الأمومة والأسرة مصدر لسعادة واستقرار البشر

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : د. مثنى أمين الكردستاني | المصدر : www.qudwa1.com

الأمومة وظيفة مقدسة خاصة بالمرأة تعتمد سلامة الأجيال الجسدية والنفسية والأخلاقية على حسن أدائها من قبل المرأة، وكذلك الأبوة بالنسبة للرجل، فهما قيمتان أزليتان لا يمكن أن يأتي يوم ويكون تهرب الوالدين عن واجباتهما حسنًا أو حتى مقبولاً، والإنجاب قيمة مقدسة وهو مصدر لسعادة المرأة قبل الرجل وأكثر منه، ولا يمكن أن يأتي يوم تخصص فيه مجموعة من النساء لهذه الوظيفة ( ) ، والقرآن سمي الإنجاب بشرى } فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ [ ( ) } وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى ... [ ( ) وليس هناك رجل أو امرأة – وهو صحيح الفكر والنفس – ولا تحب الإنجاب والنسل مطلقًا.

الأمومة والأبوة ضروريتان لتنشئة الأطفال بشكل سليم ومعافئ، ولا بد من تكامل أدوارهما داخل الأسرة، والأسرة الإسلامية على خلاف الأنثوية لا يمكن تصورها بدون وجود أحد الركنين إلا إذا كان غيابه لضرورة كوفاة أو اسر أو غير ذلك.

والأبوة في الإسلام ليست الأبوية الغربية (Patriarchy) لأن صلاحياتها ليست مطلقة، وسلطتها لابد أن تكون بعيدًا عن الاستبداد بالرأي، وتكون إدارة الأسرة شورويًا حتى في أبسط الأمور مثل فطام الولد قبل بلوغه عامين } ... فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ... [ ( ) ، ولا يملك الأب أن يقرر مستقبل أولاده على حسب هواه فإنه لا يملك مثلاً تزويج البنات ولا الأولاد بالإكراه ورد في الحديث: "زوج جذام بنته خنساء وهي كارهة فأتت خنساء رسول الله – صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها (أي فسخها)" ( ) وكما أن للأبوين حقوقًا لازمة، فعليهما واجبات أكثر من تلك الحقوق، وهذه الواجبات هي حقوق للأطفال وتبدأ قبل الزواج وتشكيل الأسرة، حيث إن الرجل ملزم شرعًا أن يتخير لنطفته ويختار الزوجة الصالحة التي تستطيع أن تقوم بواجب الأمومة بشكله الصحيح، وأن تكون من أسرة طيبة صالحة حتى لا يفسد الأخوال أخلاق الأولاد ... وكذلك الأمر بالنسبة للمرأة فعليها أن تحسن اختيار شريك حياتها وأب أولادها .. وتستمر هذه الواجبات بشكل أو بآخر طالما للأولاد حاجة إليهما وهما قادران على تلبية تلك الحاجة من عون أدبي ومادي ونصح ورعاية ... إلخ.

أما الأمومة فإنها أعظم وظيفة إنسانية وتربوية على الإطلاق، وقد أشاد القرآن بمجاهدات المرأة ومعاناتها في الحمل والإنجاب } وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [ ( ) ، } وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ [ ( ) ومن الخطأ الجسيم أن لا تقدر الدولة والمجتمع والزوج والأولاد هذه الوظيفة العظيمة حق قدرها، ثبت علميًا أنه لا غنى للأطفال عن حليب أمهم ولا عن حضانتها ودفء صدرها وحنان ثديها، وأنه لا يمكن للحاضنة أن تقوم بهذا الواجب إلا في حالات الضرورة والاستثناء أو لساعات معدودة في اليوم للأمهات اللاتي يؤدين واجبًا آخر لا غنى عنه لأنفسهن أو للمجتمع والأمة كالتعليم والتعلم والمشاركة في واجب دعوي أو وطني ... إلخ. وقد ثبت أن الطفل الذي ينشأ بعيدًا عن الإشباع من حنان والديه (الأم خصوصًا) فإنه ينشأ وفي تكوينه النفسي أكثر من خلل واعوجاج.

