العائدات إلى الله

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : محمد بن عبدالعزيز | المصدر : www.kalemat.org

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

فهذه قصص بعض التائبات من نساء شهيرات وغير شهيرات كتبتها لكل فتاة تريد الحياة.. تريد السعادة.. ترجو النجاة.. قبل الممات وبعد الممات راجياً أن تكون مفتاحاً للتوبة ومجدافاً لقارب الأوبة..

 

توبة الداعية سوزي مظهر على يد امرأة فرنسية

 

لا تزال قوافل التائبين والتائبات ماضية لا يضرها نكوص الناكصين، ولا نباح النابحين.. ولسان حالها يقول:

 

إذا الكلب لا يؤذيك إلا بنبحه *** فدعه إلى يوم القيامة ينبح

 

ومن أواخر من التحق بركب الإيمان الفنانة سوزي مظهر التي صار لها أكثر من عشرين عاماً في مجال الدعوة إلى الله، ارتبط اسمها بالفنانات التائبات وكان لها دور دعوي بينهن.. روت قصة توبتها فقالت:

تخرجت من مدارس (الماردي ديبيه) ثم في قسم الصحافة بكلية الآداب، عشت مع جدتي والدة الفنان أحمد مظهر فهو عمي.. كنت أجوب طرقات حي الزمالك، وأرتاد النوادي وكأنني أستعرض جمالي أمام العيون الحيوانية بلا حرمة تحت مسميات التحرر والتمدن.

وكانت جدتي العجوز لا تقوى عليّ، بل حتى أبي وأمي، فأولاد الذوات هكذا يعيشون، كالأنعام، بل أضل سبيلاً، إلا من رحم الله عز وجل.

حقيقة كنت في غيبوبة عن الإسلام سوى حروف كلماته، لكنني برغم المال والجاه كنت أخاف من شيء ما.. أخاف من مصادر الغاز والكهرباء، وأظن أن الله سيحرقني جزاء ما أنا فيه من معصية، وكنت أقول في نفسي إذا كانت جدتي مريضة وهي تصلي، فكيف أنجو من عذاب الله غداً، فأهرب بسرعة من تأنيب ضميري بالاستغراق في النوم أو الذهاب إلى النادي.

وعندما تزوجت، ذهبت مع زوجي إلى فرنسا لقضاء ما يسمى بشهر العسل، وكان مما لفت نظري هناك، أنني عندما ذهبت للفاتيكان في روما وأردت دخول المتحف البابوي أجبروني على ارتداء البالطو أو الجلد الأسود على الباب.. هكذا يحترمون دياناتهم المحرفة.. وهنا تساءلت بصوت خافت: فما بالنا نحن لا نحترم ديننا؟؟!

وفي أوج سعادتي الدنيوية المزيفة قلت لزوجي أريد أن أصلي شكراً لله على نعمته، فأجابني: افعلي ما تريدين، فهذه حرية شخصية (!!!).

وأحضرت معي ذات مرة ملابس طويلة وغطاء للرأس ودخلت المسجد الكبير بباريس فأديت الصلاة، وعلى درب المسجد أزحت غطاء الرأس، وخلعت الملابس الطويلة، وهممت أن أضعها في الحقيبة، وهنا كانت المفاجأة.. اقتربت مني فتاة فرنسية ذات عيون زرقاء لن أنساها طول عمري، ترتدي الحجاب.. أمسكت يدي برفق وربتت على كتفي، وقالت بصوت منخفض: لماذا تخلعين الحجاب؟! ألا تعلمين أنه أمر الله!!.. كنت أستمع لها في ذهول، والتمست مني أن أدخل معها المسجد بضع دقائق، حاولت أن أفلت منها لكن أدبها الجم، وحوارها اللطيف أجبراني على الدخول.

سألتني: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟.. أتفهمين معناها؟.. إنها ليست كلمات تُقال باللسان، بل لا بد من التصديق والعمل بها..

لقد علمتني هذه الفتاة أقسى درس في الحياة.. اهتز قلبي، وخضعت مشاعري لكلماتها، ثم صافحتني قائلة: انصري يا أختي هذا الدين.

خرجت من المسجد وأنا غارقة في التفكير لا أحس بمن حولي، ثم صادف هذا اليوم أن صحبني زوجي في سهرة إلى (كبارية..)، وهو مكان إباحي يتراقص فيه الرجال مع النساء شبه عراياً، ويفعلون كالحيوانات، بل إن الحيوانات لتترفع من أن تفعل مثلهم.. كرهتهم، وكرهت نفسي الغارقة في الضلال.. لم أنظر إليهم، ولم أحس بمن حولي، وطلبت من زوجي أن نخرج حتى أستطيع أن أتنفس.. ثم عدت فوراً إلى القاهرة، وبدأت أولى خطواتي للتعرف على الإسلام.

