الاقتصاد الصحي مطلب عصري وواجب أساسي

الناقل : elmasry | الكاتب الأصلى : د. زيد محمد الرماني | المصدر : www.ecoworld-mag.com

الاقتصاد الصحي مطلب عصري وواجب أساسي
د. زيد محمد الرماني
يحافظ الإنسان على حياته بكل السبل الممكنة، ولذلك فهو يقبل على كل الأساليب التي تساعده على تحقيق هذا الهدف، ومنها الوقاية. والمرض من العوامل التي تستطيع أن تشل قوى الإنسان وتنهي حياته أحياناً، كما أن المرض يكبد الإنسان نفقات باهظة قد لا يتحملها، فضلاً عن أنه قد يمنعه من الاستمرار في العمل ومن ثم يحدث هدر في الإنتاج بسبب الانقطاع عن العمل.
ومن الناحية المادية، فإن النفقات الطبية تلتهم جزءاً كبيراً من نفقات الفرد التي يقتطعها المرء من نفقات غذائه ليشتري الأدوية اللازمة، علماً بأن تكلفة معالجة المرض تتزايد باضطراد بسبب استخدام الأجهزة المتطورة لكشف وتشخيص ومعالجة الأمراض وتركيب الدواء.
وبالنسبة للإنتاج، فمن المعروف أن المريض غير المستقر نفسياً قد يكون عرضة لاضطرابات تعوقه عن الانضباط في العمل ومن ثم تقل كمية إنتاجه، وتكثر فترات تغيبه عن العمل بسبب المرض.
وإذا اعتبرنا أن العنصر البشري هو العنصر الحركي الفاعل لتنفيذ خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإن غيابه سيعوق ويؤخر إنجاز ما هو مطلوب منه.
لهذا، يُعدُّ رفع المستوى الصحي للسكان هدفاً أساسياً يتوجب الوصول إليه سواء من أجل تأمين الرفاهية للفرد أو لرفع إنتاجية العمل.
الطبيعة المزدوجة للصحة

تكمن الطبيعة المزدوجة للصحة في كونها وسيلة وغاية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في آن واحد، وهي تؤكد ضرورة توفير الاعتمادات المالية الكافية، بحيث تكون قادرة على النهوض بالخدمات والبرامج الصحية، ومعالجة أية مشكلات صحية جديدة قد تظهر في المستقبل.
ماهية الاقتصاد الصحي

هذه الحقائق تقودنا إلى التساؤل عن ماهية الاقتصاد الصحي، وهل هو فرع جديد من الطب، أم فرع من العلوم الاقتصادية، أم مزيج من الاثنين، أم هو علم خاص ومميز؟
فالصحة تدخل في مجال الطب، وهدفها الإغاثة والعناية بالمريض، وذلك بالاستناد إلى الأخلاق المهنية للأطباء. أما الاقتصاد فهدفه المعرفة الموضوعية للظواهر ذات الارتباط بالاستهلاك والإنتاج والتوزيع والموارد على ضوء التكلفة.
ومن ثم فكيف نجمع بين هذين الاختصاصيين المتناقضين ظاهريـاً من حيث المفهوم؟
تطور المشاكل الصحية

بداية ينبغي أن نتذكر تطور المشاكل الصحية، إذ قبل نحو خمسين عاماً كانت المشاكل الصحية والأمراض لا تستدعيان النظر إليهما من الوجهة الاقتصادية، ولا حتى من الأوجه التي تهم المجتمع، عدا الأمراض الوبائية، فقد كان الطب طباً فردياً.
وفي بداية القرن الميلادي العشرين الماضي أصبح الهدف الأساسي هو وضع نظام للتأمين الطبي، لصالح المعوزين والعاجزين خاصة، والهدف الثاني هو تنمية وتطوير شبكة المستشفيات والمؤسسات للعناية والوقاية، والتي تسمح بدورها بنشر التقنية الجديدة المعروضة من خلال العلوم الطبية.
وفي هذا السياق، يقول د. محمد عبيدو، في كتابه «مدخل إلى التخطيط الاقتصادي الصحي»؛ «في أقل من نصف قرن انتقلت المشاكل الصحية من الحيز الفردي إلى الحيز الجماعي».
ومن ثم، فينبغي أن نحلل وبأسلوب علمي طبيعة الظواهر ذات الصلة بالاستهلاك الطبي لتكاليف السلع والخدمات المستخدمة في قطاع الصحة وإدارة مؤسسات الخدمات التي تتنافس في الحماية الصحية. وهذا هو المبرر الأول لظهور الاقتصاد الصحي.
ويترتب على هذا مبرر ثان، يتمثل في أهمية توفير الموارد الصحية الكافية لتحقيق المشاريع الصحية اللازمة لرفع المستوى الصحي.
الدراسات الاقتصادية في المجال الصحي

