن عم عمر: يا أمير المؤمنين ألا توصى لأولادك بشئ؟! من المال فلقد تركت أولادك فقراء فقال عمر بن عبد العزيز- طيب الله تراهك يا مسلم وهل أملك شيئاً من المال لأوصى به لأولادى أم تريد أن أمنحهم من مال المسلمين ما ليس لهم؟! لا يكون ذلك، فغنهم أحد رجلين: إما ان يكونوا صالحين فالله يتولى الصالحين وإما أن تكونوا غير ذلك ولا أدع لهم ما يستعينون به على معصية الله، وأسأل أنا عنه بين يدى الله.
ثم قال عمر: أدخلوا أولادى على فدخلوا عليه وهو على فراش الموت فنظر إليهم وبكى وقال: يا بنى إن اباكم قد خير بين أمرين: بين أن يترككم أغنياء ويدخل النار، وبين أن يترككم فقراء ويدخل الجنة ولقد اختار أبوكم الجنة إن شاء الله، وإما أن تكونوا صالحين فالله يتولى الصالحين وإما أن تكونوا غير صالحين فلا أدع لكم ما تستعينون به على معصية الله،  وأسأل أنا عنه بين يدى الله أخرجوا عنى فخرجوا عنه وظل يردد قول الله تبارك وتعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } (83) سورة القصص
حتى توفاه الله جل وعلا والله ما مضى وقت كبير وقد جاء ولد من أولاد عمر بن عبد العزيز يحمل الصدقة على بعير، ليتصدق بها على الفقراء والمساكين وقد تركهم عمر لا يملكون من حطام الدنيا شيئاً، إنه وعد الله سبحانه ولا تعارض بين أن تحقق التقوى لولدك وبين أن تكدح وتسعى وأن تترك لهم مالا، ولا تعارض بين هذا وذاك .
ففى صحيح مسلم من حديث سعد بن أبى وقاص أن النبى لما دخل عليه، ليزوره فى مرض الموت قال له سعد: يا رسول الله أريد أن أتصدق بثلثى مال قال: "لا" قال: أتصدق بنصف مالى؟ قال:" لا" قال : أتصدق بالثلث قال: "والثلث كثير"
ثم قال
: إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة- أى فقراء- يسألون الناس"(
[9]) فلا حرج فهذا من التوكل على الله.
فالتوكل على الله أن تأخذ بالأسباب وأن تعلق قلبك بمسبب الأسباب تبارك وتعالى أسأل الله عز وجل أن يرزقنا جميعا صدق التوكل عليه وأن يبارك لنا فى أولادنا وأن يربيهم لنا، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا وأولادنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً، اللهم لا تجعل لأحد منا فى هذا الجمع ذنبا إلا غفرته ولا مريضا إلا شفيته ولا عاصيا بيننا إلا وهديته ولا طائعاً إلا زدته وثبته، ولا جاحة لنا هى لك رضا ولنا فيها صلاح إلا وقضيتها يارب العالمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوما وتفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تجعل فينا شقيا ولا محروماً، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى ، اللهم قر أعيننا بنصرة أمة المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم احفظ أهلنا فى فلسطين وفى السودان وفى العراق وفى كشمير وفى الشيشان وفى الفلبين وفى كل مكان يا أرحم الراحمين، اللهم احفظهم بحفظك واكلأهم بعنايتك ورعايتك لا إله لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وارفع اللهم مقتك وغضبك عنا واقبلنا وتقبل منا وتب علينا ، وارحمنا إنك أنت التواب الرحيم اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وارفع اللهم مقتك وغضبك عنا لا إله لنا سواك فندعوه وما لنا رب غيرك فنرجوه، لا إله لنا سواك فندعوه وما لنا رب غيرك فنرجوه، اللهم إنى أسألك أن تجعل مصر واحة للأمن والأمان، اللهم احفظ مصر من فتن المجرمين، اللهم إنى أسألك أن تجعل مصر واحة للأمن، والأمان اللهم احفظ مصر من فتن المفتونين، واحفظ مصر بالتوحيد للموحدين برحمتك يا أرحم الراحمين، وارفع عن مصر الغلاء والبلاء والوباء يا رب العالمين.
هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده وما كان من خطأ أو زلل أو نسيان فمنى ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه .


(1) رواه البخارى فى الطلاق (5304)، وفى الأدب (6005)، ومسلم فى الزهد والرقائق (2983/42).
(2) رواه أبو يعلى (6621) وقال الهيثمى مجمع الزوائد (8/166): وراه أبو يعلى وفيه عبد السلام بن عجلان وثقة أبو حاتم وابن حبان وسند الحديث حسن.
(1) هو نفس الحديث السابق.
(2)     رواه أحمد (2/ 439)، وابن ماجه فى الأدب (3678)، وفى الزوائد: المعنى أحرج عن هذا الإثم بمعنى أن يضيع حقهما وأحذر من ذلك تحذيراً بليغا وأزجر عنه زجرا أكيدا قاله النووى: وإسناده صحيح، رجاله ثقات.
(3) رواه البخارى فى النفقات (5353) ومسلم فى الزهد والرقائق (2982/ 41).
(1) رواه البخارى فى الجهاد (2839) وفى المغازى (4423) ، ومسلم فى الإمارة (1911).
(1) رواه البخارى فى الجمعة (893)، وفى الاستقراض (2409)، وفى العتق (2554 ، 2558)، والوصايا (2751)، وفى النكاح (5188 ، 5200)، ومسلم فى الإمارة (1829 / 20).
(2) رواه البخارى فى الأحكام (7150 ، 7151)، ومسلم فى الإيمان (142 / 227)، وفى الإمارة (142/21).
 
(1) رواه البخارى فى الجنائز (1295)، وفى النفقات (5354)، ومسلم فى الوصية (1628 /5). ِ