وعلى الرغم مما كنت فيه من زخرف الحياة الدنيا إلا أنني لم أعرف الطمأنينة والسكينة، ولكني أقترب إليها كلما صليت وقرأت القرآن.

واعتزلت الحياة الجاهلية من حولي، وعكفت على قراءة القرآن ليلاً ونهاراً.. وأحضرت كتب ابن كثير وسيد قطب وغيرهما.. كنت أنفق الساعات الطويلة في حجرتي للقراءة بشوق وشغف.. قرأت كثيراً، وهجرت حياة النوادي وسهرات الضلال.. وبدأت أتعرف على أخوات مسلمات.

ورفض زوجي في بداية الأمر بشدة حجابي واعتزالي لحياتهم الجاهلية، لم أعد أختلط بالرجال من الأقارب وغيرهم، ولم أعد أصافح الذكور، وكان امتحاناً من الله، لكن أولى خطوات الإيمان هي الإستسلام لله، وأن يكون الله ورسوله أحب إليّ مما سواهما، وحدثت مشاكل كادت تفرق بيني وبين زوجي.. ولكن، الحمد لله فرض الإسلام وجوده على بيتنا الصغير، وهدى الله زوجي إلى الإسلام، وأصبح الآن خيراً مني، داعية مخلصاً لدينه، أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحداً.

وبرغم المرض والحوادث الدنيوية، والإبتلاءات التي تعرضنا لها فنحن سعداء ما دامت مصيبتنا في دنيانا وليست في ديننا.

 

توبة أشهر عارضة أزياء فرنسية

 

(فابيان) عارضة الأزياء الفرنسية، فتاة في الثامنة والعشرين من عمرها، جائتها لحظة الهداية وهي غارقة في عالم الشهرة والإغراء والضوضاء.. انسحبت في صمت.. تركت هذا العالم بما فيه، وذهبت إلى أفغانستان! لتعمل في تمريض جرحى المجاهدين الأفغان! وسط ظروف قاسية وحياة صعبة!

تقول فابيان: ( لولا فضل الله عليّ ورحمته بي لضاعت حياتي في عالم ينحدر فيه الإنسان ليصبح مجرد حيوان كل همه إشباع رغباته وغرائزه بلا قيم ولا مبادئ ).

ثم تروي قصتها فتقول: ( منذ طفولتي كنت أحلم أن أكون ممرضة متطوعة، أعمل على تخفيف الآلام للأطفال المرضى، ومع الأيام كبرت، ولفتُّ الأنظار بجمالي ورشاقتي، وحرضني الجميع - بما فيهم أهلي – على التخلي عن حلم طفولتي، واستغلال جمالي في عمل يدر عليَّ بالربح المادي الكثير، والشهرة والأضواء، وكل ما يمكن أن تحلم فيه أية مراهقة، وتفعل المستحيل من أجل الوصول إليه.

وكان الطريق أمامي سهلاً - أو هكذا بدا لي - فسرعان ما عرفت طعم الشهرة، وغمرتني الهدايا الثمينة التي لم أكن أحلم باقتنائها.

ولكن كان الثمن غالياً... فكان يجب عليَّ أن أتجرد من إنسانيتي، وكان شرط النجاح والتألق أن أفقد حساسيتي وشعوري، وأتخلى عن حياتي التي تربيت عليها، وأفقد ذكائي، ولا أحاول فهم أي شيء غير حركات جسدي، و إيقاعات الموسيقى، كما كان عليً أن أحرم من جميع المأكولات اللذيذة، وأعيش على الفيتامينات الكيميائية والمقويات والمنشطات، وقبل كل ذلك أن أفقد مشاعري تجاه البشر.. لا أكره.. لا أحب.. لا أرفض أي شيء.

إن بيوت الأزياء جعلت مني مجرد صنم متحرك مهمته العبث بالقلوب والعقول.. فقد تعلمت كيف أكون باردة قاسية مغرورة فارغة من الداخل لا أكون سوى إطار يرتدي الملابس، فكنت جماداً يتحرك ويبتسم ولكنه لا يشعر، ولم أكن وحدي المطالبة بذلك، بل كلما تألقت العارضة في تجردها من بشريتها وآدميتها زاد قدرها في هذا العالم البارد.. أما إذا خالفت أياً من تعاليم الأزياء فتعرض نفسها لألوان العقوبات التي يدخل فيها الأذى النفسي والجسماني أيضاً!

