الطنجرة

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : محمد نديم | المصدر : www.awu-dam.org

 

عندما انصرف، إلى البيت، عصر البارحة. ناوله المراقب، انذاراً جديداً.. هو الانذار الثالث.. هذا الشهر. همس له المراقب:‏

-لو لا أزمة السائقين، لكانوا فصلوك.. من زمن بعيد.‏

هذا الصباح. قرر أن يتقيد بمضمون الانذار. لا عصبية. لا شرود. وسيقوم بتوزيع الابتسامات، على الركاب. لذلك فقد خرج من البيت. بعد أن ألقى خلف ظهره، بكل شيء. حتى نداءات زوجته، لم يرد عليها:‏

-ماذا نطبخ اليوم.. الولد يريد.. البنت بحاجة.. التموين.. القسط.. تصليح.. دين..‏

القى خلف ظهره.. حتى نفسه. لكن ذقنه، لم تكن محلوقة. ولم يحمل معه، صرة طعامه. حتى (ترمس) الشاي، تركه مركوناً.. في موزع المنزل.‏

في الموقف. نبهه قاطع التذاكر:‏

-ذقنك غير محلوقة..‏

هتف ضاحكاً، بمرارة:‏

-لكنها مقبولة. غدا اسلخها.. من أجل عينيك.‏

ضحك قاطع التذاكر. لكنه توجس شراً، وهو ينزل من (الباص) ويوعز له بالانطلاق.‏

في مثل هذا الوقت، من الصباح. تكون العاصمة، شبه نائمة. الشمس في بداية اطلالتها، على الشوارع الباردة. في المواقف. وعند الإشارات الحمراء، كان يقترب من الناس المنطلقين، في مثل هذا الوقت، في كل اتجاه. كان يجد تسليته المؤقتة -حتى يخرج من المدينة- بمصافحة الوجوه الحيادية. التي كانت تشعره.. بأنه ليس الوحيد غير السعيد، في هذه الدنيا. وكان يلقي، خارج رأسه، بكل مشاكله. المستعصية، على الحل، في المدى المنظور.. وغير المنظور.‏

كان من الممكن، أن يمر يومه.. على خير. ولا تأتيه النوبة -كما كان يسميها المراقبون- لو كان خط سيره، إلى المطار، دون توقف. أما وأنه ملزم بالوقوف، أكثر من مرة.. خاصة، أمام ذلك الإعلان المشؤوم. فإن الهياج، سوف يتلبسه.. كل النهار.‏

كان إعلاناً، مرسوماً، على لوحة كبيرة. تغطي مساحة النظر. لذلك لم يكن، بإمكانه أثناء توقفه. أن يشغل نظره، بأي شيء آخر. فقد كان الإعلان، يملأ الفضاء أمامه.‏

كان رسماً، لطنجرة (ضغط) رتبت فيها رزم من الخضار الملونة. وقد انحشر بينها أرنب ضاحك سعيد، وهو يطبخ.‏

عندما كان يطالعه ذلك الإعلان. كان يجد نفسه مكان الأرنب، في الطنجرة، وهو يطبخ. وكان يتوجب عليه، حسب إنذارات المؤسسة المتكررة، أن يبدو سعيداً.. مثل الأرنب المطبوخ.‏

عند المساء، زاره المراقب، في المنزل. ذلك يحدث، للمرة الأولى. أبلغه المراقب.. أنه الإنذار الأخير، وأكد له، أن الإدارة مصممة، على صرفه من الخدمة. ولو أدى الأمر، إلى توقيف (الباص) عن العمل. إذا لم يجدوا بديلاً، عنه.‏

ظل صامتاً. حتى انتهى المراقب، من شرب الشاي. عند الباب. وهو يودع المراقب، همس:‏

-غداً. سوف أتصرف..‏

في صباح اليوم التالي، ركب (الباص) وهو يضع صرته، تحت المقعد. كانت ثيابه مرتبة. وقد حلق ذقنه، ورجل شعره، وأخذ يبتسم ذات اليمين، وذات اليسار. وكان المراقب، وقاطع التذاكر، أكثر سعادة، منه. وعندما غادر الباص الموقف. همس المراقب لقاطع التذاكر:‏

-الحمد لله.. كان مقرراً اليوم، فصله عن العمل.. أين كان سيذهب، بأولاده السبعة.. الراتب لم يكن يكفيهم.. فكيف إذا قعد، في البيت.. بلا راتب.‏

رد قاطع التذاكر، وهو يحصي القطع النقدية:‏

-الله.. يستر.‏

عند الإعلان. أوقف (الباص) كالعادة. وعندما تهيأ للمسير، ثانية. انحرف فجأة، باتجاه اللوحة الكبيرة. أوقف (الباص) ثم نزل، بعد أن أخرج الصرة، من تحت المقعد. صعد إلى سطح الباص، بعد أن أخرج، من الصرة، علبة دهان، أسود، وفرشاة. وأخذ -أمام دهشة الركاب- يطمس الطنجرة والأرنب، بالدهان الأسود. كان يقوم بعمله بهمة، وصمت. حتى فرغت العلبة، من الدهان. وعاد ونزل، إلى الباص، وهو يمسح يديه. ثم تابع السير، دون أن يجيب.. على تساؤلات الركاب.‏

عند العصر، اقتاده رجال الشرطة، من أمام الموقف.‏

في صباح اليوم التالي. علمت المؤسسة بالخبر. قال المراقب:‏

-طالما توقعت له، نهاية سيئة.. لكن هذه النهاية. لم تخطر على بالي.‏

قال رئيس الديوان:‏

-سيحاكم، أمام المحكمة الاقتصادية.. فقد قام بتخريب، ممتلكات عامة.. همس قاطع التذاكر:‏

-لن ينجيه، من العقاب إلا إذا اعتبروه.. مجنوناً. الجنون وحده.. يخلصه من هذه الورطة.‏

انتبه الجميع إلى ما خلص إليه، قاطع التذاكر.. باندهاش، لم يستمر طويلاً. إذ تحركت فيهم، جميعاً. غريزة الدفاع.. عن زميلهم المنكوب. فصاح المراقب:‏

-هو مجنون.. أي والله.. هو مجنون. لقد اكتشفت بوادر جنونه، منذ شهور طويلة أكد قاطع التذاكر، بحرارة:‏

-وأنا، أشهد على ذلك..‏

وصمت الجميع، فجأة. وكل منهم. ينظر إلى الآخر. وكأنهم جميعاً، يحملون هماً مشتركاً. أخيراً تحدث، رئيس الديوان. وكأنه ينقل ما بداخلهم. قال:‏

- لو كان باستطاعتي، لغيرت خط سير الباص، من أمام ذلك الإعلان اللعين. أخاف أن لا يكون سائقنا المسكين.. آخر ضحاياه