شــــجر فقد ظلــــه

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : الحبيب السائح | المصدر : www.awu-dam.org

 

رذاذ بين الأصوات وبين الدموع‏

قدرت عبثاً، كم ساعة تلزمني لأن ألم أشتاتي كيما أقدر كيف وجدتني أواجه الفراغ من حولي شامتاً يقهقه، والوجوه المارة والجالسة قربي في المقهى تعتصر علي حقداً، أو هكذا خيل إلي من فرط هلعي، والأطفال يلعبون منشغلين عني، كأنما لم يكن في الساحة، قبل ساعات، حشد ولاخيمة أو مكبر صوت، وفي جنباتها التهاليل.‏

قد كان كل شيء أوحى إلى زوجي، قبل اليوم، أنني إنما خرجت لغرض يجل عن أن تسألني عن أي تفصيل منه أو عموم، ذلك بأنها كلما أوهت غطت على توجعها بحسبي اللّه، ولا أعلم إلى الآن لِمَ لمْ يعترني أي إشفاق عليها؟ أما الأولاد فإنهم جميعاً في سن لا يستشرفون منه أي مطلع لذهابي عنهم على غير عادتي فجراً، وعودتي إليهم عقب العشاء محملاً بهاجس عظيم، الليل أستعجله كيما أبثه دعوة محرقة بأهداب عجزي إلى البارئ ألا أحمله وقتاً أطول مما بين جمعتين فجمعتان علي كما بدء الخليقة والساعة. الأشياء كلها، والزمان والمكان واللون والشمس والقمر، في عرس الربيع، والموجودات صغارها وكبارها، كبائرها وصغائرها، تزداد مهابة كلما كبر الجمع، وتتشح بقدسية ألهناك كلما ارتفع التهليل، فأحس أثقالي جميعها تبيد عبر جسدي المعروك بجذوات المهتدين إلى السبيل تلك، يتسربلني منهمراً من السماء هذه التي أضحت أقرب إلي من أي وريد، فيحول الشارع في بصري صراطاً، والساحة محشراً، والمسير بعثاً، إني هنالك.‏

أسمع الأصوات أحسبها هجعة قصاص، وأرى الدموع، لا لتبكيت، للفرح تنذرف، فيهمس إلي من آخاني أنها رذاذ الغفران، فأفحص كل طالع في كل طلعة، أجد السيما مرهقة، أهلها يرون شراة.‏

قد كان للرذاذ آن نزل فيه، وفي غير ساعته، في الساحة آن يتنزل، أكدت للثاني هامساً: هي دموع الرحمة. ولكن هناك كان خوف يفتح عن شوك في الصدور. قالت لي ابنتي: من أين الورد؟ ولكنها انشغلت بكتاب، وثبت لدي يقين أن الساعة ستبسط. عام للدفق، عام للفتق، وكل يوم للغبن.‏

المشــــي فــي المســــيرة‏

غادرت منصب عملي. قوة أعظم من أن أتردد لحظة أو أتلكأ. لعله يكون الخلاص، وما كان ليستتب في ذهني أن أخذل. المدير وأعوانه، قبل اليوم، لم يكونوا يقفون في باب المؤسسة. قدرت أنه مهما يكن من تخمينهم أو اعتقادهم فإني لا أراهم إلا مشيعين لعودتي المجللة بالنصر، قبل هذه اللحظات لم تسند ذقني عزة أي عزة ولا ضخمت روئيتي تفاصيل الأشياء، ودقائق الألوان، باللون الواحد المفرد كنت أميز. يا إلهي كم يبدون منمنمين. كم تسارعت دقات قلبي وارتفعت، درجة ضغط دمي تتحول في أذني طنيناً. هاهي وجوههم تنضح هلعاً، لا أراهم واقفين، كذلك مسمرين يحسون إلا ليلتمسوا مني شفاعة إذا ما عدت إليهم مع أولئك الذين يسمونهم الغلاظ الشداد.‏