وعشت أتجول في العالم عارضة لأحدث خطوط الموضة بكل ما فيها من تبرج وغرور ومجاراة لرغبات الشيطان في إبراز مفاتن المرأة دون خجل أو حياء ).

وتواصل (فابيان) حديثها فتقول: ( لم أكن أشعر بجمال الأزياء فوق جسدي المفرغ - إلا من الهواء والقسوة - بينما كنت أشعر بمهانة النظرات واحتقارهم لي شخصياً واحترامهم لما أرتديه.

كما كنت أسير وأتحرك.. وفي كل إيقاعاتي كانت تصاحبني كلمة ( لو ).. وقد علمت بعد إسلامي أن ( لو.. ) تفتح عمل الشيطان.. وقد كان ذلك صحيحاً، فكنا نحيا في عالم الرذيلة بكل أبعادها، والويل لمن تعترض عليها وتحاول الاكتفاء بعملها فقط ).

وعن تحولها المفاجئ من حياة لاهية عابثة إلى أخرى جادة تقول: ( كان ذلك أثناء رحلة لنا في بيروت المحطمة، حيث رأيت كيف يبني الناس هناك الفنادق والمنازل تحت قسوة المدافع، وشاهدت بعيني انهيار مستشفى للأطفال في بيروت ولم أكن وحدي، بل كان معي زميلاتي من أصنام البشر، وقد اكتفين بالنظر بلا مبالاة كعادتهن.

ولم أتمكن من مجاراتهن في ذلك.. فقد انقشعت عيني في تلك اللحظة غلالة الشهرة والمجد والحياة الزائفة التي كنت أعيشها، واندفعت نحو أشلاء الأطفال في محاولة لإنقاذ من بقي منهم على قيد الحياة.

ولم أعد إلى رفاقي في الفندق حيث تنتظرني الأضواء، وبدأت رحلتي نحو الإنسانية حتى وصلت إلى طريق النور وهو الإسلام.

وتركت بيروت وذهبت إلى باكستان، وعند الحدود الأفغانية عشت الحياة الحقيقية، وتعلمت كيف أكون إنسانة.

وقد مضى على وجودي هنا ثمانية أشهر قمت فيها بالمعاونة في رعاية الأسر التي تعاني من دمار الحروب، وأحببت الحياة معهم، فأحسنوا معاملتي.

وزاد اقتناعي بالإسلام ديناً ودستوراً للحياة من خلال معايشتي له، وحياتي مع الأسر الأفغانية والباكستانية، وأسلوبهم الملتزم في حياتهم اليومية، ثم بدأت في تعلم اللغة العربية، فهي لغة القرآن، وقد أحرزت في ذلك تقدماً ملموساً.

وبعد أن كنت أستمد نظام حياتي من صانعي الموضة في العالم أصبحت حياتي تسير تبعاً لمبادئ الإسلام وروحانياته ).

وتصف (فابيان) موقف بيوت الأزياء العالمية منها بعد هدايتها، وتؤكد أنها تتعرض لضغوط دنيوية مكثفة، فقد أرسلوا عروضاً بمضاعفة دخلها الشهري إلى ثلاثة أضعافه، فرفضت بإصرار.. فما كان منهم إلا أن أرسلوا إليها هدايا ثمينة لعلها تعود عن موقفها وترتد عن الإسلام..

وتمضي قائلة: ( ثم توقفوا عن إغرائي بالرجوع.. ولجأوا إلى محاولة تشويه صورتي أمام الأسر الأفغانية، فقاموا بنشر أغلفة المجلات التي كانت تتصدرها صوري السابقة أثناء عملي كعارضة للأزياء، وعلقوها في الطرقات كأنهم ينتقمون من توبتي، وحاولوا بذلك الوقيعة بيني وبين أهلي الجدد، ولكن خاب ظنهم والحمد لله ).

وتنظر (فابيان) إلى يديها وتقول: ( لم أكن أتوقع يوماً أن يدي المرفهة التي كنت أقضي وقتاً طويلاً في المحافظة على نعومتها سأقوم بتعريضها لهذه الأعمال الشاقة وسط الجبال، ولكن هذه المشقة زادت من نصاعة وطهارة يدي، وسيكون لها حسن الجزاء عند الله سبحانه وتعالى إن شاء الله ).

