صناعة الاكتئاب

الناقل : elmasry | الكاتب الأصلى : أحمد عبد الحميد | المصدر : www.salafvoice.com

صناعة الاكتئاب

 

كتبه أحمد عبد الحميد

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

البحث عن السعادة أمر مركوز في فطرة الإنسان، وطالما أن كل صور السعادة في الدنيا محدودة ومؤقتة ومشوبة بالنغص؛ فإن الإنسان يظل في سعيه المحموم باحثاً عن السعادة الكاملة. والناس شتى في سعيهم فمنهم واصل بإذن الله، ومنهم تائه في الدروب. ولن يلقى الإنسانُ السعادةَ الكاملة الدائمة إلا يوم أن يضع قدمه في جنة الخلد. والناس يومها كما وصفهم الله (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ)(هود: الآية105). لا يدرك هذه الحقيقة إلا المؤمنون، وأكثر الخلق غافلون عنها مشمرون في طلب أوهام زائلة، و متشبثون بحبال مقطوعة.

تفنن البشر في أسباب البحث عن السعادة والبهجة حتى قامت صناعات وتجارات كاملة يطلق عليها (صناعة الترفيه). وعلى الرغم من ذلك فالمشاهد هو انتشار أوسع لحالات الاكتئاب والأمراض النفسية الأخرى. ولا يحتاج المتبصر إلى كثير جهد ليدرك أن هذه الصناعات هي السبب الرئيسي، بل والمباشر لكل هذا الضيق الذي يعاني منه أكثر البشر. وكيف لا وغالب هذه الصناعات قائم على صور من الانحراف عن شرع الحكيم الخبير؟ حيث تشمل هذه الصناعة طيفاً واسعاً من الوسائل تبدأ بلعب الأطفال، ولا تنتهي بتجارة الأجساد، فتضم المباح في أبسط صوره، والفجور في أرذل صوره، مارة في طريقها بأنواع من الخبث تجعل هذه الصناعات وبحق صناعة للاكتئاب وبالطبع للانتحار كذلك.

وعلى الرغم من كون صناعة الترفيه قائمة بالأساس على الانغماس في الشهوات حلالها وحرامها، وكون هذا السفول موجود في البشرية عبر تاريخها؛ فإننا لا ينبغي أن نغفل عن أن هذه الصناعة في صورتها المعاصرة إنما هي صناعة غريبة محضة، وهذا غير مستغرب فالحاجة أم الاختراع كما يقولون. ومَنْ غير الغربيين أضيق صدراً وأظلم قلباً وأشد مرارة في حياته؟ وهل يُوَلِّد الكفرُ بالله والإعراضُ عن شرعه غير هذه الثمار المرة؟  ولذا فمن المفهوم أن يكونوا أكثر الناس حرصاً على تطوير هذه الوسائل، وإعطائها أشكالاً جديدة طلباً لري ظمأ حارق للسعادة، ولا يرتوون.

وبين هذه الوسائل وتلك، تبقى وسائل الإعلام بأنواعها، أخطرها جميعاً، وأشدها تأثيراً في حياة الناس؛ لتنوعها وإمكانية وصولها إلى كافة الشرائح العمرية والثقافية، وأيضاً لكونها الحاضن والمروج الرئيسي لكافة الوسائل الأخرى. ولهذا السبب فإن المفتش عن أسباب انتشار الاكتئاب في أي مجتمع ينبغي أن يلتفت إلى وسائل الإعلام؛ لكونها من أكبر المؤثرات في تشكيل وعي وثقافة وسلوك هذا المجتمع.

ومما يزيد الأمر تعقيداً هو التطور السريع والكبير لهذه الوسائل، بحيث أصبح تأثيرها غير محدود بالمسافات والحدود والطبقات، فما يلقى إلى عقل الباحث القابع في مكتبته الضخمة، والمخترع المنهمك في معمله الحديث، هو ذاته ما يتلقاه الريفي البسيط الذي ربما يشغل التلفاز بمولد كهرباء يعمل بالسولار، في كوخ صغير على ضفة ترعة ملوثة، في قرية نائية، محرومة من الكهرباء وربما المياه النظيفة كذلك.

ومن عوامل خطورة هذه الوسائل: الغلاف البراق المبهر الذي يعمي العيون، فلا ينتبه الإنسان إلى نصل الخنجر المشرع تجاه قلبه، في حين يلقاه من يمسك الخنجر بابتسامة عريضة، وبجذل ومرح يدغدغ الأعصاب.

فيحتاج الأمر إلى نظر بعين البصيرة في الرصد والتقييم ثم التقويم. وأكثر الناس احتياجاً للتبصر في هذه الوسائل هم الشباب؛ لكونهم أحرص الفئات على السعادة والبهجة، فهم في فترة الفتوة والانطلاق والمرح، وهم أيضاً المستهدفون بصفة رئيسية من قِبَل كل هذه الوسائل التي ترسخ فيهم بدورها مفاهيم من نوعية (حب الحياة، والاستمتاع بالشباب والأيام)؛ ليبقى الشباب مخدوعاً بهذا الوهم، حريصاً على اعتصار مباهج الحياة حتى آخر قطرة فيها، ولا يدري أنه بذلك يحرق شمعة عمره، وربما من طرفيها كذلك.

ووسائل الإعلام تشمل طيفاً واسعاً من الوسائل تتفاوت فيما تقدمه من ترفيه أو ثقافة جادة وتعليم وتوجيه، ومن هذه الوسائل ما ينظر إليه باعتباره وسيلة ترفيه بالأساس: كالتلفاز والراديو والسينما. في الوقت الذي تبقى فيه الصحف والمطبوعات بصفة عامة وسائل تثقيف بالأساس، على الرغم من اضطلاعها بدور هام أيضاً في صناعة الترفيه تلك، كما سنبينه إن شاء الله. وبالتالي فهي في مجموعها خاضعة لهذا النقد الذي نحن بصدده.

وأخيراً ينبغي أن ننتبه أنه لا يوجد ما يسمى بالترفيه المطلق الخالي من أي تأثير سلوكي، فالأمر يبلغ درجة من التعقيد يصعب معها الفصل بين ما هو ترفيه محض، وما هو توجيه وتربية على أنماط معينة من السلوك. وهو ما جعل مصطلح (ثقافة الترفيه) مصطلحاً جديراً بالاحترام، فالترفيه والترويح عن النفس ثقافة مؤثرة سلباً وإيجاباً، ولذا فالذي يقصد إلى الترفيه والترويح عن نفسه أو غيره لابد له من اختيار الوسيلة، وكيف، ومتى، وإلى أي حد، ومن أجل أي هدف، حتى يتسق هذا الوقت المستقطع للترفيه من حياته الجادة مع ما يتطلع إليه من أهداف.

وبأسلوب آخر، فحينما نعتبر أن الترويح عن النفس من جملة المباحات، فيصعب تصور حالة مستقرة دائمة لهذا المباح، بأن يظل مباحا مطلقا هكذا دون أن يقترن به ما يجعله يتحول إلى أمر محمود يثاب الإنسان عليه، أو إثمٍ يذم الإنسان عليه في الدنيا والآخرة.

ونعرض -إن شاء الله-  في مقالة تالية لبعض صور الفساد الذي تقوم به هذه الوسائل في حياة الناس. ونسأل الله التوفيق والقبول... والحمد لله رب العالمين