أمس غادر نفر، التحقوا بالساحة. قال لي ثالث: وقال آخر للمدير: غداً يومك. انصعقت. غشي علي، ومن الخوف ما يقبض النخاع. هرولوا، وتخلفت. بقية الرفاق جميعاً منهمكة في التأدية.‏

كذلك يكون رئيس النقابة استخلص. ولما التفت كان كثير منهم يسترق إلي العتاب، ليس لأني أغادر. الأمر مقضي به. ولكن لأنني لم أحسم بعد ترددي المتمرد في قلبي الصائل في عيني. لا شيء غير نور أمامي، لا شيء غير حلكة خلفي. أحباء أمس، من قاسموني الخبزة الباردة، انفصل عن حلقة حلمهم حلمي، كيف تتحول الأحلام كوابيس حين يستوطن الهلع، لأنني ذكرت أن الخطيئة حاصلة منذ قرن، عشرة، أي ضلال هذا الذي أنت فيه؟ قال الخطيب، أين فؤوسكم؟ لن تعدموا أبداً أصناماً كل يوم، كل حين تهيلونها. من ثم يبدأ معبر المغفرة. قلت حاصل هذا الذي ترون. لكن، إن أنا إلا وارد.‏

بين العصر وبين المغرب طاف ظل اللّه شوارعها، والمدينة تسلم الأمر والمفتاح وتتعطر عنبراً ومسكاً. كذلك يكون الشاعر استهل مطلع وجده. ولم أستظل أنا من حرور نفسي المصهودة بالخطيئة، العطشى إلى رحيق الشهادة. لا حنجرتي اندهت تهاليل، يا للذة شهد العسل! ولا لساني فك عقده تكبيراً!‏

أمي كانت تقول لي إذا وكوكت: رح للوادي واطلقها. يوم غور ماؤه ثم جف، سكنته الغولة، وقال ولي الله سيدي يحي: يجيء زمان تأكل فيه الحطمة من القلوب الرحمة، يقل الطعام ويشتعل الأسوام، يطلع شان البصلة ويصير بن آدم هوام.‏

اليوم قد ذهبت إلى ربي. لن يصدني محيط. أنبش أحلامي جميعها، المقبرة والمدكوكة، أشهر ألواني الخضراء والصفراء الغائرة في غياهب ذاكرتي، أسرج حصاني المرغي، أركب، أصلصل حسامي، تبتلع هذه الأرض الكنود البنايات المتطاولة على العلو، تنسحق. نحن جميعاً إلى الميسرة فرسان الزحف الأخضر. من المنصة جلجل. إلى هناك قالوا تشوف. شرأبت. صحراء برائحة الأنبياء شاسعة كالأيمان، قريبة إلى السماء قرب رؤوسنا من ظل المصاحف.‏

قال لي خامس: نغسل النجاسة من حيث نمر. ومن يرتصفون كنت أحبسهم تحولوا شجراً بلا ظل. هل يقطع الشجر؟ لم أجب ابنتي، وتشاغلت عنها بترديد تهليلة، لأنها خشيت أن يتسع قطر فتحة الأوزون. تكوينا الشمس، تشوينا، تحرقنا، وتموت الأرض وتكون الفناة. ولكنها تداركت، وقالت لي: المعلمة حفظتنا: يسألونك عن الساعة. فإذا ما أمعنت لحظة راحوا هم المستقبلين لفاتحين، وكنت سأجهر: طلع البدر. كأنما هم يدخلون البوابة بلا قتال. وإن صاروا هم الطلقاء؟ يا إلهي، البوابة واحدة والفاتح واحد، هو المختار وأنت الجبار.‏

التفرج من الرصيف‏

صار ما بعد الضحى، في اليوم الخامس، وما بعد العصر، للانتظار على الرصيف، وعلى غير عادتي منذ أربعة أيام التزمت بالمشي على الرصيف كلما اقتربت من الساحة، ونويت أن أقف بعيداً، تحت ظل شجرة، وليكن، أو استناداً إلى عمود كهرباء، ولكن كل شيء بدا لي فقد ظله. أنا، والآخرون، والسائرون والشجرة، إلا الأطفال.‏

