الطريق النوري في التربية والسلوك-لأسس و المميزات

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : أ.د. عمار جيدل | المصدر : www.qudwa1.com

ملخّص الورقة:

التربية الإيمانية وسيلة العروج إلى الإنسانية الحقّة المستفادة من رباط العبودية لله تعالى، فتحرر الإنسان من الحيوانية، ذلك أنّه بعث لتكميل النفس البشرية بما ييسّر لها الارتقاء إلى الصورة الإنسانية بخلاف الحيوان الذي بعث باستعدادات كاملة مجهّز بها من عالم آخر.

وما دامت التربية الإيمانية وسيلة للرقي إلى مصاف اكتشاف الفقر والعجز بما يوجد دافعية الفعل المعبّر عن العبادة، ويتعهّدها بالصيانة، بما يحقق في النفس من جذوة شوق تبقى متّقدة ما بقي الشعور بالعجز والفقر حيين في النفس البشرية، وذلك معدن العبودية، وهو مثمر للشفقة ومنتج لآثارها الاجتماعية، وطريق اكتشاف ذلك الأصل، التفكّر الإيماني المحدد الأصول المضبوط الساحة، وبذلك التحديد يتحرر الفكر من عبثية المساعي ويفكّ أسر النفوس من الأنانية والاستكبار، وما شابهه من الأمراض النفسية والمعرفية والاجتماعية...

تلك هي الخطوط العريضة للطريق النوري في التربية والسلوك، ويطرح بهذا الصدد سؤال، يدور على جوابه، تحقيق القول في حقيقة الطريق النوري وأسسه ومميزاته، ثم اكتشاف منـزلته بين سائر الطرق التربوية وفق الدلالات المتداولة عند الصوفية([1])

مدخل:

يتألّف عنوان البحث من ألفاظ رئيسة، يقوم على تصورها، تصوّر الموضوع نفسه، لهذا سنضطر إلى بيان تلك العناصر منفردة، لنخلص إلى بيانها في سياقها الكلي المعبّر عن فكر النورسي في التربية والسلوك، ولعل أهم القضايا التي تفرض بيانها، التربية والسلوك، بعد عرض المراد بالطريق النوري.

 

أولا : الطريق النوري (المصطلح في أدبيات النورسي)

نقصد بالطريق النوري، المسلك الذي رسمه بديع الزمان في التربية، وفق ما جاء في مؤلفاته، ويستشف من تلك المؤلفات أنّه يتلمّس عناصر طريقه من الكتاب الكريم والسنّة المطهّرة، لهذا كان متميّزا، بتعبيره عن الإيمان، يشهد لهذا قوله: الإيمان فقد جعل باب القبر ذاك باباً إلى عالم النور، وتلك الطريق طريقاً إلى السعادة الخالدة، فأصبح الإيمان، بحقٍ مرهماً شافياً لدائي.([2])، و قد عبّر عنه في نصوص أخرى بالإسلام، يشهد لهذا قوله:" نعم، إن لي ولله الحمد طريقاً سوياً رفيعاً هو الإسلام"([3])، وتمييزا له عن سائر الطرق حدد لها مجموعة من الأسس تعبّر بمجموعها عن المحددات العامة للطريق النوري.

أسس الطريق النوري:

وما دام الطريق النوري لا يزيد عن كونه معبّرا عن الإيمان والإسلام وفق الدلالات الاجتماعية المثمرة لتصرفات منضبطة بالشرع، فقد جعل الوحي أساسه و كان حريا بالسعي نحو تمثّل مسالك معبّرة عن تلك الحقيقة.

1 - طريق القرآن الكريم:

تأسس هذا الطريق بما ورد في القرآن الكريم، إذ كان الكتاب العزيز مرشده وأستاذه، قال بديع الزمان مبيّنا تلك الفكرة " ولله الحمد كان القرآن هو مرشدي وأستاذي في هذا الطريق"([4])، و يؤكّد ذلك المعنى في مقام آخر، فيقول: "هذا الطريق على نهج القرآن"([5]).

و المعاني نفسها مبثوثة في كل مؤلفاته، إذ لا تكاد تخلو صفحة من الدلالة عليها عبارة وإشارة، ولعلّ أوضح شاهد على ذلك اقتباسه من الإمام الرباني([6]) فكرة توحيد القبلة، والتي مفادها، أنّ أستاذه الحقيقي إنّما هو القرآن فقط.([7])

2 - اتباع السنة:

يؤصل بديع الزمان لطريقه بما ورد في السنّة المطهّرة، مقتبسا الحجج من أقوال كثير من أيمة السلوك، منها قوله على لسان الإمام الرباني: كنت أرى في سيري عبر السلوك الروحاني أن الكلمات المروية عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم منورة متألقة بشعاع السنة المطهرة، في حين كنت أرى الأوراد العظيمة والحالات الباهرة غير المروية عنه ليس عليها ذلك النور والتألق. فما كان يبلغ اسطع ما في هذا القسم - الأخير – إلى أقل القليل لما في السنة... ففهمت من هذا: أن شعاع السنة المطهرة هو الإكسير النافذ، فالسنة المطهرة كافية ووافية لمن يبتغي النور، فلا داعي للبحث عن نور في خارجها...([8])

ويقرر الحقيقة نفسها في مقام آخر قائلا:" فلابد أن سنة هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وحركاته هي افضل نموذج للاقتداء وأكمل مرشد للاتباع و السلوك وأحكم دستور، وأعظم قانون، يتخذه المسلم أساسا في تنظيم حياته."([9])

