أهمية الصناعات الصغيرة في تحقيق التنمية الاقتصادية

الناقل : elmasry | المصدر : www.ecoworld-mag.com

أهمية الصناعات الصغيرة في تحقيق التنمية الاقتصادية
 

لا يوجد معيار موحد ولا تعريف محدد للصناعات الصغيرة. فالبعض يحددها باستخدام معيار العمالة. وتكون المنشأة صغيرة إذا كان يعمل بها أقل من خمسين عاملاً. والبعض الآخر يحددها بناء علي حجم رأس المال المستخدم والذى يكون عادة بسيطاً. وآخرون يحددون مفهوم الصناعات الصغيرة باستخدام معيار التقدم التكنولوجى حيث يستخدم فى الصناعات الصغيرة عادة العمل اليدوى مع الاستعانة بآلات وأدوات بسيطة فى الغالب. كما توجد معايير أخري متعددة مثل مستوي التنظيم، درجة الانتشار، مستوي الجودة، وكمية أو قيمة الإنتاج.
وتمتلك الصناعات الصغيرة والريفية إمكانيات كبيرة لتحقيق أهداف استراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية فى مراحلها المختلفة. ففى المراحل الأولي من تنمية الصناعة، والتى تكون فيها الندرة لرأس المال والوفرة للعمالة، فإن الصناعات الصغيرة لها إمكانيات كبيرة للإسراع بعجلة تنمية قطاع الصناعة، كما أن لها دوراً هاماً فى تطوير الريف، مما يساعد علي إزالة التناقض بين القرية والمدينة.
وتتضح أهمية الصناعات الصغيرة من النواحى التالية:
\ تعظيم الناتج الصناعى وفرص العمالة:
حيث يعتبر تعظيم فرص العمالة المنتجة والناتج الصناعى من الأهداف القومية، والتى تتوقف علي معامل رأس المال ومن ثم رأس المال المستثمر للعامل. فكلما كان معامل رأس المال ومن ثم معامل رأس المال المستثمر للعامل مرتفعاً، كلما كان الناتج الصناعى والعمالة المحققة، باستثمار مبلغ معين، أقل؛ وذلك بالمقارنة إذا كان معامل رأس المال المستثمر منخفضاً. ولما كانت الصناعات الصغيرة تتسم بكثافة المستخدم من عنصر العمل وضآلة رأس المال المستثمر للعامل، فإنها تكون لديها القدرة علي تعظيم العمالة والناتج الصناعى واستيعاب العمالة الزائدة فى الريف. ولقد استوعبت الصناعات الصغيرة نحو 9،41% من إجمالى العمالة بقطاع الصناعة التحويلية فى اليابان وساهمت بحوالى 3،26% من إجمالى الناتج الصناعى.
\ توفير السلع الاستهلاكية اللازمة للمجتمع الريفى:
إذا تم تدعيم الصناعات الصغيرة، لأمكنها ذلك من توفير السلع الاستهلاكية التى تغطى معظم احتياجات المجتمع الريفى، ويكون ذلك بمد هذه الصناعات بالمساعدات الفنية والإدارية والاقتصادية اللازمة لمقوماتها الأساسية. وفى مرحلة تالية يمكن تعديل برامج إنتاج الصناعات الصغيرة طبقاً لاحتياجات الأسواق الخارجية، وبما يتفق وأذواق ورغبات المستهلك الخارجى مما يجعلها صناعات مؤهلة للتصدير.
\ تعظيم الفائض الاقتصادى للمجتمع:
من المعلوم أن اقتصاديات الدول النامية تتصف بانخفاض معدلات الادخار المحلى، مما أدي إلي زيادة اعتمادها علي التمويل الخارجى وتزايد عبء المديونية عليها. ولا يمكن لهذه الدول أن تحقق معدلات نمو طموحة إلا من خلال مصادر تمويلها الذاتية، مما يتطلب منها تعظيم الفائض الاقتصادى. ولا يكون ذلك إلا باستثمار مبالغ معينة. وإذا ما كان الفائض الاقتصادى للعامل فى المنشآت الصناعية يتوقف علي إنتاجية العامل وأجره وذلك حسب أحجام المنشآت المختلفة، فإن هذه المنشآت الصناعية الصغيرة لديها القدرة علي تعظيم الفائض الاقتصادى للمجتمع لأن رأس المال المستثمر فيها يكون بسيطاً وكذلك أجر العامل، بينما إنتاجيته عالية. وقد استطاعت المنشآت الصغيرة أن تحقق ادخارات بمعدلات عالية باليابان عندما أولت الدولة اهتماماً خاصاً بتنميتها.