أما الدكاكين في هذا اليوم الخامس فكلها مشرعة الأبواب، لا يمكن اتخاذ عتباتها مطلا لرؤية شجر يفقد ظله حين ينتظم في الطريق متراصاً ليؤدي المسير، ذلك حشد، ذلك كون، لأن الأحلام تمتص أي ظل، أما الصياغون فإنهم في زوايا الأنهج الداخلية، ألذا راودني شيطاني الذي كلما لعنته أصر على مصاحبتي، بل وشغلني. فلم أعبأ إلا وأنا قد راقبت ثلاثة منهم أو أربعة فألفيتهم جميعاً منهمكين في شؤونهم يصرفون أمور دنياهم. ولعل شيطاني هو من أوحى إلي أن أسأل عن جنتي أنا في هذه الغرور، الكلبة بنت الكلب، واستذكرت أصناف الفواكه الشتوية والربيعية لم تستطع يدي أن تمتد إلى جيبي خشية ألا تعود إلا بفراغ أمقت الفراغ، أبغضه.‏

ألهذا نويت التفرج من على الرصيف فأملأ فضولي، فأرسلتني إلى الشارع. قلت: فلتسر. وأنا من على الرصيف أرقب خطوتك وبهجتك السرابية. فقد يكون في الأمر سر لا أستكنهه إلا وأنا أتفرج علي، ولكن، كم هي الألبسة والأطعمة والمتاع، والزوخ والدنيا التي تأتي تجر أذيال الطاعة للصياغ. وإذا ما أرادت أمي أن تستعير لامرأة قيمة مطلقة قالت: كما الذهب تموت. زوجي، وأفنى أنا خلية خلية، ولا أفي بما تأخر من الصداق. أكبر صداق هو الأولاد. حاولت أن تخفف عني غبني يوم حدثتها عن الصياغين وعن المال والذهب ليلة شكوت أمري من آخاني، وهو السادس: تنهد، ثم استغفر، وصابرني، ولكني بعد الوتر لبست حذائي وخرجت أحس في جوف الظلمة أصوات الطوبي، فذرفت: غدا أخرج إلى الرصيف.‏

قد يكون مرد ذاك الالتزام بيني أنا وبيني إلى صرامة ذلك الذي سبق أمس رأس المسيرة يزيح من أمامه الخلق ويوقف الآليات. وحيث كان الشرطيان في تقاطع الطرق أنتصب، فانسحبا إلى الشجرة التي فقدت ظلها. لعلهما خمنا أن ظل الشجرة هو ما كان ينبغي أن يبدو باقياً في وجود أمسى يتكركر نحو كتلة النار، لأن ملامحهما تكشف عن أنهما غير واجدين تفسيراً لما يقع، المؤكد أن واحداً منهما دارت في خلده فكرة أنه سيفقد بزته الزرقاء، لأن العباءة كانت ترسل صرامة حتى لا تصفقها الريح على الجسم النحيف.‏

أي شيء يرتدي بعد؟ قد لا يحصل له جواب أبداً لدى زميله الذي أخرج سيجاره ونزع القبعة ورفع، كأنما يبحث عن ظل شجرة.‏

لم تعد أشياء الرصيف هي أشياءه قبل اليوم، ولم يعد يرى الشجر ولا الواجهات، ولا الحفر، ولا المقرات، ولا المؤسسات العمومية، ولا الفرح، ولا الألوان. في أعين السائرين معبر، وتحت أقدام المتفرجين مرتكز، كنت بين حضور وبين غياب، بين سائر وبين متفرج، قلبي في الطريق رأسي على الرصيف، وعيناي وكبدي بحثا عن ظل شجر.‏

وبين السائرين وبين المتفرجين مقدس ليس له صفة أو لون، ولكن يحس لظى محرقاً يعتمل في الصدور التي تمر لاهجة حنيناً إلى زمن الفرقان، يبعث في قلوب المتفرجين رغبة ورهبة، فتنزاح حيناً حجج العناد والمكابرة، وما كانت الرؤوس لتلتفت. فلا نزلت من على الرصيف فانسحت، ولا أخذت الوجوه المعاكسة للمسير سيما جديدة إذ أحسست أن ظل الشجرة غادرني.‏