في ضوء هذه الحقائق فلا بد أن يعتبر عمل المرأة في البيت سواء في حضانة الأطفال أو رعايتهم وتربيتهم، عملًا مأجورًا أو مقدرًا بمثابة المأجور، وأن تسعى الدولة لتحسين حالة تلك الأمهات وتعطيهن منحًا وحوافز وامتيازات باعتبارهن مجاهدات في وظيفة حضارية ذات رسالة ومردود عظيم للأمة ما تعطي الحكومات الامتيازات والمنح للطلاب والباحثين والفنيين، وغيرهم من الذين يتفرغون لأمر ذو مردود مستقبلي.

أما الأسرة وهي تلك المتكونة من الزوجين وأطفالهما وهي المؤسسة التي تحمي الأجيال من الضياع والتشرد والأمراض النفسية والسلوكية ...فهي قيمة أساسية ثابتة لا يمكن المساومة عليها مهما كانت المبررات، فلا يمكن تغييرها وفكها ولا استبدال أنماط أخرى بها، وأي ثغرة تفتح في هذا البنيان تؤدي إلى انهياره بالكلية وإصابته بالشلل والاعوجاج.

الأسرة هي الوحدة الحضارية الاجتماعية الأولى في تاريخ البشرية ونواة تكونها، ويوم تنتهي الأسرة تكون الحضارة والبشرية نفسها قد سقطت وانتهت، وتفككها أكبر مؤشر لنهاية تاريخ حضارة عبدت المال والجنس والغرائز، وقدست هيمنتها، وطغت، وتجبرت، وتألهت.

الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم الإنسان فيها معاني الحياة، وتنفتح مداركه على الواقع، والأسرة تدرب، وتوجه، وتعد الفرد، وتقدم تضحيات لا حصر لها من أجل أن نكون قادرين على أن نقوم باختياراتنا بشكل صحيح فنحن لم نخترع أنفسنا فجأة.

في النظام الأسري تتوفر رفاهية كل شخص ليس عن طريق الأسرة المباشرة فحسب وأقارب الدرجة الأولى، بل أيضًا من خلال شبكة ممتدة من الصلات (الأجداد، الأعمام والعمات، الأخوال والخالات، وأبنائهما، وأقارب المصاهرة...) وظاهرة التكافل والتعاون أمر واضح وبديهي في مجتمعاتنا والأسرة الممتدة في هذه الناحية مؤسسة تعتني بالفقراء، وعاثري الحظ، والأرامل، والأيتام، والمحتاجين، وتسند الإنسان وقت الشدة فتمنع عنه الذل والسقوط، والأسرة توفر أوضاعًا لا حصر لها لتبادل الرعاية والعناية والخدمات التي لا يستطيع الأفراد توفيرها بأنفسهم.

من الناحية الاقتصادية فالوضع الأسري حافز على مضاعفة الجهد والإنتاج والمثابرة أكثر فأكثر لتغطية النفقات، وتأمين المستقبل، كما هو حافز قوي على التوفير والتقليل من الاستهلاك والبذخ، وحافز للدخول في علاقات وقرارات اقتصادية طويلة الأمد. وأخيرًا فالأسرة يصح ويقلل من شدة وطأة المغالاة الفردية والأنانية للاقتصاد الحر الرأسمالي ( ) ، وغالب اقتصادياتنا تحولت إلى هذا المذهب وأخذت بخناق الناس.

أما في الجانب السياسي: فإن الأسرة قبل كل شيء تضع على الدولة قيودًا مؤثرة من خلال حقها في الاستقلال الاقتصادي النسبي، وحقها في التملك، فالدولة التي تسيطر على كل وسائل الإنتاج، وكل ظروف التوظيف، فإنها بالتالي تسيطر على كل جوانب حياة المواطنين، وتصبح المعارضة السياسية في ظل تلك الظروف مستحيلاً، وتشكل الأسرة دومًا مصدرًا هامًا للحماية من تغول السلطان، والتنشئة السياسية السليمة والتثقيف والتوعية الصحيحة، لأن الأسرة تملك حقًا بديهيًا في التوجيه وصياغة الوعي، وخلق الاتجاهات والولاءات ولمدة طويلة جدًا، وهكذا فإن بين الدولة المقتدرة، والفرد المجرد يولد أول خط من خطوط المقاومة ضد الطغيان وهو: "الأسرة المستقلة اقتصاديًا وسياسيًا التي تحمي المجال الذي يمكن أن يتلقى فيه الأفراد الأحرار المستقلون التربية الضرورية لهم" ( ) .