من مقتضيات اتباع السنّة الابتعاد عن البدعة، وقد بيّن صاحب هذا المسلك التربوي، سلامة هذا الطريق من الوقوع تحت طائلة البدع والخزعبلات، إذ أنّه" طريق أسلم من غيره، لأنه ليس للنفس فيه شطحات أو ادعاءات فوق طاقتها، إذ المرء لا يجد في نفسه غير العجز والفقر والتقصير كي يتجاوز حده.([10])

لهذا حذّر رحمه الله من البدع، التي هي إحداث أمور في الأحكام العبادية، إذ أنّها مردودة لمنافاتها الآية الكريمة: (اليومَ أكملتُ لكُم دينَكُم...)، ولكنّه في ذات الوقت يضبط مسألة التعامل مع المحدثات في مجال السلوك التربوي، فيقول مستدركا على ما سلف، غير أن تلك الأمور المستحدثة إن كانت من قبيل الأوراد والأذكار والمشارب - كالتي في الطرق الصوفية - فهي ليست ببدعة ما دامت أصولها مستقاة من الكتاب والسنة، إذ أن تلك الأصول والأسس المقررة رغم أنها بأشكال مختلفة وأنماط متباينة إلا أنها مشروطة بعدم مخالفتها للسنة النبوية وبعدم تغييرها لها. وعلى الرغم من ذلك فقد أدخل قسم من أهل العلم بعضاً من هذه الأمور ضمن البدع، إلا أنهم أطلقوا عليها البدعة الحسنة.([11])

وقد أكسبت نشأة طريقه في ظلال القرآن الكريم والسنّة المطهّرة، مجموعة من الميزات، حلّته بسمات بهية مستفادة من قبس الكتاب الكريم، فهي منه اقتبست.

 

مميزات الطريق النوري:

1 – انتظام الموجودات:

ينظر هذا الطريق المؤسس على الأصول الإسلامية الصحيحة إلى الكائنات نظرة تسخير لفاطرها الجليل وخادمة في سبيله، وأنها مظاهر لتجليات الأسماء الحسنى كأنها مرايا تعكس تلك التجليات. أي أنه يستخدمها بالمعنى الحرفي ويعزلها عن المعنى الاسمي من أن تكون خادمة ومسخرة بنفسها.وعندها ينجو المرء من الغفلة، ويبلغ الحضور الدائمي على نهج القرآن الكريم.فيجد إلى الحق سبحانه طريقاً من كل شئ.([12]) وهذا هو طريق الفطرة.

2 - طريق الفطرة:

الطريق التربوي الذي وضع خطوطه النورسي طريق فطري، يتميّز بأنه يؤتي أكله وثماره اليانعة النافعة عند كل حركة تتوخى تحقيق مقاصده، يؤكد ذلك أنّ طريقه الفطري المستفاد من القرآن الكريم أنى حفرت يخرج الماء، يقول بديع الزمان: " اعلم! أن الفرق بين طريقي في "قطرة" المستفادة من القرآن؛ وطريق أهل النظر والفلاسفة، هوأني احفر أينما كنتُ، فيخرج الماءُ، وهم تشبثوا بوضعِ ميازيب وأنابيب لمجيء الماء من طرفِ العالَم ويُسلسِلونَ سلاسل وسلالمَ إلى ما فوق العَرش لجلب ماء الحياة، فيلزم عليهم بسبب قبول السبب وضع ملايين من حفظة البراهين في تلك الطريق الطويلة لحفظها من تخريب شياطين الأوهام.([13])

و قد حلّت ميزة الفطرية الطريق بمجموعة من الميزات الملازمة للفطرية.

3 - اليسر والواقعية:

أ - الطريق النوري يرفض النخبوية في أصل وضعه النظري، ويراعي تلك الميزة في وضع تفاصيل التطبيق والنظر، وهي ميزة أكسبته القدرة على تحقيق تطلّعات عموم البشر واستعداداتهم، فهو طريق ممهّد للترقي كما صرّح بذلك النورسي([14])، إنّه" طريق عام وجادة كبرى"([15])

كما أنّه إضافة إلى ما سلف، مختلف" عما سلكه أهل السلوك في طرق الخفاء - ذات الخطوات العشر كاللطائف العشر - وفي طرق الجهر - ذات الخطوات السبع حسب النفوس السبعة. ([16])

ب – طريق قصير بسيط لا تعقيد فيه، قال بديع الزمان" أما الطريق الثالث: المشار إليه بـ (الذين أنعمت عليهم) فهو الصراط المستقيم والجادة النورانية لأهل القرآن، وهو أقصر الطرق وأسلمه و أيسره، ومفتوح أمام الناس كافة ليسلكوه، وهو مسلك سماوي رحماني نوراني.([17])

 

4 - طريق السعادة الدنيوية والأخروية:

التعلّق بالوحي الشريف جالب للسعادتين الدنيوية والأخروية، إذ باستطاعتنا بلوغ ذلك العالم المضيء بتلك الطريق . طريق الشريعة، من دون أن نرى صعوبة وكللاً([18])، وهو الطريق ذو السعادة الذي يبينه لك القرآن الحكيم.([19])، ذلك المسلك الذي يشعرنا بالراحة، لأنّه منبع اللذات وحياة الحياة، بل يقلب الآلام إلى لذائذ، ويبعث الاطمئنان إلى الروح - حسب قوة الإيمان - والجسد متلذذ بلذة الروح، والروح تتنعم بنعم الوجدان.([20])

5 - طريق جامع بين القلب والعقل:

من مقتضيات تلك الميزة الجمع بين مطالب القلب والعقل في سياق واحد، وقد وفّق هذا المشرب إلى فتح التواصل بين العقل والقلب والروح والقلب، وسعى إلى تحقيق ذلك بطرق خفية إلى معرفة المعرفة الإلهية ودورها في تطهير الأنفس من داخل الإنسان([21])

