الغزالة

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : أحمد زياد محبّك | المصدر : www.awu-dam.org

كان لأحد الملوك ثلاث بنات وثلاثة صبيان، وقد عني بتربيتهم، وحرص على أن يغرس فيما بينهم المودة والتفاهم، ولما حضرته المنية أوصى أبناءه الثلاثة أن يزوجوا شقيقاتهم لأول خاطب يطلب الزواج منهن، فوعده الإخوة بتحقيق ذلك، وبعد وفاته تولى الابن الكبير الملك، وعين أخاه الأوسط وزيراً للميمنة، والصغير وزيراً للميسرة، وسارت لهم الأمور على خير مايرام.

وذات يوم تقدم إليهم رجل رث الثياب، زريّ الهيئة، يطلب الزواج من أختهم الكبرى، ولما سأله الأخ الكبير عن عمله، أجاب بأنه يعمل وقّاداً في حمام، في بلد بعيد، فغضب الأخ، وأقسم لن يزوجه أخته، ولو سلخوا جلده، وشايعه الأخ الأوسط وأقسم لن يزوجه إياها ولو فرموا لحمه، وتدخل الأخ الصغير، فذكّر أخويه بوصية الوالد، وطالبهم بتنفيذ وعدهم له، فأحس كل من الأخوين بالإحراج، واضطرا للموافقة، وفي أيام تم تجهيز البنت الكبرى، وزفافها إلى الغريب، الذي لم يلبث سوى أيام، حتى أخذها معه إلى بلاده البعيدة.‏

وفي يوم آخر قدم غريب آخر، فكان من أمره ماكان من أمر الأول، ثم قدم غريب ثالث، فكان من أمره أيضاً ماكان من أمر الأولين، وهكذا تزوجت الأخوات الثلاث على كره من الأخوين، الكبير والأوسط، وبموافقة من الأخ الصغير، تنفيذاً لوصية الوالد.‏

وبدأ الأخوان الكبير والأوسط يحّسان بالضيق من أخيهما الصغير، وأخذا يكيدان له، حتى أصبح لا يطيق الإقامة معهما في القصر، فقرر اعتزال الحكم والتخلي عن المشاركة فيه، وماكان منه إلا أن هجر القصر، وتاه في البلاد، لا يستقر به المقام في بلد، حتى ينتقل إلى سواه، وكان دائماً يتمنى أن يدخل بلداً تكون فيه إحدى شقيقاته، لعله يلتقي بها، ويطمئن على حالها، وهو لا يعرف في أي البلاد مقرهن.‏

وذات يوم، وهو في الفلاة، يسير وحده تائه الخطا، لاحت له غزالة، اقترب منها، فلم تجفل، فاقترب أكثر، فإذا هي تنطلق وتحييه بفصيح الكلام، فدهش لأمرها، وقد فتنته بحور عينيها، وجيدها الأتلع، وشعر بالأنس في قربها، وأخذ لا يفارقها، يسير حيث تسير ويقيم حيث تقيم.‏

ولما تأكدت الغزالة من تعلقه بها، عرضت عليه صحبتها، ووعدته بأن تحقق له مايتمناه، فوعدها أن يظل وفياً لها مدى العمر، ثم تمنى عليها أن تحمله إلى شقيقته الكبرى، فطلبت منه أن يبقي أمرها سراً، وألا يبوح بشيء عنها، مهما حاولت أخته وزوجها استدراجه إلى ذلك، ثم حملته على ظهرها وقفزت بضع قفزات، وإذا هو أمام قصر شاهق، قعد في ظله، لا يعرف ماذا يفعل، وهو غير مصدق أن تكون أخته فيه، ولما طال قعوده، أخذته سنة من نوم، فأغفى ونام.‏

وخرجت إحدى الجواري في القصر، فرأت شاباً وسيماً، بهي الطلعة، يشبه سيدتها الشبه كله، فأسرعت إلى سيدتها تخبرها بأمره، وقد وصفته لها، ثم قالت: "عينه عينك، ووجهه وجهك، ولاشك أنه أخوك أوابن عمك"، فدهشت السيدة، وأرسلت الخدم لإحضاره ولما دخل عليها أسرعت إليه تعانقه وتبكي، وتعجبت لتمكنه من حضوره إليها، وسألته إذا كانت الغزالة قد أحضرته، فنفى ذلك، فحذرته منها، فأكد أنه لم يلتق بغزالة، ولا يعرف من أمرها شيئاً.‏

