قصة حب

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : علي عبد الأمير صالح | المصدر : www.awu-dam.org

 

نزلت إلى البحر.كان هادئاً ورائعاً. قلّبت صفحات ديوانها المفضل. سألته: "ماذا تقرأ؟"..‏

كان جالساً على كرسي بمسندين. رفع رأسه وأجاب:"الروماتيزم."..

خلعتْ بلوزتها الصوفية. ووضعت أسطوانتها الأثيرة. تصاعد اللحن خفيفاً عذباً.‏

كان يجلس خلف مكتب يستقر فوقه مصباح يرسل ضياءً أبيض.‏

سألت: "ماذا تطالع؟"..‏

رد دون أن يرفع رأسه عن الكتاب: "سرطان المعدة.".‏

أوقظته في الفجر الأبيض البهيج، قالت: "أتسمع صوته اللطيف؟ إنه يزقزق قرب نافذتنا كل صباح.".‏

قال باقتضاب شديد: "نعم.."..‏

كان يفكر بقائمة العمليات الجراحية لذلك اليوم.‏

ارتدت ملابسها. رتبت شعرها ببطء. صبغت شفتيها بالأحمر. تعطرت. لبستْ قلادةً جميلةً. تحتفظ بها من أيام المدرسة الداخلية. وضعت قرطين حمراوين في أذنيها. ألقتْ الشال الكشميري الوردي على كتفيها. وقفتْ أمام مرآة الزينة. هي الآن في كامل زينتها.‏

ابتدرتْ قائلةً: "هناك فرقة بلغارية تقدم عروضها في إحدى القاعات هل تأتِ يازوجي العزيز؟".‏

قال: قد يبعثون في طلبي من المستشفى..".‏

قالت: "سأذهب وحدي، إذاً"..‏

قال الجراح الموهوب: بعد صمت قصير: "اذهبي مع صديقتك لوسي إن شئتِ..".‏

شرب زجاجتي بيرة، شربتْ كأسين عصير برتقال. تحدثت عن مشروع رحلة الى وادي الدوردون. تحدث عن الأشعة السينية. حين بدأت الجوقة تعزف موسيقى الليل الراقصة، لمستْ يده وهمستْ:"مارأيك لو نرقص؟".. ظل صامتاً.ظهر أزواج من الشبان والشابات، بدا عليهم الانسجام والمودة والعنفوان.‏

قالت مشجعةً: "إنه مساء لطيف. لنرقص معاً".‏

قال: "أنا جراح متميز وطبيب معروف".‏

دفع قائمة الحساب وقاد زوجته إلى الشارع.‏

كانا يشاهدان فيلماً سينمائياً تظهر فيه ليف أولمان، شعر بالنعاس. تثاءب. قال: "عندنا غداً مؤتمر طبي.". ذهب إلى الفراش. شاهدتْ بقية الفيلم وحدها. لبست قميص النوم ومضت إلى السرير، تمنتْ لمسة حانية. أغمضت عينيها. شاهدت رجلاً وسيماً. يقبل امرأة موردة الخدين، تحت ظل شجرة في ركن حديقة.‏

شاهدها بصحبة شاب وسيم في حوالي الخامسة والعشرين. طويل. ذو عينين زرقاوين، تبدو عليه الحيوية والمرح. تملكه الغضب، صرخ: "كيف تجرؤين على تكوين العلاقات مع الشبان دون علمي؟ هذا خرق لتقاليد الأسرة.."، لم تنبسْ. زعق من جديد: "متى تعرفتِ إليه؟"... قالت: "في اليوم الذي كنتَ تكتب فيه بحثاً عن التهاب الزائدة الدودية."، سأل بنبرة لا تخلو من الحزن والغضب: "وهل اصطحبك إلى البحر؟"، أجابت بتحدٍ:"نعم. ذهبت معه. استمتعنا بالمياه الباردة والنسيم الطري و الموسيقى الناعمة. فرشنا المناديل على الرمل الندي وأكلنا اللحم المشوي.". سألها: "متى جرى ذلك؟".. ردت: "في يوم خفارتك الأسبوعية.". هو (بأسى وحنق): "أرقصتما في نادي التأس؟"، هزت هي رأسها بالإيجاب. هو: "متى كان ذلك؟".. هي: في مساء الاثنين حين كنتَ منهمكاً في أبحاثك المخبرية على الفئران".‏