6 – طريق بمضامين اجتماعية :

كثيرا ما كان إهمال المسألة الاجتماعية في العمل الدعوي سببا جوهريا في فشل تجسيدها فضلا عن الانتشار والبقاء، كما أنّ الإغراق في المسألة الاجتماعية كثيرا ما كان سببا في إهمال مركزية العامل الإيماني الشخصي، فكان موقف بديع الزمان وسطا بين تطرّفين، إذ جعل من المسألة الإيمانية محور التحريك في المسألة الاجتماعية، ذلك أنّه يسعى إلى إيجاد الفاعلية الإيمانية في المجتمع أكثر من سعيه إلى تجسيد التميّز المجتمعي في أصل التوجّه نحو الطريق النوري، ذلك الطريق الذي من ركائزه، السعي إلى إنقاذ الآخرين، بالدرجة نفسها التي نسعى إلى إنقاذ أنفسنا، بل يعد العمل على إنقاذ الآخرين سعيا مستمرا لإنقاذ أنفسنا، يوضّح هذه الحقيقة امتداحه لتصرف أحد المتقين من أهل القلوب بعد أن غيّر مسلكه السابق بمسلك يجعل من خدمة الآخرين والسعي إلى إنقاذهم هدفا رئيسا.

قال رحمه الله، مقتبسا من سعدي الشيرازي في كتابه"كلستان": " لقد رأيت أحد المتقين من أهل القلب في زاوية "التكية" يزاول السير والسلوك، ولكن بعد مضى بضعة أيام شاهدته في المدرسة بين طلاب العلوم الشرعية، فسألته: لِمَ تركت الزاوية التي تفيض الأنوار وأتيت إلى هذه المدرسة؟ قال: هؤلاء النجباء ذوو الهمم العالية يسعون لإنقاذ الآخرين مع إنقاذهم لأنفسهم بينما أولئك يسعون لإنقاذ أنفسهم وحدها إن وفقوا إليها. فالنجابة وعلو الهمة لدى هؤلاء والفضيلة والهمة عندهم".([22])

مكوّنات الطريق النوري:

يتكون الطريق النوري من أربع خطوات وهي طريق العجز، الفقر، الشفقة، التفكر، وهو طريق أقصر واقرب من غيره، لأنه عبارة عن أربع خطوات. فالعجز إذا ما تمكن من النفس يسلّمها مباشرة إلى" القدير" ذي الجلال([23]).

النقطة الأولى: العجز في الطريق النوري

1 - المراد بالعجز:

يقول النورسي: " ولا يذهبن بكم سوء الفهم إلى الخطأ. فالمقصود بالعجز والفقر والتقصير إنما هو إظهار ذلك كله أمام الله سبحانه وليس إظهاره أمام الناس.([24])، فلا يذهب بك الخيال بعيدا، واستبعد من البداية الفهم المتبادر من التوجّه الأولي إلى اللفظ، بل المراد نقيض تلك المعاني المشهورة، إنّه حقيق بأن يعد القوة باعتباره محررا للإنسان من العجز أمام البشر من خلال الإقرار بالعجز بين يدي الله.

2 - أسس الإقرار بالعجز:

أ – المصادر النصية: يستند الإقرار بالعجز في قوته إلى القرآن الكريم، قال بديع الزمان:وقد استفدت من فيض القرآن الكريم - بالرغم من فهمي القاصر - طريقاً قصيراً وسبيلاً سوياً هو: طريق العجز، الفقر، الشفقة، التفكر.([25])

ليس هذا فحسب، بل يبصر المؤمن في العجز القوة، ([26])و اللذة التي لا تضاهيها لذة، يقول رحمه الله:

" وجد من كَمُل إيمانهم في العجز ومخافة الله لذة تفوق أية لذة كانت، حتى أنّهم تبرءوا إلى الله براءة خالصة من حولهم وقوتهم ولاذوا بعجزهم إليه تعالى واستعاذوا به وحده، مقدِّمين هذا العجز والخوف وسيلتين وشفيعين لهم عند البارئ الجليل"([27]).

ويقرر تلك الخلاصة في سياق آخر:" إن كل فرد مؤمن يعرف ببصيرته ما هو جميل حقاً، كل حسب درجة فهمه وذوقه، إلاّ أن اللذة الكامنة في العجز .. لا يقاس بشيء إطلاقا"([28]).

من هنا كان العجز كما يقول بديع الزمان معدن النداء، والاحتياج منبع الدعاء([29])، لهذا كان طريقا موصلا([30])بأقصر وقت وأيسر الوسائل و السبل.

ب- مظاهر إعلان العجز:

إظهار العجز أمام جلاله وعظمته بالركوع، وإعلان الذل والخضوع - بإعجاب وتعظيم وهيام - بالسجود أمام كماله الذي لا يزول، وأمام جماله الذي لا يحول.. وهذا هو أداء صلاة الظهر، فما أجملها، وما ألذَّها، وما أجدرها، وما أعظم ضرورتها!. ومن ثم فلا يحسبنّ الإنسان نفسه إنسانا إن كان لا يفهم هذا.([31])

يتجلى إظهار العجز فيما يأتي:

– الصلاة:

عجز الإنسان المتجلي في الحيرة من ظلمات المستقبل، وما تخفيه الأيام والليالي ... تدفع الإنسان عند أدائه لصلاة العشاء - بهذا المضمون - أن لا يتردد في أن يردد على غرار سيدنا إبراهيم عليه السلام (لا أحبُّ الآفلين). فيلتجئ بالصلاة إلى باب مَن هو المعبود الذي لم يزل ومَن هو المحبوب الذي لا يزال، مناجياً ذلك الباقي السرمدي في هذه الدنيا الفانية، وفي هذا العالم الفاني، وفي هذه الحياة المظلمة والمستقبل المظلم، لينشر على أرجاء دنياه النور من خلال صحبة خاطفةٍ ومناجاة موقتة، ولينّور مستقبله ويضمد جراح الزوال والفراق عما يحبّه من أشياء وموجودات ومن أشخاص وأصدقاء وأحباب، بمشاهدة توجّه رحمةِ الرحمن الرحيم، وطلب نور هدايته، فينسى - بدوره - تلك الدنيا التي أنسته، والتي اختفت وراء العشاء، فيسكب عبرات قلبه، ولوعة صدره، على عتبة باب تلك الرحمة، ليقوم بوظيفة عبوديته النهائية قبل الدخول فيما هو مجهول العاقبة، ولا يعرف ما يُفعل به بعده، وهكذا كان الإحساس بالعجز مفتاحا رئيسا لفاعلية الصلاة في نفس المؤمن([32])

– العبادة بصفة عامة:

موازين العجز لها قوّة عجيبة في إدراك درجات القدرة الإلهية والثروة الربانية المطلقتين، فالحاجة المنطوية في نفس الإنسان من ضعف وعجز موازين مركوزة في نفوس البشر، يدركونها كإدراكهم أنواع الأطعمة([33])، لهذا لا ينكرها إلا مكابر.

ج- مميزات إظهار العجز بين يدي الله:

1 - حيوية الإحساس بالعجز ودورها في الفاعلية:

اكتشاف المرء عجزه التام والشامل أمام الله، عامل فعّال في دفع البشر إلى تنمية قدراتهم الإيمانية والمعرفية، وتوخي تحقيق مقاصده الاجتماعية، ذلك أنّ "وظيفة الإنسان الفطرية إنما هي التكمّل "بالتعلم" أي الترقي عن طريق كسب العلم والمعرفة، والعبودية "بالدعاء". أي أن يدرك في نفسه ويستفسر: "برحمةِ مَنْ وشَفقته أُدارى بهذه الرعاية الحكيمة؟! وبمَكْرَمةِ مَنْ وسخائِه أُربى هذه التربية المفعمةَ بالشفقة والرحمة؟ وبألطافِ مَنْ بوجُودِه أغذى بهذه الصورة الرازقة الرقيقة؟!". فيرى أن وظيفته حقاً هو الدعاءُ والتضرعُ والتوسلُ والرجاءُ بلسان الفقر والعجز إلى قاضي الحاجات ليقضي له طلباته وحاجاته التي لا تصل يدُه إلى واحدةٍ من الألفِ منها. وهذا يعني أن وظيفته الأساس هي التحليق والارتفاع بجناحَي "العجز والفقر" إلى مقام العبودية السامي."([34])

ويفرض حضور الإحساس بالعجز والاعتراف به، بقاء جذوة التطلّع إلى المعالي والتعلّق بالعبودية، ذلك أنّ العجز الإنساني لا يتغيّر ولا يتبدّل ، بل يزداد، ورحلة الإنسان لا تنقطع، بل تحثّ على السير وتمضي، لهذا لا يحتج العاقل بقول أحدهم:بأن الزمان قد تغيّر، أو أنا مثل الناس، ذلك لأن ما من أحدٍ من الناس يصاحبك إلاّ إلى عتبة باب القبر .. لا غير([35]).

2 - طريق العبودية
إظهار العجز بين يدي الله تعالى يوصل إلى المحبوبية بطريق العبودية، لأنّه كالعشق طريق موصل إلى الله، بل هو أقرب و أسلم"([36]) ، وهو أساس عبادة المؤمن وإدراك تقصيره ونقصه أمام بارئه القدير والتضرع أمام عتبة ألوهيته سبحانه والسجود عندها بكل ذل وخضوع، و بهذا يتحرر من التصنّع والتكلف لأجل أن يلائم نفسه ويحافظ عليها مع مستوى تلك المقامات السامية، فيصان من الوقوع فيما لا طائل وراءه من الغرور والأنانية والمشاكل العويصة.([37])

3 – أساس الدعاء:

الدعاء طلب، والطلب مبناه الافتقار والإقرار بالعجز، " يتضرع المريض بذلك العجز وذلك الضعف بالدعاء حالاً وقولاً. وما أودع الله سبحانه وتعالى في الإنسان عجزاً غير محدود وضعفاً غير متناه إلا ليلتجئ دائماً إلى الحضرة الإلهية بالدعاء سائلاً راجياً، حيث أن الحكمة من خلق الإنسان والسبب الأساس لأهميته هو الدعاء الخالص"([38])

4 - اكتشاف الذات
العجز عامل مهم في التحرر-كما سبق أن نقلنا عن بديع الزمان- من الأنانية، وهو بذلك عنصر أساسي في اكتشاف المؤمن ذاته، و هو ما ترشد إليه الآية الكريمة: (ما أصابك مِن حَسَنةٍ فَمِنَ الله وما أصابك مِنْ سيئة فمن نفسك) وذلك: أن ما تقتضيه النفس دائماً أنها تنسب الخير إلى ذاتها، مما يسوقها هذا إلى الفخر والعجب. فعلى المرء في هذه الخطوة أن لا يرى من نفسه إلا القصور والنقص والعجز والفقر، وأن يرى كل محاسنه وكمالاته إحسانا من فاطره الجليل، ويتقبلها نعماً منه سبحانه، فيشكر عندئذ بدل الفخر ويحمد بدل المدح والمباهاة. وهذا مدعاة لتزكية النفس، وتزكيتها في هذه المرتبة هو في سر هذه الآية الكريمة: (قَد أفلَحَ مَنْ زَكّاها) (الشمس: 9).([39]) من هذا المنطلق كان العجز كاشفا عن ماهية الإنسان المتجلية في العجز المفضي إلى التزكية باستمرار.