وأعدت الأخت لأخيها أطايب الطعام، وفرحت به، وسعدت بلقائه، ثم فجأة عمّ الكون قتامة سوداء، وقصف الرعد، وزمجر، فسرى الخوف في أوصال الأخت، فعجب أخوها للأمر، فأخبرته أن زوجها قادم، فسألها:"ومن زوجك؟!"، فأجابته: "ملك الجان الأحمر"، ثم نفخت على أخيها فحولته إلى قطعة حلوى صغيرة، خبأتها في ثوبها.‏

ودخل الزوج غاضباً، وبادر إلى سؤالها عمن في زيارتها من الإنس، فأنكرت فأكد لها أنه يشتم رائحة الإنس، ولا داعي للإنكار، فأقرت بوجود أخيها، فازداد غضبه، وأكد أنه سوف يسلخ جلده، إن كان أخاها الأكبر، وسيمزق لحمه، إن كان أخاها الأوسط، أما إذا كان أخاها الأصغر، فإنه يرحب به خير ترحيب، فاطمأنت الأخت، وأعادت أخاها إلى حالته الأولى، فرحب به زوجها، وعانقه، ثم سأله إن كانت الغزالة قد أوصلته إلى القصر، فنفى ذلك، فاطمأن إليه، ودعاه إلى الحلول في القصر ضيفاً.‏

وأقام الأخ في قصر أخته أياماً، سعد فيها بلقاء أخته، ولما عزم على الرحيل زوده زوج أخته بثلاث شعرات، أوصاه أن يحرقها إذا ماوقع في مأزق.‏

وخارج القصر، وجد الغزالة في انتظاره، فامتطى ظهرها، فقفزت ثلاث قفزات، فإذا هما في الغابة حيث كانا من قبل، وسألته الغزالة إن كان قد حدث أخته أو زوجها عنها، فنفى ذلك، وأكد إخلاصه لها، ووعدها ألا يتخلى عنها أبداً.‏

ثم طلب منها أن تحمله إلى أخته الوسطى، ففعلت، وكان من أمره معها ماكان من أمره مع أخته الكبرى، وقد عرف أن زوجها ملك الجان الأخضر، وقد زوده قبل وداعه بثلاث شعرات، أوصاه فيها، أن يحرقها إذا وقع في مأزق.‏

ثم زار أخته الصغرى، فكان من أمره معها أيضاً ماكان من أمره مع أخته الكبرى والوسطى، وقد عرف أن زوجها ملك الجان الأزرق، وقد زوده قبل وداعه بثلاث شعرات، أوصاه أن يحرقها إذا ماوقع في مأزق.‏

وقد أوصته أختاه الأخيرتان كما أوصته أخته الكبرى بالحذر من الغزالة، وأنكرتا عليه أن تكون هي التي حملته إليها، ولكنه نفى ذلك، وأكد أنه لا يعرف الغزالة.‏

وكان لما خرج من قصر أخته الصغرى قد وجد الغزالة بانتظاره، فامتطى ظهرها فقفزت ثلاث قفزات، فإذا هما معاً في الغابة، حيث كانا من قبل.‏

وأعادت عليه الغزالة سؤالها، إن كان على استعداد للبقاء معها، والوفاء لها، فأكد ذلك، ووعدها ألا يتخلى عنها مدى العمر كله، وكان مايزال ممتطياً ظهرها وهي تسير به، فقفزت فجأة قفزة قوية، فحلق في الهواء، ثم وقع، فإذا هو في خضم البحر.‏

وبهت، وكاد يشرف على الغرق، ولكنه أخذ يسبح نحو الشاطئ، بكل ما أوتي من قوة، حتى بلغه بعد عناء شديد، فألقى نفسه على الرمال، ونام.‏

ولما استيقظ رأى حمامتين تختصمان، وكل منهما تقول للأخرى:" الطاقية لي، الطاقية لي"، ثم تنبهت إحداهما إليه، فقالت للأخرى:"تعالي نحتكم إلى هذا الإنسي"، ثم قدمتا إليه، وطلبتا منه أن يحكم بينهما في طاقية اختلفتا فيها لمن تكون، فقد ورثتا عن أبيهما بساطاً، وعصاً، وطاقية، وقد أخذت إحدهما العصا، وأخذت الأخرى البساط، ثم اختلفتا في الطاقية، فوعدهما أن يحكم بينهما، وماكان منه إلا أن التقط من الأرض حجراً وقذفه بقوة، ثم طلب من الحمامتين أن تسرعا إلى الحجر، ومن تحضره منهما، تكون لها الطاقية.‏