 

توبة الراقصة هالة الصافي

 

روت الفنانة الراقصة، المعروفة، هالة الصافي، قصة اعتزالها الفن وتوبتها والراحة النفسية التي وجدتها عندما عادت إلى بيتها وحياتها، وقالت بأسلوب مؤثر عبر لقاء صحفي معها:

( في أحد الأيام كنت أؤدي رقصة في أحد فنادق القاهرة المشهورة، شعرت وأنا أرقص بأنني عبارة عن جثة، دمية تتحرك بلا معنى، ولأول مرة أشعر بالخجل وأنا شبه عارية، أرقص أمام الرجال ووسط الكؤوس.

تركت المكان وأسرعت في هستريا حتى وصلت إلى حجرتي وارتديت ملابسي.

انتابني شعور لم أحسه طيلة حياتي مع الرقص الذي بدأته منذ كان عمري 15 سنة، فأسرعت لأتوضأ، وصليت، وساعتها شعرت لأول مرة بالسعادة والأمان، ومن ذلك اليوم ارتديت الحجاب على الرغم من كثرة العروض، وسخرية البعض.

أديت فريضة الحج، وقفت أبكي لعل الله يغفر لي الأيام السوداء.. ).

وتختم قصتها المؤثرة قائلة: ( هالة الصافي ماتت ودفن معها ماضيها، أما أنا فاسمي سهير عابدين، أم كريم، ربة بيت، أعيش مع ابني وزوجي، ترافقني دموع الندم على أيام قضيتها من عمري بعيداً عن خالقي الذي أعطاني كل شيء.

إنني الآن مولودة جديدة، أشعر بالراحة والأمان بعد أن كان القلق والحزن صديقي، بالرغم من الثراء والسهر واللهو ).

وتضيف: ( قضيت كل السنين الماضية صديقة للشيطان، لا أعرف سوى اللهو والرقص، كنت أعيش حياة كريهة حقيرة، كنت دائماً عصبية، والآن أشعر أنني مولودة جديدة، أشعر أنني في يد أمينة تحنو علي وتباركني، يد الله سبحانه وتعالى ).

 

توبة فتاة في روضة القرآن

 

أنا طالبة في المرحلة الثانوية، وكنت مغرمة بمشاهد (التلفزيون).. كنت لا أفارقه لحظة.. لا أترك مسلسلاً ولا برنامج أطفال ولا أغنية ولا تمثيلية إلا وأشاهدها، فإذا ما جاء برنامج ثقافي أو ديني فسرعان ما أغلق الجهاز، فتسألني أختي: لم فعلت ذلك؟! فأجيبها بخبث محتجة بكثرة الواجبات المدرسية والمنزلية، فتقول لي: الآن تذكرت الواجبات؟! أين كنت عند مشاهدتك لتلك المسلسلات والأغاني والبرامج التافهة؟! فلا أرد عليها.

أختي هذه كانت بعكسي تماماً.. منذ أن علمتها أمي الصلاة لم تتركها إلا لعذر، أما أنا فلا أحافظ عليها، بل لا أكاد أصليها إلا في الأسبوع مرة أو مرتين.

لقد كانت أختي تتجنب التلفاز بقدر الإمكان، وقد أحاطت نفسها بصديقات صالحات يساعدنها على فعل الخير، وقد بلغ من صلاحها أن خالتي لما أسقطت طفلها وهي في المستشفى وكانت في غيبوبة، رأت أختي وهي تلبس ملابس بيضاء جميلة وهي تطمئنها، فاستيقظت خالتي وهي سعيدة مطمئنة القلب.

كانت دائماً تذكرني بالله وتعظني، فلا أزداد إلا استكباراً وعناداً، بل كانت ساعات جلوسي أمام التلفاز تزداد يوماً بعد يوم، والتلفاز يتفنن في عرض أنواع المسلسلات التافهة والأفلام الهابطة، والأغاني الماجنة التي لم أدرك خطورتها إلا بعد أن هداني الله عز وجل، فله الحمد والشكر.

كنت أفعل ذلك كله وأنا في قرارة نفسي على يقين تام من أن ذلك حرام، وأن طريق الهداية واضح لمن أراد أن يسلكه، فكانت نفسي كثيراً ما تلومني، وضميري يعذبني بشدة، لا سيما وأن الأمر لم يكن مقتصراً على ارتكاب المعاصي بل تعداه إلى ترك الفرائض.. لذا، كنت دائماً أتجنب الجلوس بمفردي، حتى عندما أخلد إلى النوم والراحة فإني أحاول أن أشغل نفسي يكتاب أو مجلة حتى لا أدع مجالاً لتوبيخ النفس أو تأنيب الضمير.