5 - عنصر أساسي في ماهية الإنسان:

إن ماهية الإنسان قد عجنت – بمعنى تدخل في تركيبها- كما يقول بديع الزمان، بالعجز والضعف و الفقر والحاجة غير المحدودة ([40])

إن كنوز العجز والفقر مندرجة في ماهية الإنسانية وسائر المؤثرات المهيجة والمحركة، فلا تمنح المصائبُ الإنسان الالتجاء إلي البارئ بلسان واحد، بل تجعله يلتجئ إليه ويستغيثه بلسان كل عضو من أعضائه. وكأن الإنسان بتلك المؤثرات والعلل والعقبات والعوارض يغدو قلماً يتضمن آلاف الأقلام، فيكتب مقّدرات حياته في صحيفة حياته أو في اللوح المثالي، وينسج لوحة رائعة للأسماء الإلهية الحسنى، ويصبح بمثابة قصيدة عصماء ولوحة إعلان.. فيؤدي وظيفة فطرته.([41])

6 - العجز قوة بالإيمان:

العجز بمعزل عن الإيمان موت مستمر وداء ملازم، علاجه وباعث الحياة فيه بإذن الله، الإيمان، فهو علاجه وبلسمه الشافي، وأقصر طريق لبلوغ ذلك العلاج هو الإطلال من نافذتي "العجز والفقر" اللتين تتفتحان بتمزيق المرض المادي لحجاب الغفلة واللتين جُبلَ الإنسان عليهما، وبالتالي تبلغ معرفة قدرة القادر ذي الجلال ورحمته الواسعة.([42])

النقطة الثانية : الفقر في الطريق النوري:

1- المراد بالفقر: الفقر في أدبيات النورسي إظهار ذلك أمام الله سبحانه وتعالى وليس أمام الناس([43])، لهذا فهو افتقار إلى الله لا غير، وهو من مظاهر اسم الله "الرحيم" وهي الخميرة والجوهر الخاص المغروز في فطرة النساء وميزتهن الأصيلة.([44])

يشهد لهذا المعنى وتقرره الوقائع المعيشة، ذلك أن البشر في غاية الفقر والحاجة، مما يدفعهم إلى أداء الصلاة، و يلتجئون بالصلاة إلى باب المعبود الذي لم يزل ومَن هو المحبوب الذي لا يزال، مناجين ذلك الباقي السرمدي في هذه الدنيا الفانية، وفي هذا العالم الفاني، وفي هذه الحياة المظلمة والمستقبل المظلم، لينشروا على أرجاء دنياهم النور من خلال صحبة خاطفةٍ ومناجاة موقتة، ولينّوروا مستقبلهم ويضمدوا جراح الزوال والفراق عما يحبّونه من أشياء وموجودات ومن أشخاص وأصدقاء وأحباب، بمشاهدة توجّه رحمةِ الرحمن الرحيم، وطلب نور هدايته، فينسوا - بدورهم - تلك الدنيا التي أنسته، والتي اختفت وراء العشاء، فيسكبوا عبرات قلوبهم، ولوعة صدورهم، على عتبة باب تلك الرحمة، ليقوموا بوظيفة عبوديته النهائية قبل الدخول فيما هو مجهول العاقبة، ولا يعرفون ما يُفعل بهم بعده.([45])

الفقر من حيث الاستمداد لا يختلف عن العجز، لهذا لا نطيل فيه الكلام، إذ نشأ وسابقه في ظلال القرآن الكريم والسنّة المطهّرة، إذ ما يقال في الأول، فالثاني حري به أيضا.وهو بالنظر إلى المميزات يشارك الجميع بهذا العجز، لهذا ليس من بحثنا إطالة القول فيها.

 

 

النقطة الثالثة: الشفقة في الطريق النوري

1- المراد بالشفقة:

تعتبر"الشفقة" في الطريق النوري أهم أساس من الأسس الأربعة في مسلكه ومشربه في الحياة([46])، وترى موازين الشفقة متناثرة بإحكام على عناصر الكون، "فحُسن تربية صغار الحيوانات وضعافها، و إعاشتها بسهولة ولطف ظاهريين ترياننا أن مالك هذه الكائنات يسيّرها بربوبية لا حدّ لرحمتها.([47])

ونظرا لخضوع الشفقة الفاعلة في أصل وضعها النظري إلى العوامل الإيمانية ميّزت عن الشفقة العادية المتأتية من عاطفة بشرية غير محددة المعالم، فعرفت في مؤلفات النورسي بالشفقة الإيمانية([48])، وهو عين ما نقصده في هذه النقطة.

الشفقة التي ذكرنا يتولّد عنها الشفقة على خلق الله، وكلما تزايدت تنبسط الروح، ويدفع إلى الاستكثار من الخير، وينعش نموها خدمة البشر وتدفع إلى التعاون والتعارف، وأما الشفقة الناشئة من الغفلة والمبنية على توهّم المالكية بتزايدها ينقبض الروح ويتألّم القلب بظلمة الغيوم([49]).

