نهاية.. مجير الدخيل

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : محمد نديم | المصدر : www.awu-dam.org

كانت الليلة، شديدة البرودة. بعد يومين، من المطر المستمر. زجاج النافذة الشمالية، الصغيرة. كان يغشاه البخار، البارد. رغم أن عواده، هذه الليلة، لم يزيدوا، عن أربعة، وقد غادروه، منذ قليل.‏

حرك بقايا (الوقيد) في (الكانون) فتطاير بعض الشرر. ثم أخذت النار، تخبو، مجدداً. دس (دلة) القهوة، عميقاً، بين الرماد، وهو يشمل المضافة، الطويلة، العريضة، بنظرة حزينة، في الماضي، كانت جهاتها الثلاث، تضيق بالساهرين.. ماذا جرى للناس. إنهم ينامون، مع أغنامهم، في وقت واحد.‏

وقف، وهو يتمطى. أراد أن ينادي، على إحدى البنات، كي (تفرش) له. لكنه قدر، أن الوقت، قد جاوز، منتصف الليل. والنوم يحلو، في هذا الوقت. فسحب، لحافاً ووسادة، من (المطوى) القريب ورماهما، على جلود الخواريف، التي كان يجلس عليها. مضيفا إليها، فروته السميكة. التي لم تكن تنزل، عن كتفيه اللذين أصابهما، الوهن.‏

سحب الدالة. وملأ فنجانه الخاص، الكبير. وراح يحسو القهوة، على مهل. وهو يودع آخر (سيجارة) ملفوفة.‏

وعندما اندس، مع فروته، داخل اللحاف. بعد أن رمى (العقال) ولف (المحرمة) حول رأسه جيداً، تناهت إليه أصوات جلبة، في الخارج. جلس في فراشه، بعد أن أزاح اللحاف، وهو ينصت. زادت الجلبة خارجاً، بعد أن أخذ يرافقها، نباح الكلاب. انتصب واقفاً، وهو يسحب مسدسه، الجاهز، من تحت الوسادة. فكر، وهو يطفئ المصباح الكهربائي، إلى جانبه.. المضافة تطل مباشرة، على الحوش الكبيرة. التي لا باب لها.‏

وإنما مدخل عريض، من خلال السور الواطئ. ولكن.. من يجرؤ على سرقة، الشيخ (مجير) تبسم، وهو يدير رأسه، خلال المضافة. ولما وجد عينيه قد بدأتا التعود على الظلام. تقدم إلى الباب. ورفع (السقاطة) وصاح، من خلال درفة الباب، الموارب:‏

- من هناك..‏

جاءه صوت، مرتجف، يخنقه اللهاث:‏

- أنا دخيل عليك، يا شيخ مجير..‏

فتح الباب، على سعته، وسحب الرجل، الذي كان ملتصقاً بدرفة الباب المغلقة.‏

وعندما صار الرجل، بالداخل، مد الشيخ رأسه، إلى الخارج. فأصابت وجهه، زخة مطر، باردة. لكنه رفع يده، عالياً، بالمسدس، وأطلق عدة رصاصات بالهواء، وعاد إلى الداخل.‏

وبعد أن أغلق الباب. سعى إلى زر الكهرباء. وعندما أضيئت الغرفة، مجدداً. نظر إلى الرجل، الذي كان يقف مستنداً، إلى الحائط. وقد بلله المطر، ولطخته الوحول. كان عاري الرأس. قد ابيض وجهه، من البرد، والخوف.‏

وسرعان ما امتلأت المضافة، بأولاد، وأحفاد الشيخ، وقد لاحظ الجميع. وكأن حياة جديدة، قد دبت في الشيخ، القصير. وكعادته، في الأيام الخوالي، أعطى الأوامر، بحمل البنادق، وحراسة دور العائلة، من أطرافها، الأربعة. وسرعان ما انفض الجميع. بعد أن نظف الدخيل نفسه، من الوحل، وارتدى ثياباً نظيفة، ووضعت له فرشة، في عمق المضافة، عندها عاد الشيخ مجير، إلى النوم. لكن دون أن يستعين بفروته. فقد كان يشعر، بالدفء. وأيضاً، لم يعد يشعر، بوهن كتفيه.‏

2‏

في قرية (الكهرمان) جمع (القنطوري) أولاده، وأخوانه، عند الفجر. كانت جثة ولده (رماح) أمامه. مغطاة بلحاف، وردي. بعد أن جلبها، رجال المخفر. كان خيط رفيع من الدماء، يسيل متعرجاً، ببطء شديد، من تحت اللحاف، أخبره رئيس المخفر، على عجل.. أن (ثويني) قتل ابنه رماح. عندما فاجأه، مع زوجته (نوره) في فراش واحد. وقد قتل نوره، مع ابنه، وسلم نفسه، للمخفر، عند منتصف الليل.‏