أولاً: الدراسات التي تحاول تحديد القسم الملائم تخصيصه للقطاع الصحي داخل مجموع اقتصاد البلد، حيث يتم تحديد معايير الاختيار بين الصحة والقطاعات الكبيرة الأخرى للاستثمار الجماعي كالزراعة والصناعة والنقل.
ويبدو أنه من المتعذر تنفيذ مثل هذه الدراسات في الوقت الحاضر، بسبب غياب وحدة قياس تبين الفوائد والتكاليف للاستثمارات في جميع القطاعات الاقتصادية، حيث إن الوحدة المالية يصعب استخدامها في نطاق الصحة وخاصة أنه لا يوجد سعر للصحة.
ثانياً: الدراسات التي تحاول تحديد نصيب كل قسم من أقسام القطاع الصحي من مجمل الموارد المخصصة لهذا القطاع ككل، حيث يتم التركيز على الاختيارات الداخلية الملائمة ضمن القطاع الصحي، بهدف تحديد سلم الأفضلية لنماذج مختارة من الأعمال. فهل نبدأ بالعناية في المستشفيات أولاً أم بالعناية الطبية المتنقلة (كالتلقيح) أم بالطب المهني المتعلق بحوادث العمل؟
وهل ترتكز الجهود الصحية لصالح فئة من السكان (كالقوة العاملة مثلاً) أم لفئة أخرى من السكان (كالمسنين).
وهنا، نستطيع أن نتساءل على سبيل المثال، كيف توزع الجهود الجماعية بين العناية والوقاية والبحث العلمي الطبي؟
ويبدو أن هذه الدراسات أكثر صلابة وعقلانية من الدراسات الأولى التي تهتم بتحديد معايير الاختيار بين الصحة والقطاعات الكبيرة الأخرى.
العقبات

إنّ أهم ما ينبغي مراعاته هو ما يسميه الاقتصاديون «العقبات» ويقصدون بها تلك القيود التي تفرض علينا الوسائل والإمكانيات الجاهزة من الكادر الطبي، والأدوات والفترة الزمنية اللازمة لتنفيذ الإنشاءات والموارد المالية.
كما أن العقبات التقنية تكون أحياناً أكثر أهمية من المصاعب المالية. فمثلاً كيف يمكن توزيع أكبر قدر ممكن من الخدمات الصحية للمرضى بواسطة عدد محدود من الممرضات؟ وكيف نفحص أكبر عدد ممكن من المرضى بطريقة معمقة بواسطة عدد محدود من الأطباء؟
هذا يعني أن الأمر يتطلب تحليلاً دقيقاً. ولذا، فقد غدا هذا النوع من التحليل، أي اختيار الأفضل بواسطة الآلات الحاسبة الإلكترونية في يومنا الحاضر، أكثر تطبيقاً من الناحية العملية، حيث يسمح بتحديد تطور المتغيرات الأخرى الأكثر ملاءمة من أجل العائد والفاعلية.
اجتهادات مقدرة

وقد شرعت بعض الدول ببذل جهود مهمة في هذا المجال منذ عدة سنوات، إما بشكل مباشر من قبل الإدارات المعنية, كوزارة الصحة ووزارة المالية ووزارة الاقتصاد والتخطيط في المملكة العربية السعودية، وإما بشكل غير مباشر بأن يعهد بها إلى الأقسام المتخصصة في مجال الاقتصاد الصحي ضمن الأكاديميات العلمية (الجامعات) أو لمراكز البحوث العلمية الوطنية. ذلك، لأنه إذا كان الإنسان هو غاية التنمية ووسيلتها في الوقت نفسه، فإن مراعاة الجانب الصحي لديه يُعدُّ واجباً أساسياً.
المستشار الاقتصادي وعضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.