موعد مع الألم.... الجزء الثالث . ...

الناقل : elmasry | الكاتب الأصلى : ريف البوادي | المصدر : forum.wahati.com

الجزء الثالث



عدت أدراجي أركض و أنظر خلفي يخيَّل إلي أن أحدًا ما يتبعني ....

هممت بدخول الغرفة ثم ترددت لكن إلى أين سأذهب فكل الغرف تبدو موحشة

سوف أدخل موكلة أمري إلى الله ...

دخلت ، و ما زال شخيره عاليـًا يصم الأذان ..

جلست في زاوية من الغرفة ، تكومت حول نفسي ، و تشبثت بملاءتي أنشد الدفء ، أغمضت عيني

لعلي أنسى ظلمة المكان و وحشته ....


و أخيراً صمت كل شيء ، حتى صوت الشخير الصاخب .....

الهدوء يكتنف المكان ، لا صوت سوى أنين قلبي المتعب ، أخذت أسامر الذكريات لعلي

أزيح عنه بعض الألم ..... لكن دون جدوى ...

أيا ليل طال أهذا طبع كل الليالي ؟!

أناشدك صبحًا ينجلي بِه الظلام

أسامر الذكرى لعلي بها أسلو

و تأبى الآهات الارتحال

و يعتصر الفؤاد ألمٍ ،

و تنهمر الدموع غزارا ..

أيا ليل ليس ككل الليالي

ارحل ودعني أعود لسالف عهدي

أنام قريرة العين وخالٍ من الهم بالي

لعلي بك ودعت كل صبح ٍ

به الأطيار تغرد و تحلق في الأعالي ..


وبينما كنت على تلك الحال غفوت ، و أظن أن غفوتي لم تتعدَّ الدقائق ، ثم فتحت عينيَّ لآراه


بضخامته وعبوس ملامحه يقف بقربي ...

انتفضت و انتظمت في جلستي ، لففت حولي ملاءتي .....

قال : لماذا لم ترتاحي على سريرك .....؟؟

بالطبع لم يجد إجابة .....

هل ما زلت خائفة ....؟؟

هي نظرات مني فقط .....

أدرك ألا فائدة من الحديث معي ، فذهب ليستبدل ملابسه ، ثم عاد طالبًا مني مشاركته

طعام الإفطار إلا أني لم أستجب و عندئذ جذبني بقوة ، و اصطحبني لغرفة الطعام


كان الإفطار معدًّا ، و يبدو شهيًّا ، كما أني أتضور جوعاً ..

مــدَّ يده محاولاً إطعامي ، و هيهات أن أستجيب !! باءت محاولاته بالفشل !!

فتناول طعامه و أنا أتابع بصمت ، و الدقائق تمضي بطيئة ، و الوقت يطول !!

حدث غريب .. إني أسمع صوتـًـا انتفض له قلبي فرحاً ، إنه جرس الباب يدق ، ربما تكون أمي

هكذا حدثني حدسي !!


نعم إنها الحبيبة أسرعت نحوها باكية شاكية ...معاتبة ..

لماذا تركتني هنا وحدي .....!!

كان صخر يتابع بعجب ولسان حاله يقول أهذه هي الخرساء طوال الليل !!

ردت أمي بابتسامة : لست وحدك ! إنك مع زوجك و في بيتك ....

قاطع صخر حديثنا ، سلم على أمي و دعاها لتناول الإفطار ....

لكنها اعتذرت قائلة : لقد سبقتكما إلى ذلك فأكملا إفطاركما ....

قال صخر : الحمد لله أنا قد شبعت ، أما ميّ فلم تتناول أي شيء ..

سوف أغادر المنزل الآن لعلها تستجب لكِ و تأكل ....

آه .. أخيراً تنفست الصعداء عند خروجه .. يا إلهي كأنما صخرة كانت تجثم على صدري و أُزيحت

و رغم جوعي إلا أنني لم أستطع أن أزيد على لقيمات ناولتنيها أمي ...

أعدَّت أمي لي كوباً من الحليب الساخن كما أحب .....

تناولته ثم شعرت بالنعاس فوضعت رأسي في حضن أمي و رحت في نوم عميق كأنني لم أنم منذ شهر

استيقظت على صوت أمي و هي تقول : هيا يا مي لقد اقترب وقت الغداء

اذهبي إلى غرفتك و استحمي قبل مجيء زوجك و والدته ، كذلك سوف يحضر بعض الأقارب و المعارف

لتقديم التهنئة .....

تهنئة على ماذا ..؟!! قلتها حين خطوت متجهة إلى غرفتي إذعاناً لأمر أمي......


حضر الكثير البعض منهم أعرفه ، و أكثرهم لا أعرفه ، اكتظ المكان بالنساء و الأطفال

إحساسي بالدوار لا يسمح لي بتمييز الأصوات .....

مضى وقت ليس بالقصير ثم هدأ المكان بعد مغادرة الزوار والمهنئين كما يحلو لأمي ....

لم يبقَ سوى والد ة صخر ، و امرأة كانت تساعد أمي أثناء الضيافة

همست في نفسي متى تغادر هي الأخرى حتى أكمل نومي ؟ فما زال النعاس يغالبني

لكن هذه المرأة أخذت تتجاذب أطراف الحديث مع أمي و خالتي ( والدة صخر ) و من خلال حديثها عرفت أنها

زوجة صخر .

تأملتها جيدا ..

ملامحها تكسوها الطيبة ولكن شيئا من الحزن و البؤس يخالط ابتسامتها !!

فهمت أيضا أنها و أطفالها يسكنون ذلك الملحق الصغير ...


تساءلت لماذا لم يهيء لها منزلا كبيرا وجميلا كهذا ؟ بل لِـمَ لا تسكن هنا فالبيت كبير جداً ؟!

و تأملت أطفالها ، يبدو عليهم الخوف من كل شيء إذ لم يفارقوا والدتهم ، بل تشبثوا بردائها ،

و كانوا برفقتها أينما ذهبت ، لم يشاركوا باقي الأطفال اللعب و المرح .....

كنت غارقة بأفكاري و تساؤلاتي ......

حينما تنبهت على صوتها و هي تودعنا بابتسامتها الحزينة قائلة : إن احتجتِ أي شيء

فلا تترددي سأكون بقربكِ ...


بادلتها الابتسامة و شكرتها ....


نهضت أمي قائلة : أنا أيضاً سأغادر إلى بيتي ......

وقفت فزعة ، و أمسكت بيدها محاولة ثنيها عن الخروج ....

اعتذرت قائلة : والدك و إخوتك في انتظاري بالمنزل .....

هززت رأسي معلنة رفضي خروجها و الدمع يغرق عينيّ .... أرجوك خذيني معك !

لا تتركيني هنا وحدي !

أو ابقي معي ....!

شعرت أمي بما يعتريني من الخوف فأذعنت لرغبتي .....

قالت : سوف أبقى عندك اليوم ، و لكن عديني أن تحاولي التأقلم مع المكان ، و مع وضعك الآن ،

و مع زوجك .....!


هززت رأسي بالقبول والدمع أغرق وجنتيَّ .....

المهم ألا تذهب عني ( أمــي ) .....






دمتم سالمين

--------------------

صفحات بأقلامهن عطشى فمن يرويها ..؟