فـــي الـــظلّ

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : مســعود بوبو | المصدر : www.awu-dam.org

كان "عبد المعين" إنساناً سويّاً، قليل الكلام والاختلاط بالناس.. وإذا ما سئل في ذلك كان يقول: "أنا على مذهب ابن حزم الأندلسيّ: الناس كالنار، تدفأ بها، ولا تُخالطْها". وعندما تناقشه في سلوكه، كأنْ تقول له: ولكنّ زمن ابن حزمٍ يختلف عن زماننا، فالناس اليوم في منظّمات ونقابات وجمعيّات.. حتى في مساكن كبيرة تجعلها كالأسرة الواحدة، المتعاونة المتكاملة، في الأخذ والعطاء والأفراح، والتعزية، وإقامة المشاريع، وتطوير الحيّ.. في السرّاء والضرّاء.. عند ذلك كان يقول: يا أخي، الناس اليوم لا تقيم معك علاقة إنسانيّة اجتماعيّة إلاّ من أجل فائدة... من أجل "مصلحة". تستفسر عمّا تملك، أو عن مركزك وفاعليّتك، أو معرفتك، أو صوتك.. أو حتّى مستقبلك المُستشرف... ثمّ في ضوء ذلك تتصرّف.. قل لي: هل يأتيك أحدٌ، أو يستوقفك في الطريق لينقل إليك مشاعر المحبّة والشوق..؟‍ هل تفاجأ وأنت جالسٌ في خلوتك بمن يدعوك -بمحبةٍ خالصة- إلى عشاءٍ أو كأسٍ من الشاي..؟‍! بصراحة أنا أتجنّب الناس لأنّهم مصدر مضايقة... وأتجنّب الإدلاء بشهادة في المحكمة ولو وقفت على الحق والباطل بعينيّ.. أتجنّب كلّ شيءٍ وكلّ إنسان..

وليس من الغرابة أن تعلموا أن "عبد المعين" فعلاً يتجنّب ظلّه.. وهي مسألة أوّل من لاحظها أطفال الحيّ، وتداعوا مراراً لمراقبته، وهو يتعثّر مرتبكاً، ويتراجع، ويتقدّم ويغيّر اتجاهه أو يهزّ كتفيه، أو يحرّك يديه.. وهو يراقب ظلّه.. وأحياناً كان يقيس طول ظلّه بالقدم، أو بالمسطرة.. ويقف قليلاً، ثمّ يدير ظهره بعكس اتجاه ظلّه ويمضي في طريقه مسرعاً...‏

يُقال إنّ "عبد المعين" نشأ في ظلال جدّته بعد مفارقة والدته لأبيه.. وكانت الجدّة كثيراً ماتروي له القصص الخرافيّة عن الجنّ، والأشباح، والظلال، وتحذّره من كيد النساء، ومعاشرة قرناء السوء..وشيئاً فشيئاً نما عنده شيءٌ يشبه ما يُسمّي بالعقدة.. عقدة الظل، التي يمكن أن تكون كعقدة الأماكن الشاهقة، أو الضيّقة.. أو عقدة المراقبة والتتّبع..ولعلّ هذا ما يفسّر ميل "عبد المعين" إلى التنزّه وحيداً في أيّام الشتاء الباردة، فالشمس محجوبة بالغيوم، ولا ظلال.. ويمكن أن يفسر أيضاً رفضه أن يكون أمين مستودع في الليل، فعملٌ كهذا يستدعي إبقاء الأنوار ساطعة، والأنوار تصنع الظلال.. و"عبد المعين" مؤرّقٌ بالظلّ في النهار.. نهار الناس، فكيف به في الليل.. والمعادلة النفسيّة الصعبة عنده التوزّع الخائف بين الظل الطويل، في الصباح أو المساء، والظل القصير، عند الظهيرة.. فظلّه الطويل يبدو له مخيفاً، أو فارّاً منه...أو كأنّه يمطّه كالزفت على أسفلت الطريق.. وظلّه القصير يصيّره قزماً قميئاً كأنّه ضُغط بمكبس... ولأنّ "عبد المعين" قليل البوح بما في دخيلة نفسه لأحد، فقد ارتأى أن يسجّل هواجسه في مذكّرات لا يمكن أحداً من الاطّلاع عليها.. ويروْى أن أخته من أبيه جاءت مرّةً تزور جدّته، ووقعت عينها -مصادفة- وهي تنظّف البيت الذي كان يشغله مع الجدّة- على دفتر مذكّراته العجيب هذا.. وكان -على قولها- آخر ماكتب فيه قصّة صبحي.. وكان ملخّص قصّة "صبحي" أنّه سُرِّح من الخدمة العسكريّة لأنّه يتكلّم في نومه.. ومادام العسكري معرّضاً لأن ينام في فندق، فمن المحتمل أن يتكلّم وهو نائم بأسرار عسكريّة.. ومن هنا يشكّل "صبحي" خطراً على أمن البلد، لذلك قُرّر تسريحه، مع التعويض المستحقّ... تُرى من هو المعقّد أكثر أنا أو صبحي..؟! وهل الكلام في المنام كالظلّ، يطول، ويقصر.. ويغيب في زحمة غيوم الشتاء..؟!‏