أسس الشفقة في الطريق النوري:

أ‌- المصادر النصية:

غني عن التذكير بأن النورسي أسس طريقه بما فهمه من القرآن الكريم، وقد أشرنا إلى ذلك حين الحديث عن أصول الطريق النوري (المكوّنات)، لهذا سنعرض المسألة بهذا الصدد عرضا، سريعا، ففي هذا المقام، ذكر أن القرآن يخاطب البشر قائلاً: إن الرسول صلى الله عليه وسلم ينظر إليكم نظر الرحمة والشفقة من زاوية الرحمة الإلهية ويعاملكم معاملة الأب الحنون من حيث النبوة.([50]) ويشير في سياق آخر وفق المسلك السابق إلى أنّ الشريعة تربي في روح الإسلام الشفقة وعزة الإيمان.([51])، وهو ما يخوّلها تبوّء مكانة سامقة في الحاضر والمستقبل.

ب‌- السنة المطهّرة:

ويؤكّد أهمية الشفقة بما قصّه من سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم، الدالة بنفسها على كمال شفقته، قال بديع الزمان:" إن حمل الرسول صلى الله عليه وسلم الحسن رضي الله عنه في حضنه وتقبيله رأسَه بكمال الشفقة والرحمة هو لأجل الكثيرين من ورثة النبوة الشبيهين بالمهدي الحاملين للشريعة الغراء المتسلسلين من سلالة الحسن المنحدرين من نسله النوراني المبارك أمثال الشيخ الكيلاني، فلقد شاهد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ببصيرة النبوة ما يضطلع به هؤلاء الأكارم في المستقبل من مهام مقدسة جليلة، فاستحسن خدماتهم وقدّر أعمالهم، فقبّل راسَ الحسن رضي الله عنه علامة على التقدير والحث. ثم إن الاهتمام العظيم الذي أولاه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالحسين رضي الله عنه وعطفه الشديد نحوه إنما هو للذين يتسلسلون من نسله النوراني من أئمة عظام وارثي النبوة الحقيقيين الشبيهين بالمهدي من أمثال زين العابدين وجعفر الصادق.([52])

ميزات الشفقة في الطريق النوري:

أساس الشفقة بين البشر:

استحضار الشفقة الربانية يستدعي الشفقة والرأفة بالخلق، إذ إدراك الرأفة الربانية عقلا وقلبا، شرط رئيس في وجود الرأفة والشفقة بين البشر دون زهو بما قدّم من عمل، إنّ الربوبية المتّصفة بكمال الشفقة تطمع البشر في رحمة الله التي وسعت كل شيء، لهذا يلجأ المؤمن إلى الله لعلمه بشفقته، فيدعوه بأجمل الدعاء.([53])

 

ربحها العظيم وطريق سليم وقصير:

أداء الفرائض من الصلوات تجعل تلك الشفقة تسهم في إبقائها خدمة لله تعالى، لهذا كانت الشفقة الإيمانية مقرونة بالرحمة والمحبة وبعد عن المنّة([54])، لهذا كانت الشفقة موصلة إلى الله بطرق أنفذ من العشق في السير، وهي أوسع منه مدى، إذ هو موصل إلى اسم الله" الرحيم"([55])

باب لضبط التعامل مع الخلق:

فرط الشفقة أليم وفرط الغضب ذميم، وتحرير للمؤمن من الوقوع تحت طائلة فرط الشفقة أو الغضب، يوجب أن تدع الأمور للعادل الرحيم، ([56]) فليس للخلق أشفق من الله لأنه الرحيم.كما أنّه من شأنها عدم التذليل والتحقير([57]) وفي ذلك ترسيخ لأبعادها الحضارية والاجتماعية بل وحتى المعرفية.

النفاذ وقوّة التأثير:

الشفقة ذات تأثير عظيم في المستصحب لمعانيها عقلا وقلبا حين ممارسة التحصيل أو التمحيص أو التبليغ، لأنها تمثّل ألطف تجليات الرحمة الإلهية وأجملها وأطيبها و أحلاها.. فهي إكسير نوراني، وهي أنفذ من العشق بكثير، وهي أسرع وسيلة للوصول إلى الحق تبارك وتعالى."([58])

السهولة واليسر:

تربط الشفقة القلب بالله سبحانه ليوصل صاحبَه إلى الله جل وعلا بأقصر طريق وأصفى شكل، وبلا مشكلات([59])، قد تتصوّر في العشق

 

النقطة الرابعة: التفكر في الطريق النوري

- قيمة التفكّّر:

الإنسان الذي بالتفكّر المتعبّد يصبح إنسانا حقاً ويُظهر نفسه أنه في "أحسن تقويم" فيصير بيُمن الإيمان وبركته لائقاً للأمانة الكبرى وخليفة أميناً على الأرض.

- أسس التفكّر:

مستمدة من القرآن الكريم و السنة المطهّرة:

يذكر القرآن الكريم في أكثر الأحيان قسماً من الخلاصات والفذلكات في خاتمة الآيات. فتلك الخلاصات: إما أنها تتضمن الأسماء الحسنى أو معناها، و إما أنها تحيل قضاياها إلى العقل وتحثه على التفكر والتدبر فيها.. ([60]).كما تحثّه آيات القرآن على الاعتبار، فتسوق العقل بواسطة خلاصات إلى اكتشاف الكيفيات والأحوال([61])، ودعا مرارا إلى التفكر ولفت الأنظار إلى آلاف من البراهين العقلية القطعية.([62])

- ماهية التفكـّر:

التفكر، بحث عن سرّ([63])، و عبّر بديع الزمان عن مقصده، فسماه التفكّر الإيماني، ذلك التفكّر"امتزج فيه قلبه بعقله منذ ثلاثة عشر عاماً ضمن انتهاج مسلك التفكر الذي يأمر به القرآن المعجز البيان كقوله تعالى (لعلكم تتفكرون) (لعلهم يتفكرون) (أوَ لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض..) (لآيات لقوم يتفكرون) وأمثالها من الآيات التي تحث على التفكر مثلما يحث عليه حثاً عظيماً الحديث الشريف كقوله صلى الله عليه وسلم (تفكر ساعة خير من عبادة سنة)([64])

ولقد تواردت في غضون هذه السنوات الثلاثين على عقله وقلبه ضمن انتهاج مسلك التفكر، أنوار عظيمة وحقائق متسلسلة طويلة. فوضع بضع كلمات - من قبيل الإشارات - لا للدلالة على تلك الأنوار، بل للإشارة إلى وجودها ولتسهيل التفكر فيها وللمحافظة على انتظامها.