نظر القنطوري، من الشباك، العريض، إلى الحوش، الكبيرة. كانت النسوة، تصيح و (تندب) بعد أن قصت الجدايل وألقي بها، أمام باب المضافة. صاح القنطوري، فجأة:‏

- أين أهل الكلب..‏

تقدم (القهوجي) مسرعاً، وأخذ يصيح، محاولاً التغلب على الجلبة المتنامية، حوله:‏

- امرأته رحلت إلى أهلها، في البادية، مع أولادها الصغار. وأخوه (لافي) لجأ، عند منتصف الليل، إلى دار الشيخ، مجير..‏

صاح القنطوري، بصوت مزبد:‏

- سوف أقتل، لافي، الآن. وثويني، عندما يخرج من السجن.‏

اقترب منه، ابنه الكبير، جابر، وأخذه جانباً، وهمس له:‏

- المرحوم اخطأ.. وثويني، فعل الأصول. دعه يأخذ جزاءه، من الحكومة. دفعه أبوه. وهو يزداد ضراوة:‏

- سأقتل أخاه. واقتله. وأقتل أولاده، عندما يكبرون..‏

صاح جابر:‏

- هذه، ليست (عوايدنا)‏

عاد أبوه يدفعه، وهو يهدر:‏

- هذه العوايد، ماتت الآن، كنا نمشي عليها، عندما كنت، في بطن أمك. اخرج من الموضوع، يا جابر، وإلا دفنتك إلى جانب أخيك هذا.‏

3‏

أخذ الشيخ مجير يتفحص الضيوف، والقهوة المرة، تدور عليهم، كانوا خليطاً. جمع رئيس المخفر. والمختار، ورئيس الجمعية، وزوج ابنة القنطوري، وآخرين، لم يكن يعرفهم.‏

توقف المختار، عن التلوي. وقال، وهو ينظر إلى صحبه، الذين كانوا يمدون إليه، نظرات التشجيع.‏

- جئنا يا شيخ، نبلغك، عتب أخيك، القنطوري..‏

أكمل رئيس الجمعية:‏

- تؤوي.. قاتل ابنه..‏

بهت الشيخ، واعتدل في جلسته، وهو يشعر بالغضب يفور، داخل رأسه، ويكاد يقتلع عظام جمجمته. أومأ إلى القهوجي، الذي كان يهم، بعمل دورة جديدة، لدلة القهوة.. أن يتوقف. صاح بالمختار:‏

- لو قالها أبوك.. في الزمن الماضي. كانت كلفته، أكثر من قتيل. لكن ماذا أقول لكم.. يا آكلي خبز المدينة، الآلي. ودجاج المصانع. تعرفون أني، أجير الدخيل. وكان يفعل ذلك، أبي. وقبله جدي..‏

وخيم صمت ثقيل. قطعه زوج ابنة القنطوري، قائلاً:‏

- لقد أرسل عمي، إلى الأسواق، اليوم، ألف رأس من الغنم.. سيفت من المال، ما لا يتصوره أحد.. وأنت تعلم، ماذا يفعل المال، هذه الأيام..‏

قام الشيخ، واقفاً، وقد أعماه الغضب. فقام الجميع. قال وهو يمسك بكتف أحد أولاده. وقد تمالك نفسه، قليلاً:‏

- أحمد الله. إنك في بيتي. وإلا كنت ألحقتك، بابن القنطوري..‏

وعندما شاهد الهياج، قد انتقلت عدواه، إلى جميع الحاضرين. رفع يديه وصاح:‏

- دعوا الضيوف، يخرجون بسلام..‏

4‏

لم يأخذ الشيخ، مجير، الرسالة التي وجهها إليه، القنطوري، على مأخذ الجد، إلا في اليوم التالي. عندما حطت عليهم، عند الضحى، دورية من الشرطة. جاءت من قيادة المنطقة. دون مقدمات. قامت الدورية، باقتحام الدور، بحثاً عن السلاح. غير المرخص. وثار الجدل. بين الشيخ، ورئيس المخفر، فقد كان السلاح، كله. يحمل موافقة المسؤولين، في المنطقة. إلا أن رئيس المخفر، أنهى الجدل. عندما (ساق) (دهام) ابن الشيخ، الكبير، وأولاده، إلى المخفر. للتأكد، من مشروعية حملهم للسلاح.‏

في اليوم التالي. جاءت الأخبار.. لقد تم سوق الموقوفين، إلى القاضي العسكري في المنطقة، وأن أوراقهم، رحلت إلى النيابة، في العاصمة، ولم يعد بالإمكان، البحث في إخلاء سبيلهم، قبل عدة شهور.‏