الخيمة والمنصة ومكبر الصوت‏

حمرة أو خضرة أو بياض، إلا الصفرة، كنت أرى الخيمة الواحدة والأخرى، بينها وبين المنصة انحشار، يمتد في بياض، هنا تستطيع أن تميز، قلت لي، وما دعوى أن تفتقد ذلك في الخيام؟ لي قال: الرايات. بحثت عن أي راية، الميمنة والميسرة والقلب، وحامل البارق؟ ونافخ النفير؟ اهدأ فإن اليقين من مكبر الصوت. هناك في مقابل الخيام وجوه إلى القبلة رنت، وأرواح بوجد عظيم جنحت، وقلوب بيقين ثابت عمرت، يتحول بأساً يحفز الشرايين فتبحث الأيدي عن قبض. لا سيف ولا لجام. ساعة الحق أزفت. خرجت دوياً من مكبر الصوت، تلاها التكبير. على مشارف الخيام كان السؤال كلما كبر واتسع تحاشد الخلق، وقال قائلون مالنا وهذه الدنيا. نفلح إذا التجأنا إليهم مكبرين. قال السابع: تراهم بالغين؟ خسروا كل شيء قبل اليوم والقهر منهم استوطن القلوب، وزوبع عقولهم ظلم وجحود. كذلك كنت سأسوق لولا أن صوتاً من الخيمة ارتفع، فالتقطه مكبر الصوت وبثه فانساح في أبعد زوايا الأنهج المحيطة: إلا الله نحيا....‏

حتى القلوب الصامتة راحت تردد. لم يبق غير الحجر أخرس، كذلك يكون الشاعر يقفي. صار الحشد بين الخيام وبين المنصة منذ اليوم السابع يختزل بترجيعة "عليها نحيا" قرون التوه. وذكر لي ثامن من آخاني خراف المسيح، ولا أدري لم أشهرت في وجهه، بلا تردد "لا نفرق"؟‏

ألهناك هو مهجع الروح الضالة، وأتعابي أنا ينوء بها حملاً جسدي، يا روحي ويا تعسي. لم يقلها الخطيب الذي اعتلى المنصة مقابل الخيام، ورجرج مكبر الصوت.‏

الحشد لا يسمع، غير أنه يبصر. أما الخطيب فإنه يبحث عن صدى يعيد إليه صوته، والخيام مالا يرجع أي صدى، ولكن الحشد رنم موجعته، فإذا بلغت الحرقة حد الكبد تليت آية المصابرة والمرابطة، ووزع الماء أجراعاً والسكر أقطاعاً، فإن طافت بزة زرقاء أو خضراء أو تربصتا أمسكت الأيدي بالدرع الحامي وأشهرته. لا الأرض غالبة السماء. فقدت الأشياء في الساحة جاذبيتها. وللمطلق كانت القلوب. الرصاص لا يقتل. الموت بعث جديد والشهادة ثمن. يفيض الحشد على ضفاف الساحة، تصطفق أعطاف الخيام.‏

وتتساقط في قلوب المحيطين والسامعين من هناك آخر أوراق توههم. ولم يعد الخطيب يسمع غير نفسه، لم يبصر غير الحشد. أرسلتني جنبه. الآخرون هم الكنودون. مغيبون في جحورهم ينتظرون قضاء، أو هم يحزمون حقائبهم. لا مفر إلا إليه. قال الخطيب التجأت إلي جاري أتجرأ على أن أسأله عما في الخيمة. قال لي: منصوبة على زليج.‏