وأسرعت الحمامتان وراء الحجر، وقد تركتا عنده الطاقية والبساط والعصا، فمد البساط وقعد فوقه، ووضع الطاقية على رأسه، ثم حمل العصا، وأشار إلى البساط‏

طالباً منه أن يوصله إلى حيث الغزالة، تاركاً الحمامتين.‏

وحط به البساط في قصر الغزالة، فمضى إليها في مخدعها، والخدم لا يرونه، لأنّ الطاقية على رأسه، فلما صار أمامها، وضع الطاقية، فسألته عن سبب مجيئة إليها، فأكد لها وعده بعدم التخلي عنها، فسرت به، وصدق عندها وفاؤه، فجعلت له جناحاً خاصاً في قصرها، ليقيم فيه.‏

ثم سلمته أربعين مفتاحاً، لأربعين غرفة، وأذنت له في دخولها جميعاً، ماعدا غرفة واحدة، رجته ألا يدخلها أبداً، فأمضى في القصر أياماً وهو يتفرج على الغرف وماضمته من جواهر وعقود، ونفسه تراوده بفتح الغرفة الأربعين.‏

وذات يوم وجد نفسه مدفوعاً إلى الغرفة الأربعين، ففتحها ودخل، وإذا رجل معلق من يديه في جدارها، وهذا الرجل طوله شبر واحد، ما إن رآه حتى أخذ يتوسل إليه راجياً منه أن يفك قيده ويطلقه، فأشفق عليه، فأطلقه، فإذا الغزالة قد حلت محله على الفور.‏

وهم بقتل الرجل القصير، ولكن هذا ضحك ساخراً، وقال له: "هيهات لا يمكنك قتلي، فروحي محفوظة في قلب فيدوس، صاحب سبعة رؤوس"، وأخذت الغزالة تبكي وتتوسل إلى الفتى ترجوه أن يبذل جهده كله ليحصل على روح الرجل القصير من قلب فيدوس، وعلىالفور مدّ الفتى البساط، وطلب منه أن يحمله إلى حيث فيدوس.‏

وحطّ به البساط في ظاهر بلدة، قرب بيت صغير، قرع بابه، فخرجت له عجوز، طلب منها شربة ماء، فعجبت لأمره وأدركت أنه غريب، ثم أخبرته أن الماء قد نضب من آبار البلدة كلها، وأن سواقيها قد جفت، والناس ينتظرون وصول ابنة الملك إلى فيدوس حتى تصل المياه إلى الآبار والسواقي، فقد تسلّط على البلدة، وسد بقدمه نبع الماء في الجبل، وقد اعتاد الناس أن يقدموا له في كل ربيع أجمل فتاة في البلدة، فيشغل بافتراسها عن سد النبع ، فينبجس الماء، ويتدفق نحو البلدة ليملأ آبارها وسواقيها، وقد وقع اختيار الضحية هذا العام على ابنة الملك.‏

ولما علم الفتى بذلك، أسرع إلى البلدة، فرأى فيها هرجاً ومرجاً، وفيها أناس يندبون ويبكون، لتقديم ابنة الملك ضحية، وأناس يرقصون ويغنون، فرحاً بقرب وصول الماء إلى آبارهم، ثم رأى موكباً يخرج من قصر الملك، وفيه فتاة صبية، في أبهى حلة، يقودها فارس ملثم، فأدرك على الفور أنها ابنة الملك، تقاد إلى حيث فيدوس، فتتبع الموكب إلى أن غادر البلدة، وأخذ يصعد الجبل، ولما اقترب الموكب من القمة توقف المرافقون، ومضى الفارس الملثم، يقود ابنة الملك وحدها، إلى حيث فيدوس، فلما ابتعد بها عن الأنظار، برز له الفتى، مشهراً سيفه، طالباً منه ترك ابنة الملك، ليتولى هو بنفسه قيادتها، فتركها الفارس على الفور، ومشى بها إلى فيدوس.‏

ولما بلغ مغارته، ناداه طالباً منه الظهور، فعجب فيدوس للأمر، وهو الذي لم يعتد على ذلك من قبل، فرد عليه طالباً منه ترك الضحية وحدها، ولكن الفتى أصر طالباً منه الظهور، فمد فيدوس رأسه من المغارة، فهوى عليه بالسيف، فقطعه، فغضب فيدوس، ومد رأسه الثاني، فهوى عليه بالسيف أيضاً، وهكذا حتى أتى على رؤوسه السبعة، ثم التفت إلى ابنة الملك، وطلب منها أن تعود من حيث جاءت، وألا تخشى شيئاً.‏