الأسرة ضرورة تربوية لأنها تقوى في الإنسان مشاعر الذاتية، والأصالة، والانتماء، وتوفر للإنسان الإحساس بالسمو الذاتي، وتقلل وتضعف حاجتها للانتماء السياسي والركون للدولة، وقبول إملاءاتها، كما تقوى الأسرة في الإنسان روح الجماعية، والحرص على مصالح المجموع، ونكران الذات في سبيل الآخرين، والتضحية في سبيلهم وفي سبيل المطالبة بحقوقهم من الدولة وغير الدولة.

الأسرة قبل كل ذلك ضرورة نفسية حيث يتلقى الفرد – ومنذ الرضاعة – فيها الحنان والاطمئنان، والرقة، والسكون والمودة والرحمة } وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [ ( ) فهذا السكون والمودة والرحمة أعظم الأهداف في تكوين الأسرة سوءا بالنسبة للزوجين أم الأولاد أم الأقارب. وتتولد من هذه الرحمة والمودة والاستقرار النفسي كل الفضائل الأخرى.

وأخيرًا فالأسرة ضرورة أخلاقية وتربوية، فالأسرة تربي الأولاد على حب الخير والتمييز بين الحسن والقبيح، وتحثهم على التحلي بالفضائل، ونيل المكارم، وتحول دون انحرافهم، والأسرة تربي الذوق وتعلم الآداب والأصول، وتشكل أداة رقابية مهمة للمراهقين وحتى للكبار، تحول دون ارتكاب الكثير من المنكرات، كما أن تصويباتها المتكررة تدرب الأولاد على الصواب وتجعلهم قادرين على التقييم ونقد الفكر والسلوك، وتمييز السليم منه والسقيم.

ولعظم دور الأسرة فإن أحب الأعمال التي ترضي إبليس هي الوقيعة بين الزوجين حيث روى الإمام مسلم عن جابر بن عبد الله عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: "إن الشيطان ليضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة، يجىء أحدهم فيقول: ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا، فيقول إبليس: لا والله ما صنعت شيئًا، ويجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله، قال: فيقربه ويدنيه، ويلتزمه ويقول: نعم أنت" ( ) . وهكذا يبين لنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن هدم الأسرة عمل إبليسي شيطاني، وأن كل الشرور الأخرى تأتي بعد تفكك الأسرة، وأن أي أمة انهارت أسرتها، انهار وجودها وعشعش الشيطان فيها وفرخ.

وتتصل بقيمة الأسرة قيم وواجبات أخرى لتوقيتها والشد من أزرها، منها قيمة التواصل مع ذوي الأرحام والتي يمكن تسميتها بالأسرة الممتدة، فالأسرة الممتدة والتي تنبذ من الأنثوية ويحلو لهم دائمًا ربطها بالسلطة الأبوية ويركزون جهدهم لإلغائها، هي قيمة أساسية في الإسلام لا تكتمل سعادة البشرية وحفظ كيانها إلا بها، فالإسلام على خلاف المذاهب الفكرية والفلسفات الحديثة (اشتراكية – رأسمالية – أنثوية) لا يسعى لإلغاء الوحدات الاجتماعية التي تندرج بعضها تحت بعض (الأسرة النووية – الأسرة الممتدة – القبيلة – العشيرة – القومية الوطنية – الأممية – الإنسانية) ولكنه يحاول ربطها مع بعض وإيجاد التكامل والتوازن بينها، وجعلها تحقق أهدافًا تضمن سعادة البشرية ورخائها ونمائها.

