الاستثناء

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : محمد عادل عبد الخالق | المصدر : www.awu-dam.org

استيقظت مساءً بعد قيلولة طويلة. كان جو آب حاراً لاهباً. أخذت حماماً سريعاً، وارتديت ملابسي، وخرجت إلى الصالون. لم أجد أحداً، بيت الضيافة صامت، وكأنه يغط في نوم عميق. كان أملي أن أراها، ساورني إحساس قوي بعد استيقاظي بأنها في انتظاري. هل ما زالت في غرفتها، أو أنها غادرت بصورة مؤقتة، أو إلى غير رجعة؟؟ وقد كشف لي هذا التساؤل غفلتي عن معرفة مدة إقامتها هنا. وبالفعل لم يخطر ببالي أن أسألها عن هذا الموضوع خلال اليومين الماضيين من تعارفنا. وبدأتُ أتساءل: لماذا كل هذا الاهتمام بامرأة جمعتني بها الصدف في بيت ضيافة ينزل فيه موظفو عدة مؤسسات حينما يقومون بمهام رسمية في العاصمة؟ إني لا أعرف سهام سابقا،ً ولا أعرف المؤسسة التي تعمل فيها، فهل تعارفنا خلال هذه الفترة القصيرة كافٍ لتبرير كل هذا الاهتمام؟ رأيتها أول البارحة- بعد نزولي في بيت الضيافة بساعات- جالسة في الصالون لوحدها. كانت تقلب صفحات عمل روائي قرأته منذ فترة، إذ عرفته مباشرة من طبعته المميزة. ألقيتُ تحية المساء، وجلست قبالتها. انطلقت عيناي كنحلتين تحومان حول شعرها الأسود الفاحم وعينيها الكبيرتين وشفتيها المكتنزتين المشربتين بحمرة طبيعية. كان صدرها مثقلاً بثماره، وساقاها يلمعان من شدة البياض، وجسدها مائلاً إلى الامتلاء قليلاً. قلتُ لها بعد لحظات: -يسرني أن نتعرف على بعضنا إذا كنتِ لا تمانعين.‏

ردت وهي تغلق الكتاب وبشيء من الارتباك: -لا، أبداً‏

-فاضل العادل‏

-سهام الطل.‏

ثم أردفت وفي عينيها رغبة في الحديث: - هل تحب القراءة؟‏

أجبتها، وأنا مأخوذ بعذوبة صوتها وسحر عينيها:‏

-في رأيي، القراءة أهم مصدر للثقافة.‏

-هذا صحيح، صحيح جداً.‏

ثم أضافت بحماس معقبة: -القراءة حاجة أساسية في حياة الإنسان سواء أكان رجلاً أم امرأة، إنها في كل الأحوال ليست أمراً كمالياً.‏

وتابعت شرح وجهة نظرها وكأنها تحاضر.‏

تحولتُ كلي إلى آذان صاغية، وسرعان ما تنامى إعجابي بثقافتها وحضورها، رغم أنه لم يمضِ على تعارفنا ساعة واحدة تقريباً. تابعنا الحوار في موضوعات عديدة، كنا نتفق في كثير من النقاط، وقد ساعدنا هذا الاتفاق على رفع الكلفة شيئاً فشيئاً. بعد فترة سألتني بلهجة ودودة: -سيد فاضل، ما رأيك بفنجان من القهوة.‏

-هذا لطف منكِ لن أنساه.‏

احتسينا القهوة وكأننا صديقان منذ سنوات، وقبل انتهاء جلستنا بقليل شاركنا الصالون نزيلان جديدان لم يدر بيننا وبينهما سوى تحية المساء، ثم اقتربت مني بعد أن وقفت، وبصوت خفيض قالت لي: -سامحني لقد جعت، لا بد من الذهاب إلى مطعم. أجبتها بصوت هامس وقد شجعتني جسور الود التي امتدت بيننا: ما رأيك أن نذهب معاً؟‏

وافقت مباشرة‏

جلسنا في ركن هادئ بمطعم "العاصمة". حدثتني عن حياتها بصدق يدعو للإعجاب، عرفت أنها مطلقة منذ سنوات، لم تنجب، ليس لأنها عقيم، ولكن لإحساسها أن اختيارها كان خطأ قاتلاً. كان حديثها يتدفق كشلال غزير، ويكشف عن ولع بالتحليل وعقلنة الأمور إلى حد مدهش. لم ترفض الإجابة عن أي سؤال، حتى ولو كان يمس أدق خصوصياتها. قلت لها ورغبة جامحة تدفعني للتعرف على مشاعرها الحالية: -سؤال أخير يا سهام، ألم تحبي بعد طلاقك؟‏