ثم دخل المغارة ، فشق صدر فيدوس، وأخرج قلبه، وفتحه، فعثر فيه على صندوق صغير، فخبأه تحت قميصه، ورجع إلى البلدة.‏

وكان الماء قد انبجس من النبع، وجرى ممتزجاً بدم فيدوس، ليملأ السواقي والآبار، وفرح به الناس فرحاً شديداً، ثم ازداد فرحهم حين رأوا ابنة الملك قادمة من الجبل سليمة معافاة، وأقام الملك الزينات، وأعلن الأفراح، ودعا الناس جميعاً إلى ولائم أقامها في الساحات، ثم أعلن أنه سيزوج ابنته من قاتل فيدوس، وتقدم شبان كثيرون، يدعي كل منهم أنه هو الذي قتله، ولكن ابنة الملك كانت تكذبه، فيرتد مدحوراً.‏

وبينما هي جالسة في شرفتها، إلى جانب أبيها، تنظر إلى الناس مقبلين على الولائم المقامة في الساحات، رأت الفتى، فعرفته على الفور، وأشارت إليه، وهي تقول لأبيها: "هذا هو قاتل فيدوس".‏

وأرسل الملك على الفور جنده، فأحضروا الفتى، فسأله إن كان هو حقيقة قاتل فيدوس، فأجاب: "نعم"، فشكره الملك على ذلك، وأخبره أنه يرغب في تزويجه ابنته.‏

وجددت الأفراح، كما جددت الولائم، وتزوج الفتى ابنة الملك، وسعد بها، كما سعدت به، ومرت عليهما أيام وشهور، كادت تصير إلى عام، حملت فيها الزوجة، وبدأت تستعد لاستقبال المولود.‏

وذات يوم عثرت الزوجة على العلبة الصغيرة، وكان الزوج قد خبأها في مكان أمين، فعجبت لأمرها، ولما سألته عنها، تذكر الغزالة والرجل القصير، فراوغ في الجواب، ثم ألحت عليه أن يفتح العلبة، واضطر أمام إلحاحها إلى فتح العلبة، فطار منها عصفور صغير، وأدرك على الفور خطر ما أقدم عليه، فأشعل ثلاث شعرات، فحضر على الفور زوج أخته الكبرى، فطلب منه أن يحضر له ذلك العصفور، فأحضره إليه، فأعاده إلى العلبة.‏

ومرة أخرى ألحت عليه، ففتحها، ومرة أخرى استنجد بزوج أخته الصغرى، فأعاد إليه العصفور، وكرة ثالثة أعاد الأمر نفسه، ثم أدرك أن إرادته قد ضعفت، وأنه يوشك أن يودي بالغزالة، فعزم أمره على الرحيل.‏

وذات صباح، وبينما زوجته في المخاض، قدم لها عقداً، وطلب منها أن تلبسه للمولود في عنقه إن كان أنثى، وفي معصمه إن كان ذكراً، ثم مدّ البساط، وقعد فوقه، وطلب منه أن يوصله إلى حيث الغزالة.‏

وحط به البساط أمام الغزالة، والرجل القصير يضربها بالسوط، وعلى الفور فتح العلبة، وأمسك بالعصفور، فأخذ القصير يرجو منه إطلاقة، في حين أخذت الغزالة ترجوه أن يبادر إلى فصل رأسه عن جسده.‏

وكادت نفس الفتى أن تضعف، ولكنه أسرع ففصل رأس العصفور عن جسده، فوقع الرجل القصير على الأرض، جثة هامدة، لا حياة فيها، ثم نظر إلى الغزالة المقيدة إلى الجدار، وإذا هي صبية حسناء، في ربيع العمر، فبادر إلى فك قيودها، وإطلاقها.‏

ولما لامته الغزالة على تأخره عنها، اعتذر لها، وأكد عزمه على البقاء بجانبها، فأخبرته أنها ملكة على سبعة بلاد، وأن ذلك الرجل القصير هو الذي مسخها غزالة، ثم حملته، وحطت به في قصرها، فإذا هي ملكة متوجة، يحف بها الخدم والوزراء.‏

