الصحة النفسية للطفل (2)

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : د.محمد المهدي | المصدر : www.maganin.com

نماذج مرضية في الأسرة :

نورد فيما يلي بعض النماذج لتركيبات وديناميكيات مرضية في الأسرة تؤدى في أغلب الأحيان إلى اضطربات نفسية لدى الأطفال.

1-الأسرة المتسلطة: هذه الأسرة تلغى تماما إرادة الطفل واختياره بكل وسائل القهر وهى تعتقد خطأ أن هذه هي أفضل طريقة للتربية حيث تحاول تشكيل الطفل طبقا لنموذج جاهز في ذهنها وهذه الأسرة لا تحتمل أي خروج ولا بسيط من جانب الطفل على الإطار المرسوم مسبقا، وقد تنجح هذه الأسرة في الأمد القصير في السيطرة على إرداة الطفل، إلا أن هذا لا يستمر كثيرا حيث يأتي الوقت الذي يثور فيه الطفل أو المراهق فينقلب على هذه السيطرة وتفاجأ الأسرة بأحد الاحتمالات التالية:

أ‌- ثورة عارمة من الطفل (أحيانا) أو من المراهق (غالباً) حيث يحاول أن يسترد سيطرته وإراداته، ليس هذا فقط بل إنه يحاول أن يسيطر هو على أمه أو أبيه بكل الطرق الممكنة، وهذا الابن يمكن أن يصبح مدمناً أو يسلك سلوكيات منحرفة أخرى لا لشيء إلا ليشعر أنه أصبح يمتلك القدرة على تدويخ أبيه وأمه.

ب‌- عدوان سلبي (مكايدة) حيث لا تظهر الميول العدوانية بشكل واضح وإنما تظهر في صورة موقف سلبي معاند يهدف به إلى يغيظ أبويه.

ج‌- انسحاب مرضى، حيث يقرر الطفل أو المراهق التسليم لإرادة أبيه أو أمه المسيطرة ويتخلى عن إراداته واختياره وينسحب من الحياة وينطوي على نفسه ولا يفعل أي شئ.

2-الأسرة المتسيبة: يفقد الطفل في هذه الأسرة الضوابط والحدود، وتكون حدود المسموح والممنوع غير واضحة، ويضعف فيها قانون الثواب والعقاب، ومن هنا تكون شخصية الطفل منفلتة وعاجزة عن الالتزام بأي نظام قيمي أو أخلاقي أو اجتماعي ويبدو الطفل مدللا باحثا عن اللذة دون وضع ضوابط من أي نوع وعندما يكبر هذا الطفل فانه يقع في مشكلات كثيرة في مجال الدراسة والعمل والعلاقات الاجتماعية بسبب عدم قدرته على الالتزام.

3-الأم المستبدة القاسية والأب الضعيف المستسلم: هنا تنقلب الأدوار فتحتل الأم دور الأب ويأوي الأب إلى دور الأم، وبذلك ينعكس نموذج الأب ونموذج الأم في ذهن الطفل ويسبب له حيرة وارتباك حول ما يراه في المنزل وما يراه في المجتمع، ويضطر في هذه الحالة أن يتحيز إلى أحد الطرفين تعاطفا أو خوفا.

4-الأب المستبد القاسي والأم الضعيفة المنسحبة: في هذه الحالة يسود البيت جو من الفزع في حالة وجود الأب ويصمت الجميع بما فيهم الأم، ولكن ما أن يغيب الأب (لعمل أو لسفر) حتى يفعل كل فرد في الأسرة أشياء ضد رغبة الأب، اي أن هناك دائما حركة تمرد خفية تنتظر اللحظة المواتية للانقضاض.

5-أبوان مستبدان قاسيان: هذا الوضع غير شائع كثيرًا وإن وجد فإن الأطفال يكونون بين المطرقة والسندان فإما أن يستسلموا تماما لإرداة الأبوين ويتخلوا عن إرادتهم وعن حريتهم وعن رأيهم، وإما أن يتوحَّدوا مع الأبوين القاسيين ويصبحوا اشد قسوة منهم.

6-أبوان ضعيفان متساهلان: هذا الوضع أيضا غير شائع ولكنه لو وجد فان النتيجة هي أطفال بلا ضوابط وبيت متميع تضيع فيه الثوابت والحدود وينشا الأطفال بإرادة ضعيفة مترهلة ويعجزوا عن التكييف مع الضوابط الاجتماعية السائدة.

7-غياب الأب (فعلاً أو مجازاً) : إن الأب يؤدى دور النموذج الذكرى (الرجل) في الأسرة، وهو رمز القيم والضوابط لبقية أفراد الأسرة، فان غاب الأب عن المنزل بسبب السفر لفترات طويلة أو العمل لساعات طويلة، أو كان موجودًا ولكنه لا يقوم بهذا الدور، فان نموذج (الرجل) الأب يغيب عن الأسرة فيفقد الأبناء قيمة تقليد وتقمص هذا النموذج، ويفقدون أهم مصدر للقيم والضوابط في البيت، ولو لم يكن هناك من يملا هذا الفراغ كالأم أو المدرس أو بعض الشخصيات الأخرى فان الطفل ينشا غير قادر على الالتزام بأى ميزان قيمي أو أي قانون أسرى أو اجتماعي وهذا الوضع ربما يدفع بالطفل إلى مجالات الانحراف السلوكي كالإدمان والسرقة…… الخ .


