خواطر تربوية - المدارس وتوابعها

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : داليا رشوان | المصدر : www.alameron.com

 

الذهاب إلى المدرسة
الضغط على الطفل بشأن ذهابه إلى المدرسة يجعله يكره سيرتها ويشعر أنها سجن، أما إذا بدأنا من السنوات الأولى إشعاره أنها مثل النادي وأنها فرصة يقابل فيها اصحابه ويلعب معهم فيها وأنها وسيلته حتى يترقى وينمي عقله وفكره ويعمل عملا كبيرا مفيدا في المجتمع وأنها وسيلته ليصبح رجلا ناجحا مثل فلان (ونختار له نموذج في العائلة يحتذى به)، فإن نظرته ستتغير وسنزرع داخله قيمة العلم.
ومن الأشياء المفيدة أيضا الحاق الطفل من صغره (سنتان أو ثلاثة) إلى حضانة بها نشاطات ممتعة ليعتاد الحياة الاجتماعية والتفاعل مع الأطفال الآخرين مما يسهل عليه مرحلة دخول المدرسة ويجعلها بالنسبة له امتدادا لمرحلة النشاطات الترفيهية التي كان يقوم بها ولكن ذات مستوى أعلى مناسبا لسنة فيشعر بالفخر أنه أصبح في هذه المرتبة ويكون أكثر تقبلا بل شوقا إلى دخول المدرسة.
 
المذاكرة
الضغط على الأبناء أيضا فيها يفقدهم شعورهم بأن عملية تحصيل العلم هي عملية لا تفيد إلا صاحبها أي أن الابن من مصلحته الشخصية أن يذاكر ولن يستفيد من ذلك أحد غيره، كل ما يشعره الابن أن مذاكرته هو شئ ثقيل يجامل به أهله وكأنه واجب عليهم يتكرم به هو لهم وجميلة يجب شكره عليها من قبلهم، وليستطيع الآباء توصيل المعلومة الصحيحة عليهم أن يضعوا أهدافا أكبر لأبنائهم تجعلهم متشوقين للمعرفة، فعلى سبيل المثال: تعلم القراءة كيف تقرأ القرآن بسهولة، وتعلم الانجليزي كي تعرف كيف تبحث عن موضوعات شيقة على الانترنت، تعلم التاريخ كي تتعلم أفعال الله في عبادة وتعرف كيف تقود العالم، وتعلم الجغرافيا كي تعرف الثقافات المختلفة وهكذا، ومن المفيد أيضا ربط جميع المعلومات المكتسبة بشئ واقعي وهكذا نجعل أبناءنا يُعملون عقولهم ويتفكرون فيما حولهم وينشغلون به بدلا من أن ينشغلون بتفاهات.
 
وأهم شئ بعد ذلك أن نحترم أي رأي يخرج منهم بناءا على مناقشاتنا لهم والمعلومات التي قدمناها لهم حتى نجعل منهم مبدعين، ذلك لأن صدنا لهم وإشعارهم أنهم صغارا لا يفهمون شيئا يحبط ثقتهم بأنفسهم ويدمر طاقاتهم الابداعية، وهنا ملاحظة يجب أخذها في الاعتبار وهو أن المناقشة حتى تكون بناءة لا يجب أن تؤسس على النصح المباشر ومسألة "أنت خطأ وأنا رأيي الصحيح غصب عنك" ولكن تبدأ بأخذ المعلومة من الابن والرد عليه بكلمات تشعره أنك تقبلت منه اجتهاده في هذه المعلومة وأنها ربما بها جزء من الصحة، ثم تدخل على جزئية النصح بشكل غير مباشر وهو بالفصل بكلمة "ولكن"، ثم تقول بعدها إذا أخذت برأي الابن ما هي السلبيات التي من الممكن أن تحدث واقعيا نتيجة لذلك، ثم تبدأ في الدخول إلى مرحلة أخرى وهي قول رأيك الصحيح بكلمة "ما رأيك لو"، بعد ذلك تسرد رأيك بشكل لا يبدو فيه الأمر بل مجرد دراسة لكلا الرأيين وتبعياتهما. ولو أن شرح مجرى الحوار يبدو طويل ولكن المسألة لا تأخذ دقائق تُعلم فيها ابنك التالي:
-       القدرة على دراسة رأي ما
-       القدرة على دراسة تبعيات هذا الرأي
-       القدرة على احتمال مخالفة الرأي الآخر له مع صحته (وذلك لأنك لم تعارضه وتنصحه نصح مباشر مما يؤدي إلى العناد ولكنك جعلته يرى بشكل بسيط ومريح كيف أن الآراء الأخرى قد تكون أصح من رأيه)
هذه العملية لتكون تامة يجب أن تضع في اعتبارك أن هناك احتمال أن رأي ابنك قد يكون صحيحا في مرة من المرات وهنا يجب أن تُعلمه كيف تُحسن تقبل صحة الرأي الآخر حين يخالفك ويكون صحيحا، ويمكن أيضا أن تتناقشون في قضية تحتمل عدة آراء والصح فيها هو أيهما أنسب لظروف كل انسان وهنا يجب أن تلفت نظر ابنك لذلك ولا تتعنت في رأيك، لأنه ليس من المهم من يكسب الجولة ولا تضع في اعتبارك أنها مسابقة ويجب أن تفوز بها ضد ابنك ولكن ما ستكسبه هو أن تعلم ابنك كيف يحترمك ويحترم الآخرين.  
 