ربطت الأوتاد بالصحراء وأصغيت إلى لي عله يحدثني عن مكبر الصوت كيف تسري الحرارة فيه، لم يكن غير ظل الشجرة باقياً، كذلك توهمت. ولم أكن أحمل منديلاً أبلله فأضعه على رأسي. ضربة شمس في بدء صيف؟ لذا لم أفلح في ربط أي صلة بين ألوان الخيام في الساحة وبين ألوانها في الهناك، ولم أعثر على أي راية من تلك التي لفتها أمي ذات خريف في ذاكرتي، ألهذا تداخلت علي الألوان، وتراجع في مسمعي مكبر الصوت، ودفع من ورائي هو كالعصف آت من الحشد ينثرني في النهج المؤدي إلى القهوة.‏

الجلوس في المقهى‏

كانوا سيسيرون من هنا. لقد مروا. المسير حاشد والخلق شهود. ليوم هو كيوم عند الإله كان الخروج، كذلك تنبئ الوجوه الصارمة السائرة. جلوسي أنا في المقهى ليس سوى لحظة صعود إلى شفير السفينة. يتماوجون، وأمواجاً يترددون، فتميد من تحتي الأرض. من أين يأتي الطوفان؟‏

قد يصعد الجرف وراءهم الطريق. أنا في الانحدار، كشجرة فقدت ظلها. كانوا سيمرون من هنا.‏

في الطريق يفقد الشجر، أي شجر ظله، أنبأني التاسع أن العصر منتهى كل سير. غدا سبت، واليوم عدت لأجلس في المقهى. وجدت باب المعمل في وجهي موصداً. البارحة انتظرت، الليل كله انتظرت أمام الشاشة. لابلاغ. جاءني عاشرهم يحك على هجسي هول خبره يستصدقني. أحقاً نطرد؟ لم أكن أفكر إلا في كيف أن الطوفان لم يحدث، هل كان سيبقى حجر وشجر وظل؟ كأن شيئاً لم يقع أمس.‏

أنا جالس في المقهى كما كنت قبل أمس في المسير، ولكن من أعلى المنارة كان لا يزال صوت إلى الشرق وإلى الغرب متعباً وجلا معاندا يمتد ليسكن جنبات أنهج أخذتها الهجعة على حين غرة. لم أكن أتبين منه كنها غير الإصرار، ولكن في مسمعي لا يزال مكبر الصوت، ولون الخيمة ودارة المنصة لم يعد لها أثر.‏

من المقهى، حيث جلست كما كنت أجلس قبل عشرة أيام، تنازعني خضرة البزة وصرامة العيون واستقامة الزنود وخرس الرشاشات قناعي في أن كل شيء إنما كان فورة غبن. الشرط بالزي المدني وشبه العسكري تبدي ذروة التحفز. لي قال: وبعد؟ قلت للعاشر: لن أغمس يدي في وحل مهانتي. وقلت لي: وهذا الكلام؟ ولكن عاشرهم ودعني، لعله هو الآخر توعد المدير، أحس نوعاً آخر من الانصعاق. تصدق نبوءة جدي أو تخيب، فإن الشمس أشرقت من حيث أشعت أمس، ولن تغرب إلا وراء الجبل الرابض. ولكن ما خفف عني انصعاقي أن الآذان قد رفع، وحده مثل عهده دعوة آمنة. آه يا روحي. ووحدهم الأطفال كانوا يلعبون ويتلاعبون ويرددون ويتراددون مقاطع مما لهجت به الألسن ورددته الحناجر في المسير، في الساحة، من مكبر الصوت لحناً ممزوجاً بصفاء قلوبهم، وفي الصباح ينشدون في ساحة المدرسة، هم وحدهم من كانوا يبدون له يبنون أمنهم من لعبهم، وفي الساحة عادوا إلى عهدهم يلعبون ويصرخون جارين يقفزون أو يطيرون مزاحمين الفراغ.‏

من المقهى كان يتابع ببهجة هذا الطفل الذي يحاول أن يتسلق رخام النصب فيعود في كل مرة منزلقاً إلى درجته الأولى. لعله كان يبغي أن يثبت لنفسه، ما دام الآخرون قد انشغلوا عنه، أنه يستطيع أن يرشق العلم بألوانه الثلاثة حيث كان مكبر الصوت مكانه