هو: "ماذا يعمل هذا الصبي المراهق؟".‏

هي: "إنه شاب لطيف عذب الحديث.".‏

هو(بسخرية): " وماهي مؤهلات هذا الشاب اللطيف؟".‏

هي: "إنه يطالع الشعر. يقول إن الشعر بالنسبة له كالملح في الطعام،‏

شاعره المفضل أرثور رامبو"‏

هو: "وماذا أيضاً؟..".‏

هي: " يسمع موسيقى بتهوفن".‏

هو: "وماذا أيضاً؟".‏

هي: "يدخن تبغاً كوبياً".‏

هو(بنبرة ترشح بالازدراء): " ياسلام!.. إذاً هو شاب رائع حقاً. وأي المشروبات يفضل ياترى؟"....‏

هي: "إنه يفضل البراندي.".‏

هو: "وهل تعلمين ياعزيزتي إن هذا الشاب الظريف الرائع سرعان ما يهجرك ليجد عشيقةً أخرى. أغلب الفنانين يبدلون زوجاتهم وعشيقاتهم...إذ تبهرهم كل نجمة جديدة، فيهرعون إليها لاهثين: اكتشف روجيه فاديم الحسناء بريجيت باردو وتزوجها لكنه سرعان ماتخلى عنها.".‏

هي: " وما أدراك ياعزيزي إنه فنان.".‏

هو: "تبدو على وجهه إمارات الموهبة الفنية. كما أن صديقي جاك أخبرني بأن لك علاقة مع شاب من الوسط الفني".‏

هو: "أين يعمل هذا الأحمق المغرور؟"..‏

هي: "قلت لك إنه ليس أحمقاً.ولم تتكلم عنه بهذه النغمة؟".‏

هو (بحدة): "ماذا يعمل؟ أجيبي.".‏

هي(بعد تردد قصير): "في السيرك".‏

هو (بهزء): "في السيرك؟! وتقولين ليس أحمقاً؟! هل هو مدرب أسود؟.. هل روضك مثلما يروّض نمرةً رقطاء؟"..‏

هي: "لا تتلكم هكذا، أرجوك.".‏

هو: "كيف تعرفتِ إليه؟".‏

هي: "لي صديقة من أيام المدرسة الداخلية تعمل في السيرك. وفي ذلك اليوم الذي كنتَ تكتبَ فيه بحثاً عن التهاب الزائدة الدودية التقيتها صدفةً عند حانوت لبيع الحلوى. تعرف إنني خرجتُ ذلك المساء غاضبةً لأنك لم تدنُ مني. كنتُ أعاني من زكام بسيط، أتذكر جيداً؟ تكلمتَ حينها عن الفيروسات. إذاً، عانقتُ صديقتي بحرارة. صحبتها إلى المسرح. عرفتني إليه قالت: إن فرقتهم زارت ألمانيا وهولندا وسويسرا ولبنان. إنهم يتبعون أنظمةً قاسيةً في تناول الأطعمة للحفاظ على رشاقة الأبدان وجمالها".‏

هو (بحنق من جديد): "هراء!.. ليذهبوا إلى الشيطان، هم ورشاقة أبدانهم."..‏

حل صمت.‏

هي: "لا يجدر بك أن تستخف بالآخرين. نالت فرقتهم إعجاب وتقدير جمهور النظارة على مدى أربعة أعوام متواصلة".‏

في اليوم التالي قررا الانفصال، ذهبت لصديقها الشاب المرح. عرضت عليه طلب الانتماء إلى فريق السرك.‏

صارت تتدرب ثماني ساعات يومياً.‏

صارت تمارس التمارين الرياضية. وتلعب التنس كل مساء. تخلصتْ من الالتهابات والأورام والاضطرابات الهورمونية.‏

صارت تتبع نظاماً غذائياً. قاسياً. أمستْ رشيقةً. وبعد مرور عام كامل برزت إلى الجمهور. وراحت تنط هنا وهناك مثل كرة من الكاوتشوك. وفي ذلك اليوم كتبتْ إحدى صحف المساء. "إن هذه الشابة التي يدعوها زملاؤها كاترين السعيدة منحتْ الفريق زخماً جديداً".‏

كانت بمنتهى الفرح والنشوة بعد انتهاء العرض الأول. قالت لصديقها بحماسةٍ:"أشعر الآن بأنني في غاية السعادة. أنا أسعد مخلوق في الأرض.".‏

طاف فريقهم عواصم عدة.‏

قررت الزواج بالشاب المرح.‏

في حفلة الزواج بدتْ آيةً في الجمال والروعة بثوب زفافها الأبيض وإكليل الزهر في حضنها. همست بمرح لعريسها الوسيم:" أتدري يا حبيبي أنه لولا الزائدة الدودية لماتم أول لقاء بيننا. ولولا فئران التجارب لما تمكنا من الرقص في نادي التأس. كان زوجي الأول شغوفاً بالقراءة والبحوث.".‏

قرعتْ الكؤوس المترعة بالشمبانيا وشرب المدعوون النخب.‏

وفي غرفةٍ على ضفاف السين ذابت الشفاه في قبلة طويلة