اختيار التخصص
يعتقد الآباء أن ابنهم إذا لم يدخل كلية الطب أو الهندسة فقد أصبح مواطنا من الدرجة الثانية وهذا ما كبرنا جميعا به وهذا ما زرعه آباءنا داخلنا، ولكن حين أصبحت لي خبرة في الحياة الواقعية اكتشفت أن التخصص ليس هو الذي يحدد مدى نجاح الشخص في حياته ولكن معايير أخرى هي التي تحدد ذلك منها تفوق الشخص في مجال الدراسة الذي اختاره مهما كان ومنها الذكاء الاجتماعي الذي يجعل من هذا الانسان شخصا محبوبا أينما وجد ومنها قدرة هذا الانسان على العطاء والابداع، والابداع هنا هو الذي أعني به بصمة متميزة له في عمله تجعل منه شخصا أضاف في حياة الناس شيئا بدلا من الملايين التي تعيش بالطول وبالعرض وتموت ولم تغير شئ ولم يشعر بها أحد.
وهنا ملحوظة صغيرة أحب أن أختم بها هذا الموضوع وهو أن الآباء يجب أن يكفوا عن التعامل مع أبنائهم على أنهم امتداد لهم يجب أن يحققوا (الأبناء) ما لم يستطيعون هم تحقيقه (الآباء) وأن يعوا أن هؤلاء الأبناء شخصيات مستقلة متفردة في كل شئ في الصفات والطباع والقدرات والميول وليس دورهم تحقيق ما عجز آباءهم عنه ولكن تحقيق أحلامهم وطموحاتهم وأهدافهم الشخصية.
 
الطفل المنقاد
حلم الآباء أن يكون لديهم طفلا يسمع كلامهم دون نقاش ويصدق على كلمة يقولونها ولا يستطيع أن يقوم بخطوة إلا باستشارة والديه، ويسعى الآباء بكل قوتهم تحويل ابناءهم إلى هذا الشكل ولكن هل هذا فعلا طفل مثالي وهل هذا الطفل المثالي هو الذي سيكبر بعد ذلك ليكون رجلا أو امرأة مثالية.
إن هذه المواصفات مواصفات شخصية سلبية اعتمادية منقادة وإن كانت مريحة للآباء في فترة ما قبل المراهقة فهي تتحول إلى سلاح ضدهم فيما بعدها وذلك لأن فترة المراهقة تفرض تغيرات فسيولوجية ينتج عنها ثورة داخل المراهق على الأوضاع المعتادة ليثبت أنه لم يعد صغيرا، ولكن لأنه شخصية اعتمادية فيستبدل أبويه بأصدقاءه لأنه لم يتعلم كيف يأخذ قراراته بنفسه ويفكر باستقلالية، وقد يقع في أصدقاء سوء يجعلوه تابع لهم كيفما شائوا وسيكون مطيعا لهم بنفس الطريقة التي علمها له أبويه.
إن حوار الابن مع أبويه واقناعهم له بالمنطق وتعليمه الاعتماد على نفسه في بعض المهام بل محاولة تدريبه على تحمل المسئولية باعطاءه مهام تُحمله ليس فقط مسئولية نفسه بل مسئولية أسرته كاملة "بأشكال بسيطة"، مثل شراء شئ للأم أو للأب والنزول وحده لذلك أو المساعدة في اتخاذ قرار أو اعطاء رأي في موضوع مهم وهكذا، هذا الأسلوب يجعل منه شخصية تستطيع أن تتخذ قرارات مدروسة وأن تنفذها باستقلالية وتستطيع أن تضع الأحداث في ميزان الحق والباطل والحكم عليها واختيار المناسب منها دون تردد ودون انقياد أعمى، وليس معنى ذلك أن الطفل أو المراهق سيتخذ قرارات صائبة في البداية مائة في المائة ولا أحد يصل إلى ذلك ولكن مع كثرة التجربة يتعلم كما تعلم الكبار وتصبح له خبرات مثلنا، فالوصاية والحرص المبالغ فيه يسبب للابن صدمة عند اضطراره لمواجهة المجتمع وحده في مرحلة ما في حياته سواء كانت في فترة الدراسة الثانوية أو فترة دخوله إلى أروقة الجامعة