وكان يردد بينه وبين نفسه تلك الكلمات لساناً بعبارات عربية في غاية الاختلاف. وعلى الرغم من تكراره لها آلاف المرات خلال هذه الفترة الطويلة وهو ينتهج هذا التفكر لم يطرأ عليه السأم ولم يعتر تذوقها النقص، ولم تنتف حاجة روحه([65])

مميزات التفكّر:

نشأته بتعهّد القرآن الكريم، جعله معروفا بالتفكير الإيماني، وهو بهذه الميزة خرج من طور العبثية إلى طور المقصدية والغائية الجلية، فهو باعتبار النسبة وسيلة لمعرفة الله وعبادته، ومعراج ترقي في سلّم المعارف والرتب الأخروية، وهو المشار إليه كما قال بديع الزمان بدستور" تفكّر ساعة خير من عبادة سنة"، وذلك هو التفكير الإيماني([66])

- اليسر والسهولة:

التفكّر طريق ساطع جلي بيّن، وهو أغنى من العشق و أرحب سبيلا، إذ هو يوصل السالك إلى اسم الله " الحكيم "([67])، بشرط أن يكون تفكّرا إيمانيا، إذ به يتحرر من العبثية ويعمل على تحقيق مقاصد جلية حدّدتها الشريعة الربانية.

- الجمع بين العقل والقلب:

يجمع مسلك التفكير الإيماني حثا تمتزج مخاطبة القلب إلى مخاطبة العقل، يقول بديع الزمان: "لقد امتزج قلبي بعقلي منذ ثلاثة عشر عاماً ضمن انتهاج مسلك التفكر الذي يأمر به القرآن المعجز البيان كقوله تعالى (لعلكم تتفكرون) (لعلهم يتفكرون) (أوَ لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض..) (لآيات لقوم يتفكرون) وأمثالها من الآيات التي تحث على التفكر مثلما يحث عليه حثاً عظيماً الحديث الشريف كقوله صلى الله عليه وسلم (تفكر ساعة خير من عبادة سنة)([68])

- عدم الملل من تكراره:

يورّث طريق التفكّر الاندفاع في طريق التحصيل، إذ بلوغ المنتهى غير متاح على الإطلاق، لهذا كان النورسي يردد بينه و بين نفسه([69]) تلك العمليات دون أن يطرأ عليه ملل أو سأم، مما يدل على أن صاحبه لا يملّ ولا يكلّ.

أثار التفكر:

- مذيب الغفلة:

يذكر النورسي أن التفكّر الإيماني نور يُذيبُ الغفلة الباردة الجامدة، والدقةُ نارٌ تحرق الأوهام المظلمةَ اليابسة، لكن. إذا تفكرتَ في نفسِك فدقّق وتمهّل وتغلغل وفصّله تفصيلاً([70])

- التفكّر دواء:

ملازمة التفكير في آيات الله المسطورة أو آياته المنظورة، دواء نافع في اجتثاث الضلالة، ومسلك أساسه للمناجاة ([71])، فهو طريق القرب والتمثّل والفهم، والاستدراك والتمحيص.

- التفكّر مفتاح على الكون:

السالك المنشغل بمراقبة قلبه يفتح بهذا التفكر آفاقاً واسعة أمام نظره وقلبه، فيشاهد ويراقب بفؤاده ولطائفه كافة الكائنات بكل عظمتها، ابتداء من الذرات إلى السيارات، ويرى بكل وجد في تلك العوالم تجليات أسماء الله تعالى وصفاته الجليلة بألف تجلٍ وتجلٍ، وبهذا يرى ويحس بعلم اليقين وعين اليقين بل بحق اليقين أنه في مسجد لا منتهى له يدخله ما لا تستوعبه الأرقام من الجماعات.([72])

ثالثا: حقيقة الطريق النوري:

يتجلى مما سلف تقريره أن للطريق النوري حقيقة مستفادة من فيض القرآن الكريم، طريق قصير وسبيل سوي وهو ذلك المركّب مما سبقت الإشارة إليه: العجز والفقر والشفقة والتفكّر.

1 - العجز يوصل إلى المحبوبية بطريق العبودية.

2 - الفقر مثله يوصل إلي اسم الله " الرحمن " .

3 - الشفقة موصلة إلى اسم الله " الرحيم " .

4 - والتفكر يوصل السالك إلى اسم الله " الحكيم " .

و يتميّز هذا الطريق عما سواه من الطرق بما يأتي:

1 – استمد أصله من الكتاب الكريم والسنّة المطهّرة.

2 – يعبّر عن حقيقة شرعية أكثر مما يعبّر عن طريقة صوفية.

3 – الطريق النوري بمجموعه تعبير عن صلة العبد بربّه.

4 – يثمر الطريق النوري صلات ظاهرة، تتجلى في الوظيفة الاجتماعية للتربية الإيمانية.

5 - تنحصر أوراد هذا الطريق القصير وأذكاره في اتباع السنة النبوية.. والعمل بالفرائض، ولا سيما إقامة الصلاة باعتدال الأركان والعمل بالأذكار عقبها، وترك الكبائر.