اكتشف الشيخ، مجير، أن الدفاع. عن الدور، من جهة الشرق، قد سقط. فقام بنقل، ثويني، إلى جانبه.. في المضافة. وأخرج جميع السلاح، المخبأ. وأعاد توزيعه على الفتيان، هذه المرة. لتعويض النقص، في الرجال.‏

اكتشف، أنه بحاجة إلى المال. لشراء سلاح جديد. ومستلزمات المواجهة. فطالب من ابنه الثاني (هلال) أن يسوق، مع أولاده. في الليل، مئة رأس من الغنم. لبيعها في سوق المنطقة، عند الفجر.‏

لم يعد هلال، ولا صحبه، من سوق الغنم، في المساء، ولا في الأيام التالية. فأرسل الشيخ، من يسأل عنهم. وردت الأخبار.. أن الجمارك، صادرت الأغنام، للاشتباه بأنها مهربة، من خارج الحدود. وأن هلال وأولاده جرى سوقهم، إلى العاصمة. ليحاكموا أمام المحكمة الاقتصادية.. وهكذا، سقط الدفاع، عن الدور. من الجهة الشمالية.‏

أخذ الشيخ، مجير. يكتشف، أبعاد اللعبة، التي كان القنطوري ينسجها، خيطاً بعد خيط. فبدأ يأخذ، حذره، واحتياطاته. فقام بتقوية دفاعاته، حول الدور. لكن دون أن يفرط، بإرسال أي واحد من أفراد أسرته، خارج القرية. حتى الأغنام. لم تعد ترسل، إلى المرعى. وأخذ يجري علفها، في (الزريبة) الكبيرة، والحوش الواسعة. أصبح على قناعة، تامة. بأن أي واحد. من أفراد أسرته. يغادر القرية. فلن يتمكن من العودة، إليها. فقرر التوقف، أيضاً، عن ري المزروعات الشتوية. ورشها بالسماد. ورغم ضرورة ذلك. وأخذ ينتظر، ما سوف تأتي به، الأيام.‏

لكن انتظار الشيخ، لم يطل. فقد داهمهم مخفر الخيالة، عند الضحى. قال رئيس المخفر، دون مقدمات:‏

- لدينا شكوى، يا شيخ.. بأن ولدك (عاكوب) وأحفادك، منه. قد (رعوا) بأغنامهم، زرع القنطوري، البارحة.‏

قال الشيخ، وهو يتبين ملامح المؤامرة، الجديدة:‏

- أنت، تعلم، يا أبا سمير.. أن ولدي عاكوب و (عياله) لم يغادروا القرية منذ أسبوع. ولدينا شهود، على ذلك..‏

قال رئيس المخفر، وهو يقف، منهياً الحديث:‏

- لقد نظمنا ضبطاً، بالحادث. وقد شهد، على ولدك، وعياله.. سبعة عشر شاهداً سنأخذ عاكوب، وأولاده، إلى المحكمة. ولا تعارضني.. أرجوك. وإلا أخذتك معهم. بجرم ممانعة، رجال الشرطة.‏

وهكذا، سقط خط الدفاع، الغربي، عن الدور. وراح الشيخ، مجير. ينتظر نهاية هذه اللعبة..‏

ولم يطل انتظار الشيخ، هذه المرة. فقد عاد المخفر، في المساء. وقال رئيس المخفر، باستحياء:‏

- هناك، تهمة، يا شيخ. بحق ابنك (حاجم) فقد زور بعض الأوراق المقدمة إلى المصرف الزراعي، من أجل الحصول، على القرض الصيفي..‏

فسقط. بذلك، آخر خط دفاع. فتدخل ثويني، هذه المرة. وتقدم من الشيخ، بعد خروج رجال المخفر، وهم يسوقون أمامهم حاجم. قال:‏

- يكفي يا شيخ، ما جرى لك، بسببي. دعني أغادر، دارك. ولن يحدث لي، إلا ما قدر الله..‏

صاح به الشيخ:‏

- لاتكمل.. فأنا لا أفعل شيئاً، من أجلك. وأنت لا دخل لك، فيما حصل لي، أنا أفعل الأصول. ولن يمنعني، من ذلك. لا أنت. ولا القنطوري.‏

وراح الشيخ، يعمل، دون كلل، فجمع النسوة، والأولاد، ضمن الدار الداخلية خلف المضافة مباشرة. ووزع المناوبة، في الحراسة، والدفاع بينه وبين ثويني. ولم يعد يكتف بالجلوس، في المضافة. أمام دلة القهوة، واضعاً يده على سلاحه. وإنما أخذ يجول في الحوش. وبين الدورالخالية. وهو يلف رأسه، بالمحرمة. والبندقية، في يده. يشد عليها. دون أن يحمل فروته، على كتفيه. حتى لا تعوقه. والأهم، أنه أخذ يشعر، بأنه عاد شاباً، فكان ذلك، ما يخفف عنه.‏