8-اختلاف وجهة نظر الأم مع الأب (أو العكس) حول طريقة التربية : وربما يقول قائل: أن اختلاف وجهات النظر يعتبر سمة من سمات البشر وهذا صحيح ولكننا نقصد باختلاف وجهات النظر هنا أن يدوم هذا الاختلاف ولا يصل الطرفان أبدا إلى نقاط التقاء أو اتفاق، بل يصل الأمر إلى توقف الحوار بينهما يأسًا من الوصول إلى نتيجة وفى هذه الحالة تتبنى الأم أسلوبا معينا في التربية لا يوافق عليه الأب أو العكس ويميل كل منهما إلى إثبات أن الطرف الآخر مخطيء في طريقته للتربية حتى ولو كان ذلك على حساب الأطفال، وأذكر هنا قصة أم كانت تسهل لابنها الوحيد الاندفاع نحو الإدمان لكي تثبت لنفسها وللآخرين أن أبوه العنيد قد فشل في تربيته.

وهذه المشكلة يمكن حلها بالحوار المستمر دون يأس بين الطرفين وأن يدخل كل منهما الحوار ولديه الاستعداد لقبول الرأى الآخر، وأن يتخلى كلٌ منهما عن عناده وغطرسته وتعاليه، وإذا عجز الطرفان عن إقامة الحوار فيمكنهما اللجوء إلى معالج نفسي يساعدهما على التدريب على وسائل صحية في التواصل والحوار حتى لا يدفع الأبناء الثمن بسبب الفجوة بين الوالدين.

9-انفصال الأب عن الأم (فعلا أو مجازا): قد ينفصل الأبوين بالطلاق ويعيش كل منهما حياته بأسلوب يختلف كلية عن الآخر وهنا يجد الأطفال صعوبة في الانتماء اليهما معًا فيحدث استقطاب ناحية الأب أو الأم، بل وربما يغذى أحد الطرفين أحد الطرفين هذا الاستقطاب فتحاول الأم مثلا زرع كراهية الأب في نفوس أبنائها حتى يظلوا في أحضانها أو العكس وهنا تهتز نموذج أحد الأبوين ويحدث توحد مع الطرف الآخر ويصاحب ذلك اضطراب شديد للتكوين النفسي، وربما يؤدى ذلك إلى تراكم شحنة هائلة من الغضب نحو الأبوين اللذين وضعا الطفل في هذا الصراع، ويمكن أن تتسع دائرة الغضب إلى المجتمع الأوسع الذي لم يستطيع أن يحل هذا الصراع القائم بين الأبوين وهذا الغضب ربما يتحول إلى اضطرابات سلوكية معادية للمجتمع كالعنف والسرقة والاغتصاب والقتلالخ .

10-اضطراب الصحة النفسية لدى أحد الوالدين أو كليهما: في هذه الحالة يتأثر الطفل من طريقين: الطريق الأول هو الصبغيات الوراثية التي تنتقل إليه من أحد الأبوين أو كليهما فتهيئه للمرض النفسي، والطريق الثاني هو نمط الحياة المضطرب في المنزل نتيجة اضطراب سلوك الأبوين أو كليهما مما يجعل الجو الأسرى غير آمن وغير مستقر فيبعث ذلك في الطفل الإحساس الدائم بالخوف وعدم الأمان إضافة إلى ما يتعلمه الطفل من طرق سلوكية غير صحيحة من الأب المريض أو الأم المريضة.

مواكبة مراحل النمو :

تقول أحد الأمهات: أنني أشعر بالغربة بين أبنائي بعد أن كبروا فقد كانوا هم كل حبي وحياتي حين كانوا أطفالاً صغاراً، ولكنني الآن أشعر أننى لا أستطيع أن افهمهم فضلاً عن أن أتعامل معهم، بل أشعر دائما منهم بالتمرد عليَّ وكأنني لست أمهم التي تعبت من أجلهم، وكلما ذكرتهم بوجوب طاعة الوالدين في القران والسنة أخذوا الأمر بشكل عابر وعادوا مرة أخرى إلى عنادهم وعصيانهم.

هذا الوضع المتأزم يعكس قضية مواكبة مراحل النمو، فالأم كانت متكيفة مع أطفالها وهم صغار لذلك كانت تشعر بهم وتحبهم فلما كبروا توقفت هي عن ملاحقة متغيرات عمرهم فأصبحت لا تفهم متطلبات المراهقة والشباب بل تريدهم نفس الأطفال الذين عرفتهم من سنين وهم يصرون على النمو والتكيف مع الزمن الجديد الذي تجهله الأم وهنا تحدث الأزمة ويحدث التمرد والعصيان وهذا بالطبع ليس تبريرا لعصيان الأبناء وتمردهم بقدر ما هو تفسير يمكن أن يساعد على تجاوز هذه الأزمة.