- منابع هذه الخطوات من القرآن الكريم:

الخطوة الأولى: تشير إليها الآية الكريمة (فلا تُزكّوا أنفسكم) (النجم:32).

الخطوة الثانية: تشير إليها الآية:(ولا تكونوا كالذين نَسُوا الله فأنساهُم أنفُسَهم) (الحشر:19)

الخطوة الثالثة: تشير إليها الآية:(ما أصابك مِن حسنةٍ فمن الله * ومَا أصابك مِن سيئةٍ فِمن نفسِك)(النساء:79)

الخطوة الرابعة: تشير إليها الآية: (كلُّ شيءٍ هالكٌ الاّ وجْهَه) (القصص:88).

وقد لخّص بديع الزمان تلك الخطوات في عبارات روحية إيمانية، ذات مخزون صوفي مؤسس له بالقرآن والسنّة المطهّرة.

الخطوة الأولى:

لا تزك نفسه أيها الإنسان، تحذير له من خطورة الوقوع تحت طائلة حب نفسه، المتمكّن بمقتضى فطرته وبحسب جبلّته، تلك الذات التي لا يحب غيرها في المقدمة. ويضحي بكل شئ من أجلها، ويمدح نفسه مدحاً لا يليق إلا بالمعبود وحده، وينـزه شخصه ويبرئ ساحة نفسه، بل لا يقبل نسبة التقصير لنفسه أصلاً ويدافع عنها دفاعاً قوياً بما يشبه العبادة، حتى كأنه يصرف ما أودعه الله فيه من أجهزة لحمده سبحانه وتقديسه إلى نفسه، فيصيبه وصف الآية الكريمة: (من اتّخذ إلهه هَواه) (الفرقان:43) فيعجب بنفسه ويعتد بها.. فلابد إذن من تزكيتها فتزكيتُها في هذه الخطوة وتطهيرها هي بعدم تزكيتها.

الخطوة الثانية:

ينسى الإنسان نفسه، فإذا رأى أي مظهر من مظاهر البلاء والامتحان رمى به غيره، غافلا عن مصيره، كأنه لا يعنيه شيء مما يطال غيره، إذ مقتضى النفس الأمارة أنها تذكر ذاتها في مقام أخذ الأجرة والحظوظ وتلتزم بها بشدة، بينما تتناسى ذاتها في مقام الخدمة والعمل والتكليف. فتزكيتها وتطهيرها وتربيتها في هذه الخطوة هي:

العمل بعكس هذه الحالة، أي عدم النسيان في عين النسيان، أي نسيان النفس في الحظوظ والأجرة، والتفكر فيها عند الخدمات والموت.

والخطوة الثالثة:

تقتضي طبيعة النفس البشرية دائماً نسبة الخير إلى ذاتها، مما يسوقها هذا إلى الفخر والعجب. فعلى المرء في هذه الخطوة أن لا يرى من نفسه إلا القصور والنقص والعجز والفقر، وأن يرى كل محاسنه وكمالاته إحسانا من فاطره الجليل، ويتقبلها نعماً منه سبحانه، فيشكر عندئذ بدل الفخر ويحمد بدل المدح والمباهاة. فتزكية النفس في هذه المرتبة هي في سر هذه الآية الكريمة: (قَد أفلَحَ مَنْ زَكّاها) (الشمس:9). وهي أن تعلم بأن كمالها في عدم كمالها، وقدرتَها في عجزها، وغناها في فقرها، (أي كمال النفس في معرفة عدم كمالها، وقدرتها في عجزها أمام الله، وغناها في فقرها إليه).

الخطوة الرابعة:

النفس تتوهم نفسها حرة مستقلة بذاتها، لذا تدّعى نوعاً من الربوبية، وتضمر عصيانا حيال معبودها الحق. فبإدراك الحقيقة الآتية ينجو الإنسان من ذلك وهي: كل شئ بحد ذاته، وبمعناه الاسمي: زائلٌ، مفقود، حادث، معدوم، إلا أنّه في معناه الحرفي، وبجهة قيامه بدور المرآة العاكسة لأسماء الصانع الجليل، وباعتبار مهامه ووظائفه: شاهد، مشهود، واجد، موجود.

فتزكيتها في هذه الخطوة هي معرفة: أن عدمها في وجودها ووجودها في عدمها، أي إذا رأت ذاتها وأعطت لوجودها وجوداً، فإنها تغرق في ظلمات عدم يسع الكائنات كلها. يعني إذا غفلت عن موجدها الحقيقي وهو الله، مغترّة بوجودها الشخصي فإنها تجد نفسها وحيدة غريقة في ظلمات الفراق والعدم غير المتناهية، كأنها اليراعة في ضيائها الفردي الباهت في ظلمات الليل البهيم. ولكن عندما تترك الأنانية والغرور ترى نفسها حقاً إنها لا شيء بالذات، وإنما هي مرآة تعكس تجليات موجدها الحقيقي. فتظفر بوجود غير متناه وتربح وجود جميع المخلوقات.

نعم، من يجد الله فقد وجد كل شيء، فما الموجودات جميعها إلاّ تجليات أسمائه الحسنى جل جلاله.

 

الخـاتـمة:

يستشف مما سبق بيانه، أنّ الطريق النوري يمتاز بالسير في رحاب القرآن، والسنّة المطهرة، فهي أسسه التي استمد منها، و هو مما حلاه باليسر والفطرية والوضوح من جهة، وكونه طريقا عموميا لا شطح ولا خزعبلات فيه من جهة أخرى، فهو حقيقة شرعية أكثر مما هو طريقة صوفية، كما أنّه وليد مكابدة تفكرية (تدبّرية) وتمثّلات اجتماعية، تدل عليها مؤلفات الشيخ عبارة وإشارة.