5‏

عندما صحا، من رقاده. ليتسلم نوبته، في الحراسة، من ثويني. اكتشف أنه، وحيد في المضافة. فكر.. أن ثويني، ربما يراقب.. في الخارج. مد يده، إلى دلة القهوة. كانت باردة. وكانت النار، في الكانون، خامدة. يبدو أنه نام، ساعات زيادة، عن حصته، في النوم. وارتعشت يده، وهو يكتشف.. أن ثويني، لم يكن إلى جانبه. عند نومه. وأنه غادر المكان، منذ ساعات، قام واقفاً. صاح على ثويني. فلم يجبه أحد. لبس الفروة. ولف رأسه بالمحرمة، وتناول البندقية.. لا يجوز، لثويني، أن يغادر المضافة. ولا أن يبتعد عن بابها الخارجي. وقف في منتصف الحوش، خلال الظلام الدامس. صاح على ثويني، ثانية، فلم يجبه أحد، لم يفكر كثيراً. صاح وهو يخبط، على رأسه:‏

- لقد فعلها.. الملعون.‏

عاد إلى المضافة، وهو يتخبط، في مشيته، من القهر. وضع بعض الوقيد، في الكانون. أشعل النار، بيد مرتجفة. كان يسمع خلال السكون، الذي يشبه الموت، طقطقة الأغصان الرفيعة.. وهي تأكلها النيران، التي كانت تبدد الظلام، أمامه.‏

دس، دلة القهوة، في الكانون، وأسند ظهره، إلى الحائط البارد. دون أن يحس برطوبته. تأوه وهو يردد:‏

- باطل.. باطل.‏

مد يده، المرتجفة، ثانية، إلى الكانون. سحب الدلة، الساخنة. ملأ فنجانه الخاص، ووضعه على شفتيه. أحس بطعم القهوة، كريهاً، في فمه. قذف الفنجان المملوء، إلى عتبة المضافة. ومن شدة قهره. وجد رأسه، يسقط على الوسادة السميكة، إلى جانبه. وراح في سبات عميق.‏

لم يكتشف أهل الشيخ، ما جرى، إلا في ضحى اليوم التالي. عندما دخلت زوجته، عليه بالفطور. فوجدته نائماً، دون غطاء. وكان شخيره، عالياً. على غير عادته. ألقت عليه الفروة، واللحاف. ثم أسرعت إلى الكانون، وملآته بالوقيد. وأشعلت النار. وانتظرت حتى غطته، خيمة الدفء. المنبعث من الكانون. فقامت بإيقاظه. بقي دقائق، لا يعي ما حوله. وعندما عاد يرتب الوقائع، في ذهنه المشوش. طلب من زوجته، أن تحمل الفطور، وتذهب به خارجاً. ولا يدخل عليه أحد، حتى يطلب، هو ذلك.‏

بقي على حاله، يوم آخر، كان السهوم، قد جمده، لكن عقله، كان يشتغل بقوة. في اليوم التالي دعا إليه، أهله. كان هادئاً كعادته. طلب من أحد الفتيان أن يذهب، إلى قرية (تل المال) ويحضر له، سيارة (بيك آب) مع سائقها. ويطلب من (العلاف) هليل الحضور، على الفور.‏

عندما حضر، هليل. كان قد وضع، ما تبقى لديهم، من سلاح، في صرة كبيرة. وطلب منه.. أن يبيع له السلاح، بأسرع وقت. وعندما غادر هليل. دس الحذاء الضيق في قدميه المعروقتين. ولبس العباءة السميكة. ورتب العقال، فوق المحرمة البيضاء. وفتح باب المضافة. صاح على محمود السائق، الذي كان يقف، إلى جانب سيارة، البيك آب الحمراء الموحلة. دخل محمود إلى المضافة. أشار الشيخ إلى (دلال) القهوة. الكبير منها، والصغير وقال:‏

- احملها، جميعاً، في صندوق السيارة.. أريد أن أبيعها، في المدينة.‏

في الحوش. وعندما تجمع حوله، أهله. وهو يهم بركوب السيارة. صاح بالفتيان:‏

- عندما أعود. أريد أن أرى، هذه المضافة.. مهدومة، من أساسها. عندما ركب، إلى جانب السائق، وأغلق باب السيارة. أطل من الشباك، وصاح بأهله:‏

- بما بقي لدي من مال. إضافة إلى ثمن (دلال) القهوة. سوف أحضر لكم معي.. (تلفزيوناً) ملوناً.. مع صحن كبير.‏

وانطلقت به السيارة، وهو يضحك، بصوت، يشبه البكاء..‏