\ تنمية الريف وتنمية الصناعات التقليدية:
تتمتع عملية التصنيع بصفة عامة بديناميكية خاصة، بخلاف الصناعات الاقتصادية الأخري لما ترتبط به من علاقات جذب أمامية وخلفية مما يجعل التصنيع يتمتع بآثار جذب قوية يمارسها علي بقية أجزاء الاقتصاد القومى. وبالتالى ارتبط تحضر المدن بتصنيعها، حيث توجد علاقة قوية بين التصنيع والتحضر. ووجود الصناعات فى الريف يؤدى إلي تحضره وتطويره. كما أن وجود الصناعات الصغيرة يؤدى إلي التدريب علي فنون العمل المختلفة وخلق العمالة المدربة علي فنون التكنولوجيا الحديثة فى الإنتاج وكذلك تكوين الكوادر الإدارية المدربة وظهور الكفاءات العالية مما يؤدى إلي تطوير الصناعات التقليدية.
\ التكامل مع الصناعات المتوسطة وكبيرة الحجم:
بما أن الصناعات الصغيرة تتكامل مع الصناعات المتوسطة وكبيرة الحجم فى عملية التنمية الصناعية والاجتماعية، فإن ذلك يحقق نمواً سريعاً للصناعة. ففى الولايات المتحدة الأمريكية تعتمد أغلب الشركات العملاقة فى قطاع الصناعات التحويلية علي العديد من المنشآت الصغيرة، فنجد مثلاً نحو 64% من الموردين لشركة جنرال موتورز، البالغ عددهم 26 ألفاً، هم من المنشآت الصغيرة ذات العمالة التى لا تزيد عن مائة عامل، و93% من الموردين لشركة ديبون، البالغ عددهم 30 ألفاً، هم من المنشآت الصغيرة، وشركة رايثيون كبري شركات الصناعات الإلكترونية تشترى 6،56% من احتياجاتها من منشآت صغيرة. وفى اليابان أيضاً تشكل المنشآت الصغيرة التى تقوم بالإنتاج لحساب المنشآت الكبيرة نحو 72% فى صناعة المنتجات المعدنية و76% فى صناعة الآلات و79% فى صناعة الآلات الكهربائية. كذلك فى فرنسا تشترى شركة رينو للسيارات ما يزيد عن عشرين ألف بند من البنود اللازمة لخطوط تجميع منتجاتها من منشآت صغيرة، وتستخدم أكثر من خمسة آلاف مقاول من الباطن وتخصص أكثر من 46% من مواردها لعمليات الشراء من الغير.
\ استخدام الموارد:
تساهم الصناعات الصغيرة فى استثمار الموارد الأولية الموجودة فى بعض الأماكن وتقوم أيضاً بتصنيع بعض مخلفات المصانع الكبيرة التى قد تهدر. وبالتالى فإن الاهتمام بهذه الصناعات الصغيرة يعتبر استغلالاً للمزايا النسبية للأقاليم المختلفة، بالإضافة لما تتميز به من سهولة فى تطويرها وفقاً لاحتياجات السوق، وبساطة رأس المال، وسهولة الانتشار الجغرافى وتلافى مشكلات التركيز، والاحتكار وبعث المنافسة النافعة علي نطاق واسع.
ورغم أهمية الصناعات الصغيرة للاقتصاد القومى إلا أنها تواجه العديد من المشكلات. فبالإضافة إلي التمويل، وإغفال الدول النامية لدورها، توجد بعض المشكلات الأخري وهى عدم إمكانية التوسع والتحديث لعدم توافر المواقع الملائمة، وقصور المرافق والخدمات والبعد عن المنشآت الصناعية الكبيرة، وعدم وجود ترابط بينها، وكذلك عدم إمكانية التخصص. ومن هنا تتضح أهمية المجتمعات العمرانية الجديدة فى التغلب علي هذه المشكلات كالتالى:
$ توسيع قاعدة الصناعات الصغيرة وتحديثها:
تمكن المجتمعات الجديدة من توسيع قاعدة الصناعات الصغيرة والريفية وذلك عن طريق توفير مجموعة من السياسات التى تحفز علي إقامة هذه الصناعات بها. وتتعلق هذه السياسات بتوفير التمويل اللازم لمن لديهم الخبرة ويرغبون فى إقامة صناعات صغيرة ريفية فى تلك المجتمعات، وكذلك مدهم بالخبرات الفنية اللازمة والآلات المعدنية ومستلزمات الإنتاج التى يصعب عليهم شراؤها من الخارج، وتوفير المواد الخام النادرة التى تقوم عليها هذه الصناعات. كما أن المجتمعات الجديدة تمكن من تحديث هذه الصناعات، حيث أن المنشآت الجديدة التى يتم إقامتها بها سوف تعتمد علي معدات وآلات حديثة مما يؤدى إلي تحسين منتجاتها.