-لا، لم يحدث ذلك، إن التجربة الأولى يجب أن لا تعاد، كنت صغيرة السن والخبرة، أما الآن فالأمور مختلفة.‏

تكرر العشاء البارحة. وعلى المائدة حدثتها عن حياتي، عن تجاربي، عن علاقتي بنجود - رحمها الله- التي كانت أجمل قصة حب في حياتي. كانت تصغي بانتباه شديد، تعلق باقتضاب، وتتدخل بذكاء. وقبل أن أنهي حديثي، قالت بروح مفعمة بمشاعر الود: -خلال حديثك هناك تلميحات كثيرة عن الحب والجنس، لا بد أن يكون لك رؤية في هذا الموضوع، فهل لي أن أعرف وجهة نظرك وبالتفصيل؟‏

أجبتها بلهجة مازحة: -أمرك سيدتي ولكن بدون تفاصيل، بتركيز شديد.‏

-موافقة.‏

-إني أرى يا سهام أن الحب ليس الجنس كما قد يتصور البعض. ممارسة الجنس صفة عامة لكل الكائنات الحية بما فيها النوع الإنساني، أما الحب فصفة خاصة بالنوع الإنساني، أقصد بأرقى الكائنات الحية. الجنس لذة عابرة، أما الحب فنشوة دائمة، نشوة يتحول من خلالها الجنس إلى طقس جميل، إلى ضرب من ضروب العبادة التي تشبع حاجاتنا العضوية والروحية معاً. متعة الجنس عمرها قصير، إنها كالنيازك تضيء وهي تتلاشى، أما الحب فضوء شمس لا تغيب أبداً. كما أزعم بأن ممارسة الجنس دون حب عمل بهيمي، حتى ولو كانت تلك الممارسة ضمن إطار مشروع. فإذا كان الجنس شاهداً على أننا كائنات حية، فالحب شاهد على أننا كائنات اجتماعية، كائنات عاقلة لا تحقق وجودها إلا من خلال العطاء، التفاهم واحترام الجنس الآخر كند. هذا رأيي يا سهام، فهل لبيتُ الطلب يا سيدتي؟؟‏

ردت وبسمة عريضة حلوة تنتثر على وجهها الشهي وبلهجة مسرحية مرحة قالت: -أشكرك يا مولاي شرحت فأفضت.‏

ثم ضحكنا معاً.‏

لا بد أن أعترف، لقد أسرتني سهام بشخصيتها الناضجة وثقافتها الواسعة وأنوثتها المتفجرة.‏

مرّ وقت طويل ثقيل ولم تظهر سهام، بدأ القلق يتنامى في داخلي، لا يمكن أن تغادر دون أن تقول كلمة وداع، هذا مؤكد فأين هي الآن؟‏

والغريب أن بيت الضيافة على عكس اليومين الماضيين هادئ تماماً، وكأن ليس هناك نزلاء هذا اليوم، وإلا فلماذا لم يأتِ أحد منهم إلى الصالون حيث يجلس الجميع بعد خروجهم من غرف النوم لمشاهدة البرامج التلفزيونية؟‏

وحوالي الساعة التاسعة دُق جرس بيت الضيافة. هرعت لفتح الباب فإذا بي أمام سهام وبسمتها المثيرة تعلو وجهها الشهي.‏

قالت لي: طبعاً لوحدك؟‏

-كيف عرفت ذلك؟‏

تابعت متجاهلة سؤالي: -بيت الضيافة لنا هذه الليلة، ليس هناك نزلاء، صدفة غريبة.‏

قلت لها مندهشاً: - هل أنتِ متأكدة؟‏

-نعم متأكدة جداً، أبلغني ذلك موظف الاستقبال.‏

قالت ذلك وهي تقرب وجهها من وجهي بحركة عفوية، وشعرتُ وكأنها تريد أن تقول شيئاً ثم غيرت رأيها فجأة. اتجهت إلى المطبخ، كانت تحمل أكياساً عديدة، عرضتُ مساعدتي فاعتذرت وطلبت مني البقاء في الصالون. بعد قليل جاءت وهي تحمل بعض أطباق الطعام الذي أحضرته معها، استمرت في نقل الأطباق رافضة مساعدتي بحزم.‏