فيما يتعلق بالأسرة الممتدة وهي –بتفسيرنا ومرادنا- تعني: الأقارب باختلاف درجاتها وقربها وبعدها، فإن الله قد حذرنا من التفريط في الأرحام حيث قال في بداية سورة النساء (ويلاحظ كون هذه المسألة مقدمة الكلام عن قضايا النساء وبداية للسورة): } يا أيها النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [ ( ) أي اتقوا الله واتقوا الأرحام (في قراءة النصب) وجعل (قطع الرحم) من صفة الفاسقين } ... وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [ ( ) وفي سورة (محمد): } فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [ ( ) يلاحظ أن الله سبحانه قد رتب اللعن والصمم والعمى على قطع الأرحام، والآية تقول فهل عسيتم (أي يتوقع منكم) إن توليتم عن (الإيمان وهدى الإسلام) أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم (أي تعودوا إلى الجاهلية من ترك الود والوصل والإحسان مع بعض، والقتال والدماء والبغي وهجر البعض) وفي سورة الرعد يقول المولى عز وجل ك } الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [ ( )

ويلاحظ من هذه الآيات جميعًا: الربط بين أمور ثلاثة باستمرار: 1/عدم الإيمان المعبر عنه بـ (نقض عهد الله) أو (التولي عن الهداية). 2/قطع الرحم (يقطعون ما أمر الله به أن يوصل) 3 /الإفساد في الأرض وحصول البغي وزيادة معدلات القتل والهجر والجريمة والفوضى ... وهذا يدل على أن الأول يفضي إلى الثاني، والثاني يؤدي إلى الثالث بشكل حتمي وكسنة اجتماعية ثابتة، فإنكار الدين ورفضه يؤدي إلى التفكك الأسري، وهو بدوره يؤدي إلى زيادة الجريمة والفوضى والعنف والفساد في الأرض، والعكس أيضًا صحيح فقد ربط القرآن بين (الإيمان) و (صلة الأرحام) و (سعادة البشرية) في الدارين حيث يقول في سورة الرعد: } الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ [ ( ) وهكذا الأسرة الممتدة الصالحة (الآباء والأزواج والذريات) تجتمع في الجنة كما اجتمعت في الدنيا في وئام وحب وتعاون.

إن أهمية الأسرة والأسرة الكبيرة في الإسلام أدى إلى أن لا يمنع اختلاف الدين من الحب والتواصل والتزاور والبر والإحسان، فربما تكون الأم مشركة أو الأب أو الاثنان معًا أو الخال أو العم ... } لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [ ( ) } وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [ ( ) وفي الحديث الشريف: "قالت أسماء بنت أبي بكر: قدمت على أمي وهي مشركة فاستفتين رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قلت: قدمت علي أمي وهي راغبة (أي ترغب زيارتي) أفأصل أمي؟ قال: نعم صلي أمك" ( ) والحب والولاء والمناصرة المنهي عنها هي عندما يكون القريب أو ذو الرحم مشركًا محاربًا يقاتلنا ويخرجنا من ديارنا ويحاد الله ورسوله. كما ورد في الآية الكريمة الخاصة بأحكام هؤلاء المحاربين الأعداء حيث يقول المولى عز وجل } لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ... [ ( )

من هنا نقول فإنه وعلى عكس ادعاءات الأنثوية بضرورة تلازم التحديث وحقوق المرأة مع زوال الأسرة الممتدة، وأنه لا سبيل إلى تغير وضع المرأة للأحسن إلا بتغيير بنية الأسرة، نقول إن هذا التغيير يجلب للمرأة مشاكل كثيرةً جدًا، منها بقاء المرأة تحت رحمة الحاكم المطلق (الزوج) بعيدًا عن حماية ورقابة الأسرة الممتدة والتي تمنع غالبًا تعرض المرأة للعنف المنزلي الشائع في المجتمعات الحديثة أو تقلل منه، لأن الأسرة الممتدة تشكل جهازًا رقابيًا بل قوة مهمة لحماية المرأة والدفاع عن حقوقها، وتلجأ إليها كل ما ألم بها الأمر ولم تتفق مع زوجها، أو أساء الزوج معاملتها، هذا وأن الأسرة الممتدة سبب أساسي لتخفيف أعباء الأسرة بما توفرها من خدمات ورعاية للأطفال، وإيناس المرأة وأطفالها، وتوفير أجواء المحبة لهم عندما تفتقدها المرأة في بيتها لفترة من الوقت طالت أم قصرت، كما أن خدمات الرعاية التي توفرها هذه الأسرة للأولاد تمكن المرأة من حرية الخروج للمشاركة في العمل العام ومختلف الأنشطة الثقافية والاجتماعية ... إلخ دون خوف على أولادها وبيتها.