$ توفير الخدمات الفنية والتكنولوجية:
تعانى الصناعات الصغيرة من عدم ملاءمة مواقعها فى المجتمعات القديمة وكذلك عدم القدرة علي تصميم أفضل للمنشآت، بحيث يكون لها القدرة علي استيعاب التكنولوجيا الحديثة. وعن طريق المجتمعات الجديدة يمكن اختيار المواقع الأكثر ملاءمة لهذه الصناعات. ويجب علي المخطط أن يضع ذلك فى اعتباره عند التخطيط العام للمجتمع الجديد. بالإضافة إلي ذلك فإن المجتمعات الجديدة، تمكن من اختيار الآلات والمعدات المناسبة والترتيب الجيد لها، كذلك تمكن أيضاً من الاختيار بين المواد الخام الأكثر تناسباً مع المنشأة، وأساليب الإنتاج التى تعطى أكثر جودة بأقل تكلفة، وإمكانية تنويعها، وتساعد أيضاً علي تحسين وتطوير الكفاءة الإنتاجية. ويكون ذلك فى مقدور المجتمعات الجديدة دون القديمة، ذلك لأن المنشأة تكون جديدة فى تلك المجتمعات ويمكن تنظيمها وتطويرها، وإضافة كل ما هو حديث فى مجال الصناعات الصغيرة إليها. بينما يصعب ذلك فى المجتمعات القديمة.
$ إيجاد الترابط بين الصناعات الصغيرة والصناعات الكبيرة:
أثبتت تجارب الدول فى حركة التصنيع مثل اليابان، الهند، وكوريا، أن إسهام المصانع الصغيرة فى التصنيع، إنما يعتمد بدرجة كبيرة علي قوة وطبيعة العلاقة الارتباطية بين المصانع الصغيرة وبين المصانع الحديثة. فالتعاقد من الباطن مثلاً يهيئ للقطاع الصغير سوقاً جديدة، ويزود فى بعض الحالات برأس المال العامل، كما يقدم المساعدات الفنية. وفى ذات الوقت يستفيد القطاع الكبير منه فى سهولة الحصول علي العمالة والخبرة، ويمده كذلك بصناعات تدعم صناعته بتكاليف منخفضة.
وبالإضافة إلي ذلك فإن هذه الحركة بينهما ترفع من درجة كفاءة تخصيص الموارد فى الاقتصاد، ويتبع ذلك تحقيق مكاسب أخري نتيجة لما يولده كل قطاع من وفورات خارجية لفائدة القطاع الآخر. وبالتالى فإن الترابط بين الصناعات الصغيرة والكبيرة يمكن الصناعات الصغيرة من تنمية الصناعات المختلفة. وقد يكون ذلك بطرق مباشرة مثل إنتاج سلع تامة الصنع، وقد يكون بطريق غير مباشرة مثل إنتاج أجزاء أو سلع نصف مصنعة. ويصعب إيجاد هذا الترابط فى المجتمعات القديمة، لعدم توافر المواقع الملائمة للمنشآت الصغيرة بجانب المنشآت الكبيرة. وحتي إذا ما توافرت هذه المواقع فإن ذلك يزيد من التمركز وحدة التناقض بين القرية والمدينة، بينما تساعد المجتمعات الجديدة علي إحداث هذا الترابط، إذا ما راعي المخطط ذلك عند تخطيطه للمنطقة الصناعية بحيث تكون مواقع الصناعات الصغيرة مجاورة لمواقع الصناعات الكبيرة.
$ تجميع الوحدات الصناعية الصغيرة وإحداث التكامل فيما بينها:
تعانى الصناعات الصغيرة من التشتت والبعد عن بعضها البعض، مما يحرمها من ميزات اقتصادية كثيرة، مثل الوفورات الاقتصادية، والتكامل فيما بينها في المجالات التقنية والمالية والإدارية والتسويقية، ولا يمكنها من الحصول علي مميزات التخصص. وعن طريق المجتمعات الجديدة، يمكن تجميع الوحدات الصناعية الصغيرة، حيث يتم تخطيط المنطقة الصناعية، بحيث تشمل الصناعات الكبيرة والصغيرة، ويحدد فيها منطقة الصناعات الصغيرة بالقرب من بعضها البعض ومن الصناعات الكبيرة، مما يمكنها من الوصول إلي اقتصاديات الحجم، ويتيح لها إمكانية التخصص، كما يسهل عليها إمكانية التكامل فى المجالات التقنية والتسويقية، ويمكن من إقامة مؤسسات إدارية تراعى تنمية هذه الصناعات، وتعمل علي تحديثها بصفة دائمة، وتقدم المساعدات الفنية والمالية لها.
$ أستاذ الاقتصاد المساعد بكليات
البنات - الرياض - المملكة العربية السعودية.