ازدحم رأسي بالتساؤلات والتحليلات، ماذا يعني كل ذلك؟ إنها سعيدة جداً وإن كانت تحاول إخفاء مشاعرها الحقيقية كما بدا لي. وقلتُ بيني وبين نفسي: أن لا تشعر بالقلق من وجودنا معاً وحيدين فذلك مقبول ومبرر، فلقد تعارفنا خلال اليومين الماضيين، وتوطدت أواصر الصداقة فيما بيننا، فضلاً عن أن كلاً منا قد تجاوز الثلاثين من العمر كما يبدو بوضوح، لكن السؤال الأهم: ما هو مبرر هذا الفرح المفاجئ، خاصة وقد ارتبط ببقائنا وحيدين؟ لم أستطع الوصول إلى جواب مقنع، وإن بدأت تتسرب إلى ذهني تصورات يتوق لها القلب منذ سنين. وأخيراً جلست، حدقت في عيني وقالت وكأننا عاشقان منذ الأزل: -أرجو أن تكون الوجبة ملائمة لذوقك.‏

-الأكل متعة حسية بلا شك، ولكن لكل متعة في حياة الإنسان جانباً روحياً يزيد في لذتها. توقفتُ قليلاً ثم أردفتُ بجرأة: -وجودكِ كافٍ ليجعل هذه الوجبة أكثر من رائعة.‏

ضحكتْ وقالتْ لي وهي تصارع شيئاً في داخلها: -هل أنت سعيد بخلوتنا؟؟‏

أجبتُ بعفوية: -أكثر مما تتصورين.‏

ثم قالت وهي تهم بالوقوف: -إني أفضل أن أرتدي فستان النوم، أريد أن أرتاح، هل عندك مانع؟‏

أجبتها: أبداً، تصرفي كما يحلو لكِ.‏

ذهبت إلى غرفة نومها، تلاحق المفاجآت شلّ قدرتي على المحاكمة. لم أستطع أن أفهم تصرفات سهام منذ عودتها إلى بيت الضيافة، كانت محيرة غريبة، تصرفات لم أتوقعها مطلقاً، وتساءلت في سري هل هناك مخاض يسير لولادة حب فيما بيننا؟؟‏

بعد دقائق عادت وكانت أشبه بعروس في ليلة زفافها. سرى خدر لذيذ في خلايا جسدي. كان فستان نومها القصيرلوحة فنية تستر جزءاً من صدرها وفخذيها، وما عدا ذلك كان عارياً كأروع ما يكون عري المرأة. عيناها لا تفارقان عينيّ وبسمات عذبة تقطر من وجهها. قالت لي وهي ما زالت واقفة:- هل أعجبتك، رجاءً بلا مجاملة؟‏

أجبتها بصوت مثقل باللذة: - أية مجاملة يا سهام، أنت فاتنة بحق.‏

علقت وهي تهم بالجلوس: -إذاً لقد نجحتُ في الحصول على إعجابك؟‏

أجبتُ وقد انتبابتني رعشة خفيفة رافقها جفاف في الحلق: - جسداً وروحاً.‏

جلست قبالتي وقد علا الدم وجنتيها وتهدلت شفتها السفلى وذبلت عيناها بشكل مثير. أصيبت عيناي بالجنون، كانتا تحومان حول شفتيها العطشتين للقبل، حول إبطيها المزروعين بزغب طبيعي خفيف، حول برعمي نهديها المرسومين على الفستان، حول فخذيها الناعمين البيضاوين.‏

كنت أسمع هدير الدم في عروقي وقد اجتاحني إعصار صعب عليّ مقاومته، شعرت بأن أجدادي كلهم يصهلون في جسدي، كل المحرومين من المرأة يتسابقون في عيني. أنّى لي أن أحتمل كل هذا العطاء المفاجئ؟‏

طلبتْ مني أن نبدأ العشاء.‏

هدأ الإعصار قليلاً وتظاهرت بالأكل، وبدأت تحدثني عن الاستثناء والقاعدة، لم أفهم ولم أحاول أن أفهم ولم يخطر ببالي حتى السؤال عن أسباب إثارة هذا الموضوع وفي هذا الوقت بالذات. وبعد قليل أسندت ظهرها على المقعد، فانزاح فستان نومها عن مرابض الفتنة. أحسست عندها بقطيع من الثيران الهائجة يقذفني، ضممتها بعنف، قبلتها بشراهة، شممت رائحة جسدها المثيرة، تحسست تضاريس مساكبها وأحراشها وغاباتها، لم تقاوم، كانت تنتظر ذلك بفارغ الصبر. لقد تحولتْ إلى حيوان جميل في موسم شبقه. بدأ جسدها يتبلل بقطرات العرق التي أضاءت بساتينها، كما تضيء حبات المطر مسكبة ورد جوري بعد اغتسالها حديثاً. قالت لي بعد ساعات وهي مسترخية على ذراعي، وجسدها العاري بكل ثماره ما زال مثيراً بضاً ناعماً ودافئاً:‏

