النكوص

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : محمد عادل عبد الخالق | المصدر : www.awu-dam.org

عندما سمع أخت زوجته تبلغه على الهاتف نبأ مغادرة زوجته إلى الأرجنتين، هبط قلبه وكأنه سقط فجأة من علو شاهق. حاول بكل قواه أن يعرف المزيد إلا أنها رفضت بحزم إعطاء أية تفاصيل. اجتاحه دوار شديد، ولولا مساعدة صديقه أحمد الذي كان يرافقه إلى المكتب الخاص بالمكالمات الدولية لسقط على الأرض حتماً. خواء صحراوي يداهمه، وألم ضار يمزق معدته، وغثيان يقتلعها، وعرق يتصبب من كل أعضائه. كيف حدث هذا؟؟ إنه كابوس بالتأكيد، لا يصدق أن تسافر زوجته الأرجنتينية مع ابنتيهما إلى باريس لزيارة أختها المتزوجة هناك، ثم تغادر إلى الأرجنتين هكذا وبلا مبرر معقول. لقد هربت بالتأكيد ولن تعود. وافق على سفرها إلى باريس دون تردد، حملها الهدايا، ودعها في المطار دون أن يراوده أي شك في هروبها. صحيح أنها كانت تتمنى أن يهاجرا إلى الأرجنتين، ولكنها مجرد أمنية يبررها حب الوطن ويغذيها الشوق للأسرة والأقرباء والمحيط الذي شبت فيه. لم يخطر بباله ولو مرة واحدة منذ زواجهما -الذي مضى عليه عشر سنوات تقريباً- فكرة هروبها. كانت علاقتهما ممتازة، وفوق كل ذلك كانت تدرك مدى تعلقه بابنتيه رنيم التي لم تتجاوز بعد ربيعها السابع، ورند التي تجاوزت ربيعها الأول بقليل، وكانت كثيراً ما تردد أمام أهله وأصدقائه: لم أر في حياتي أباً حنوناً مثل زوجي، إنه مجنون بحب ابنتيه. وغالباً ما كانت تعلق عندما تضيق ذرعاً باهتمامه البالغ بإحداهما: إني أتساءل، مجرد تساؤل، ماذا سيحل بكَ إذا أصيبت - لا سمح الله-إحداهما بمكروه؟ إني أتصور أن كارثة ماحقة ستحل بك، وأن العالم سينهار أمام عينيك دفعة واحدة. نعم لقد انهار العالم في عينيه الآن.

ينتبه أحمد الذي عقلت الأخبار لسانه إلى أنهما منذ أن غادرا المكتب لم يتبادلا كلمة واحدة، فيحاول كسر جليد الصمت:‏

-أنا معك يا محسن الموقف صعب بالفعل، ولكن لماذا تتصور ذهابها هروباً؟ قد تكون زيارة قصيرة ثم تعود. أرجوك لا تتسرع في الحكم.‏

لا يجيب، يبقى صامتاً، فيضيف أحمد:‏

-في رأيي، لقد فشل مخططك في الذهاب إلى بيتك هذه الليلة، أرجو أن تعود إلى بيت أهلك، ما رأيك؟؟‏

يرد محسن بصوت خفيض:‏

-معك الحق، معك الحق.‏

إنه بالفعل لا يجرؤ على دخول البيت لوحده، فلقد تحول فجأة إلى أطلال تعوي فيها الرياح وتستوطنها أشباح مرعبة. كانت الشوارع خالية تقريباً من المارة، فالليل قد انتصف وأمطار خفيفة قد بدأت بالهطول، ودع أحمد الذي أصبح بيته قريباً جداً واستقل سيارة خاصة قاصداً بيت أهله. وفي الطريق خطرت على باله فكرة الذهاب إلى بيته للتأكد من وجود الأوراق الثبوتية والوثائق الخاصة بزوجته، ففي ذلك دليل قاطع على الحقيقة، يطلب من السائق تغيير الاتجاه. لا بد من أن يقطع الشك باليقين. تمنحه الفكرة بعض النشاط ويستعيد توازنه، وينبعث بصيص من أمل. يستحيل أن تهرب، لقد أحبها من كل قلبه وأحبته إلى حد الجنون، وتزوجها خلال دراستهما المشتركة في بلد كلاهما غريب عليه، وزادت الأيام من لحمة علاقتهما ومهرتها الطبيعة بميلاد رنيم ورند.. لا.. لا يمكن أن تهرب. وحينما دخل البيت داهمه خوف شديد لم يعرف كنهه وأحس ببرودة رؤوس أصابعه رغم أن الربيع قد اكتسح أخيراً كل مواقع الشتاء. ظلام كثيف يجثم في البيت وصمت ثقيل يغمره، شيء واحد ينعش روحه الكسيرة، رائحة البنتين التي تخيلها منثورة في كل ركن، يضيء مصباح الصالون، يتجه مباشرة إلى درج الطاولة الذي اعتادت زوجته أن تحتفظ فيه بكل الوثائق الهامة. يفتح الدرج، يصعق، لا يجد ولو ورقة واحدة، أخذت كل شيء، جميع شهاداتها بل وأكثر من ذلك، كل الوثائق المتعلقة برنيم ورند، لقد كانت خطة الهروب محكمة. يترنح، يشعر بأنه على وشك الإغماء، يهبط على كرسي قريب، يمسك جبينه بقوة كأنه يحاول أن يمنع عظام جمجمته من الانفجار. لقد هربت بالفعل وضاع كل أمل.‏

ومضت في ذهنه فكرة الفراق الأبدي، داهمته مشاعر غريبة كتلك التي تسبق نوبات الجنون، نوبات الانفصال عن الواقع، واختلطت في ذهنه شتى الصور والأفكار والأحاسيس. وكدفاع عن قواه العقلية يحلم برؤية رنيم ورند ولو بعد سنين، وتمتلئ نفسه كرهاً لزوجته، لقد خدعته وسلبته أجمل ما في حياته هكذا ظلماً وعدواناً.‏

ينهض عن الكرسي، يضيء مصابيح جميع الغرف، تستطلع عيناه كل الجدران والزوايا، ثم يدخل غرفة الصغيرتين، تتعلق عيناه بدفتر رنيم المفتوح على طاولتها الصغيرة بالقرب من سريرها، لقد كانت تكتب وظيفتها قبيل السفر، ثم يرى حذاء رند الملون فيأخذه بين يديه بحنان متخيلاً أنه يداعب قدميها، ويتحسس -والدموع تتقاطر من عينيه -سرير كل منهما، ويشم ويضم وسادتيهما، تهاجمه مرة أخرى مشاعر الفقد والشوق فيكاد أن يتمزق، يكاد أن يفقد عقله، يترك كل شيء على حاله ويهرب من البيت بسرعة. وفي الطريق إلى بيت أهله يحس بحاجة ماسة إلى أمه. فرغم أنه تجاوز الثلاثين من العمر، يسيطر عليه شوق طاغ لحضن أمه، يريد أن تعانقه، أن تضمه إلى صدرها. وعندما يفتح الباب، يسمع أمه تخاطبه بصوت متقطع، وهي تحاول النهوض من سريرها:‏

-تأخرت يا محسن، لقد قلقت عليك جداً‏

ثم تقترب منه والدموع في عينيها، لم يعرف أنها اتصلت بصديقه أحمد هاتفياً، وعرفت منه كل شيء. تأخذه بين ذراعيها، تضمه بقوة فيستسلم لها كطفل صغير وينفجر في بكاء رهيب.‏