والحل يكمن في أن يتحلى الأبوين بالمرونة، وأن يتفهما مراحل النمو ومتطلبات كل مرحلة، وأن يعيشا مع أبنائهما كل هذه المراحل وكأنهما يعيدان حياتهما هما من خلال مواكبة الأبناء، وهذا يعطى فائدة مزودة للطرفين: فالآباء يجددان شبابهما بمواكبة الأبناء بل وطفولتهم وصباهم والأبناء يشعرون بتفهم آبائهم لهم ولاحتياجاتهم ومتغيرات عصرهم وهنا يحدث توافق وتكيف موازٍ لنبضات النمو التي هي طبيعة الإنسان.

والبديل المرضي لذلك هو أن يتقوقع الأبوان ويتمسكان بأنماط حياتهما القديمة ويحاولان فرضهما على الأبناء (رغم تغير الظروف والملابسات) ويؤدى هذا إلى تمرد الأبناء وعصيانهم .

والتحكم من أحد الوالدين أو كليهما يؤدى إلى التمرد (الظاهر أو الخفي) إن آجلا أو عاجلاً لأن الإنسان (أي إنسان) لا يقبل أن تلغى إراداته حتى ولو على لحساب أبويه.

ولنتأمل حكمة الأنبياء في التعامل مع أبنائهم حتى في القضايا العقيدية المصيرية، فهذا نوح وهو نبي الله ينادى ابنه في حنان ومودة. قال الله تعالى (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ) (هود:42)

فيرد الابن معلنا استقلال إراداته حتى لو أدت إلى هلاكه. (قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء) (هود : 43 )

فيرد الأب موجهًا وناصحًا (لا متحكما أو قاهراً).وقال الله تعالى (قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) (هود : 43 )

وتكون النهاية أن حال بينهما الموج ونجا الأب بإيمانه وهلك الابن بعصيانه ولكنها إرادة الله أن يمنح كل إنسان الخيار لنفسه ليكون مسئولا عنه بعد ذلك.

وهذه الحقيقة لا يريد كثير من الآباء أو الأمهات الاعتراف بها فتكون النتيجة محاولة منهم لقهر أبنائهم وإجبارهم على فعل ما يعتقدون أنه صحيح، وتكون النتيجة المقابلة رد فعل عكسي ضد ما كل ما يريده الآباء والأمهات، وفي النهاية يعانى الطرفان دون فائدة .

والمثال الآخر نأخذه من قصة إبراهيم عليه السلام مع ولده إسماعيل، فحين جاء الأمر لإبراهيم عليه السلام بذبح ولده إسماعيل لم يذهب وينفذ الأمر مباشرة بقتل ولده، مع أن الأمر من الله وهو واجب التنفيذ، ولكنه توجه إلى ولده إسماعيل عليه السلام في حنان ومودة قائلاً: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ)(الصافات:102)
وتفهم من خطاب إبراهيم عليه السلام أنه يعطى لابنه الخيار في القبول أو الرفض، ولكي يعطيه مساحة أوسع في الخيار، ذكر له انه يرى في المنام ولم يقل له مباشرة أن هذا أمر من الله، لأنه لو فعل يكون قد أغلق أمامه باب الخيار ووضعه في حرج أمام أمر الله المباشر ولكن إسماعيل ـ الابن البار الذكي ـ قد فطن إلى أن رؤيا أبيه النبي حق وهذا أمر من الله فيسلم وجهه وروحه لله سبحانه ويرد في أدب: (فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)(الصافات:102) وعند التنفيذ يأتي الفداء لأن الاثنين قد نجحا في الاختبار وسلما إرادتيهما لله سبحانه وهذا هو المطلوب.

هذا هو الأدب التربوي بين الآباء والأبناء في نموذجين مختلفين، احدهما عصى أباه والآخر أطاعه ولكن في الحالتين نتعلم كيف يكون الحوار التربوي محترما لإرادة الطرفين سواء في المعصية أو الطاعة، وفى النهاية يجزى الله العاصي والطائع كل بما قدم، فالأب ـ حتى ولو كان نبيا ـ لا يملك تغيير إرادة الابن رغما عنه، ولكنه يملك النصح والتوجيه.

والرسول محمد صلى الله عليه وسلم حين بدا حرصه على أن يسلم الناس جميعا خاطبه الله تعالى قائلاً:(وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ)(يونس:99) (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً)(الكهف:6) (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)(البقرة:256)

ومع كل هذه التوجيهات التربوية فإن كثيرًا من الآباء والأمهات لا يريدون الاعتراف بذلك ويظنون أن لديهم القدرة على قهر أبنائهم لفعل ما يرونه حسناً ويكون الدافع لذلك خوفهم وحرصهم عليهم