ولكن هنا ملاحظة مهمة لابد من ذكرها حتى لا يفهم الموضوع على غير الوجه الصحيح، وهي أن الأسرة الممتدة في الإسلام دموية وقرابية وليست بالضرورة مكانية، بمعنى أنه لا تغول للأسرة الكبيرة على الصغيرة، بل من الأولى أن تستقل الأسرة الصغيرة بمكان وبيت خاص فهي أولاً وأخيرًا عبارة عن مجموعة حقوق وواجبات متبادلة بين أطراف الأسرة تهدف إلى تقوية الروابط وإسعاد الجميع، وإلا فإن الإسلام أوجب على الرجل أن يوفر سكنًا وبيتًا خاصًا للمرأة إلا إذا تعذر ذلك فبالتراضي، لأن عدم استقلال الأسرة الحديثة نوعًا ما عن الأسرة القديمة يؤدي إلى خلق مشاكل ومشاحنات وقطع للرحم، فلا داعي شرعًا إلى أن يعيش كل الأبناء المزوجون مع زوجاتهم في بيت واحد مع والديهم كما هو الحاصل في بعض المناطق، بل هذا أمر سيئ لما يترتب عليه من المفاسد غالبًا، لأن النساء لا يشعرن بالحرية والخصوصية المطلوبة للسعادة الزوجية.

 

) أخرجه البخاري في كتاب النكاح باب (إذا زوج ابنته وهي كارهة فنكاحه مردود) ج5/برقم 4845.

) لقمان، الآية 14.

) الأحقاف، الآية 15.

) ميخائيل نوفاك (روح الرأسمالية الديموقراطية) مرجع سابق، ص 15 (1) 154.

) المرجع نفسه، ص 156.

) الروم، الآية 21.

رواه الإمام مسلم ج4 برقم 2813 وأورده القرطبي في تفسير الآية (ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض) ج10 ص : 422، وورد في مسند الإمام أحمد ومسند عبد بن حميد.

) النساء، الآية 1.

) البقرة، الآية 26-27.

) محمد، الآية 22-23.

) الرعد، الآية 25.

) الرعد، الآية 20-23.

) الممتحنة، الآية 8.

) العنكبوت، الآية 8.

) متفق عليه أخرجه البخاري في باب (صلة الوالد المشرك) ج5/برقم 5633، ومسلم في صحيحه ج2/برقم 1003.

) الممتحنة، الآية.

 

---------------------------------

) المقصود بهذا القول هو ما شاع في الغرب من استئجار الأرحام للولادة واتخاذها مهنة.

) الصافات، الآية 101.

) هود، الآية 74.

البقرة، الآية 233.

) أخرجه البخاري في كتاب النكاح باب (إذا زوج ابنته وهي كارهة فنكاحه مردود) ج5/برقم 4845.

) لقمان، الآية 14.

) الأحقاف، الآية 15.

) ميخائيل نوفاك (روح الرأسمالية الديموقراطية) مرجع سابق، ص 15 (1) 154.

) المرجع نفسه، ص 156.

) الروم، الآية 21.

رواه الإمام مسلم ج4 برقم 2813 وأورده القرطبي في تفسير الآية (ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض) ج10 ص : 422، وورد في مسند الإمام أحمد ومسند عبد بن حميد.

 

) النساء، الآية 1.

) البقرة، الآية 26-27.

) محمد، الآية 22-23.

) الرعد، الآية 25.

) الرعد، الآية 20-23.

) الممتحنة، الآية 8.

) العنكبوت، الآية 8.

) متفق عليه أخرجه البخاري في باب (صلة الوالد المشرك) ج5/برقم 5633، ومسلم في صحيحه ج2/برقم 1003.

 

) الممتحنة، الآية.