وظللت على هذه الحال مدة خمس سنوات حتى كان ذلك اليوم الذي اختار الله لي فيه طريق الهداية.

كنا في إجازة نصف السنة، وأرادت أختي أن تلتحق بدورة في تحفيظ القرآن الكريم بإحدى الجمعيات الإسلامية، فعرضت عليَّ أن أذهب معها، فوافقت أمي ولكني رفضت.. بل رفضت بشدة، وأقمت الدنيا وأقعدتها، وقلت بأعلى صوتي: لا أريد الذهاب.. وكنت في قرارة نفسي عازمة على العكوف أمام ذلك الجهاز الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياتي العابثة.. فما لي ولحلقات تحفيظ القرآن..

 

حب الكتاب وحب ألحان الغناء *** في قلب عبدٍ ليس يجتمعان

 

وحضر أبي.. فشكوت له ما حدث، فقال: دعوها، ولا تجبروها على الذهاب واتركوها على راحتها.

وكانت لي عند أبي معزة خاصة لأني ابنته الوسطى فليس لي سوى أختي الكبرى، وأخي الذي يصغرني بكثير، وقد قال ذلك وهو يظن أني محافظة على صلاتي، ولم يكن يعلم بأن الأمر مختلف جداً.. صحيح أنني لم أكن أكذب عليه حينما يسألني (أصليت؟) فأقول: نعم.. فقد استطاعت أختي أن تخلصني من داء الكذب، ولكن كنت أقوم فأصلي أمامه عندما يكون موجوداً، فإذا ذهب إلى عمله تركت الصلاة، وكان أبي يمكث في عمله من 3 - 4 أيام.

وذات يوم، طلب مني أبي بلطف أن أرافق أختي ولو مرة واحدة، فإن أعجبني الحال وإلا فلتكن المرة الأولى والأخيرة، فوافقت لأني أحب أبي ولا أرد له طلباً.

وانطلقت إلى روضة القرآن...

وهناك.. رأيت وجوهاً متوضئة مشرقة بنور الإيمان، وأعيناً باكية لم تدمن النظر إلى الحرام مثل ما كنت أفعل؛ فتمالكني شعور فياض لا أستطيع له وصفاً.. شعور بالسعادة والرهبة، يخالطه إحساس بالندم والتوبة، وأحسست بأني قريبة من الله عز وجل، فرق قلبي، وانهمرت دموعي ندماً لعى الأوقات التي ضيعتها في غير مرضاة الله.. أمام شاشة التلفاز، أو في مجالس اللغو مع رفيقات السوء اللاتي لا هم لهن إلا القيل والقال.

كم كنت غافلة عن مثل هذه المجالس التي تحفها ملائكة الرحمن، وتتنزل على أهلها السكينة والرحمة والإيمان.

( لقد منّ الله عليّ بالحياة في ظلال القرآن فترة من الزمن، ذقت فيها من نعمته ما لم أذق قط في حياتي.. عشت في ظلال القرآن هادئة النفس، مطمئنة السريرة، قريرة الضمير، وانتهيت إلى يقين جازم حاسم أنه لا صلاح لهذه الأرض، ولا راحة لهذه البشرية، ولا طمأنينة لهذا الإنسان، ولا رفعة ولا بركة ولا طهارة.. إلا بالرجوع إلى الله.

إن الحياة في ظلال القرآن نعمة. نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه ). فما أروع العيش في ظلال القرآن.

نعم.. لقد هداني الله عز وجل، وقد كنت أبارزه بالعصيان، وأقدم ما يرضي نفسي على ما يرضيه سبحانه، وما يأمرني به الشيطان على ما يأمرني به الواحد الديان.

باختصار؛ لقد كنت غافلة فأيقظني القرآن.. إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيراً [الإسراء:9].

واليوم أتساءل:

كيف كنت سأقابل ربي لو لم يهدني.. حقاً إنني خجلة من نفسي، وقبل ذلك من ربي، وصدق القائل:

 

فيا عجباً كيف يعصى الإله *** أم كيف يجحده الجاحدُ

 

 

وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحدُ

 

أتوب إليك ربي، وأستغفرك، إنك أنت التواب الرحيم.

أختي الحبيبة: حلقات تحفيظ القرآن بانتظارك فلا تترددي في الالتحاق بها..

والله يحفظك ويرعاك.