-لا بد أن ننام قليلاً.‏

قبلتها وأنا أهم بالذهاب إلى غرفتي، وقد راعني أن أرى دموعها تنهمر من عينيها الجميلتين. داهمني إحساس غامر بالذنب، وتسمرت في مكاني وأنا أقول لها بقلب مفعم بمشاعر الحب المجنونة:‏

-سهام إني أعتذر إذا أسأتُ لكِ.‏

بسمة وديعة غمرت وجهها، كما تغمر الشمس سماء الربيع التي غسلتها الأمطار، وأجابتني بحنان:‏

-لا، لا يا فاضل لا تفهمني خطأ، هذا موضوع ليس وقته الآن. اطمئن أنا سعيدة، سعيدة جداً بالفعل. اذهب الآن ونم، فأنت بحاجة لبعض الراحة.‏

استلقيت في غرفتي، لم أفكر بشيء. كان شعور الارتواء والإحساس بإنسانيتي شعوراً طاغياً.‏

نمت مباشرة واستيقظت حوالي الساعة الثانية ظهراً، خرجتُ إلى الصالون فلم أر سهام، اتجهت إلى غرفتها. كان الباب مفتوحاً وليس في الغرفة أحد، عندها هرعت إلى مكتب الاستقبال، كان الموظف يهم بالانصراف، سألته عن سهام دون أي مقدمات، أجابني وعلى وجهه ارتسمت علائم الدهشة: -سهام؟؟ لقد سافرتْ الساعة العاشرة إلى كندا، وبصورة أدق، لقد هاجرت إلى كندا، مضى عليها أربعة أيام في انتظار الطائرة.‏

اعترضتُ دون وعي وكأني مسؤول عن بيت الضيافة:‏

-كيف نزلتْ في بيت الضيافة وهي ليست موظفة على رأس عملها؟‏

-لقد كانت موظفة، ولكنها استقالت منذ فترة قصيرة، الشركة التي كانت تعمل فيها استضافتها هذه الأيام القليلة، هذا أمر طبيعي كما أرى.‏

عدتُ إلى غرفتي وقد صدمتني هذه الأخبار. كيف غادرت دون كلمة وداع. هل هذا معقول، هل هذا مقبول؟؟ عندها هاجمتني نوبة كآبة قاتلة. هبطت على طرف السرير وأنا مثقل بأحزان لا تعادلها سوى الأحزان التي عصفت بي بعد موت نجود..‏

ألقيت نظرة على المنبه، كانت الثانية والربع، ثم استرعى انتباهي مظروف موضوع تحت المنبه. أخذته فوراً. كان مفتوحاً، رسالة قصيرة من سهام، لم أر في البداية شيئاً، تسارعت ضربات قلبي ثم هدأتُ نفسي محاولاً أن أقرأ وأن أستوعب:‏

"حبيبي فاضل‏

حينما ستقرأ هذه الكلمات أكون في طائرتي وصورتك لا تفارقني، أنا متأكدة من ذلك. ما حدث بيننا هو الاستثناء، ولكن ولكي لا أتفلسف طويلاً، إني أرى أن الاستثناء هو القاعدة في ظروف غاية في الخصوصية، إنه ليس أمراً شاذاً أو سلبياً على الدوام، إنه فريد الحدوث ولكنه ليس مستحيل الحدوث. أحببتك، نعم أحببتك من قلبي خلال تلك الأيام القليلة. إن ما قمنا به عملٌ مشروعٌ تماماً، حد أدنى وفق نظريتك، أليس كذلك؟ صدقني إنها المرة الأولى في حياتي التي أمنح فيها جسدي بهذه الدرجة من الشرعية والجرأة. الظروف التي فرضت عليّ الهجرة قاهرة، يصعب عليّ تغييرها، لقد كانت نجود حبك الأول وسهام حبك الثاني، هل أقول إلى اللقاء؟‏

أقبلك بحرارة".‏

طويتُ الرسالة بعد أن قرأتها عدة مرات ثم استلقيت على سريري وأنا أستعيد دقائق هذه العلاقة القصيرة مع سهام، ثم قلتُ لنفسي والأسى يعتصرني:‏

-لا أعتقد أن قصة الحب هذه، نعم قصة الحب، قد تتكرر في حياتي مرة أخرى، إنها الاستثناء فعلاً.‏