ولما عرضت عليه الزواج منها، وافق، فتزوجته، وتنازلت له عن الحكم، وأصبح ملكاً يتصرف في شؤون البلاد والعباد.‏

أما ما كان من أمر زوجته، ابنة الملك التي أنقذها من فيدوس، ثم تركها وهي في المخاض فقد وضعت ولداً ذكراً، ربته في حجر جده الملك، وكان لا يعرف لنفسه أباً سواه.‏

ثم كبر الولد، فوضعت أمه في معصمه الطوق الذي كان قد أهداها إياه أبوه، وأخذت تبدو على الولد ملامح الذكاء.‏

وذات يوم كان يلعب مع ابن الوزير، فإذا ابن الوزير يعيب عليه أنه لا يعرف من أبوه، فأنكر ذلك، ولكن ابن الوزير أكد له أن من يدعوه أباه ليس إلا جده لأمه.‏

وسأل الولد بعض المقربين عن الأمر، فأكدوا له ماقاله ابن الوزير، فماكان منه إلا أن ترك القصر، وهام على وجهه في البلاد، يبحث عن أبيه.‏

وتقلبت به البلاد، كما تقلبت به الأعمال، حتى بلغ البلد الذي يحكمه أبوه، ففتح فيه مطعماً، وأخذ يصنع أطايب الطعام، حتى بلغت شهرته قصر الملك، فجرب طعامه يوماً، فأعجب به، وأصبح الملك لا يتناول طعاماً إلا من صنعه، وكان لا يتردد أحياناً عن زيارته في مطعمه مساءً لتناول طعام العشاء، وقضاء السهرة معه.‏

وكان يحدث زوجته عنه، ويصفه لها، حتى أنها عشقته على السماع، وأخذت تتمنى لقاءه، ثم قررت أن تصل إليه، مهما كلفها الأمر، فأرسلت وراء البنائين، فطلبت أن يحفروا لها نفقاً تحت الأرض يصل مابين قصرها ومطعمه، وأن تشاد وراء المطعم غرفة خاصة ليتم لهما اللقاء، ولما تم لهما ذلك، أخذت تزوره كل مساء، تأنس بحديثه، وترتاح إلى لقياه.‏

وذات يوم قدم إليه الملك مساءً، لتناول طعام العشاء، وتزجية الوقت، وبينما هما معاً، وإذا الملك يسمع قرعاً على باب في عمق المطعم، فسأل عن الأمر، فأجاب الولد أن الخدم والطباخين يغسلون الصحون والقدور، ثم توجه نحو الباب وهمس طالباً عدم إحداث الضجيج، معلناً عن وجود الملك في المطعم.‏

ومرت ساعة وبضع الساعة، وإذا القرع يتكرر ثانية، فدهش الملك، فعلل الولد ذلك بما علله في المرة الأولى، ومرت ساعة أخرى، وإذا القرع يتكرر ثالثة، فشك الملك في الأمر، وقام إلى الباب بنفسه، ففتحه، وإذا زوجته وراء الباب، ودخل الغرفة فرأى النفق، وعرف حقيقة الأمر، فاقتاد زوجته والولد إلى القصر، وأمر الجلاد بضرب عنق الولد على الفور.‏

وتوسلت إليه الزوجة، ترجوه العفو عن الولد، وأكدت له براءتها وبراءته معاً، ولكن الملك لم يصغ إليها، وأشار إلى الجلاد، يأمره بتنفيذ مهمته.‏

وتقدم الجلاد، يصحبه الخدم، فبادر هؤلاء إلى خلع قميص الولد عن جسده، وأحضروا الأغلال لتقييد يديه، فرأى الملك العقد الذي أهداه إلى زوجته في معصم الولد، فأشار إلى الخدم أن كفوا عنه، ثم بادر إليه يسأله عن حقيقة أمره، فروى له الولد حكايته بالتفصيل، فعرف فيه الملك ابنه، فضمه إليه وعانقه، وعفا عنه.‏

ثم أرسل إلى زوجته أم الولد التي كان قد خلصها من فيدوس، وكان أبوها قد توفي، وكانت قد ورثت العرش من بعده، فأحضرها إليه، وأفرد لها جناحاً خاصاً في القصر وضم بلادها إلى بلاده، وعين ابنه حاكماً عليها، وقد أصبح ملكاً على ثمانية بلاد.‏

ثم سمع ببلد مجاور لبلده يقتتل فيه أخوان على الحكم، فخشي أن يكونا أخويه، فأرسل إليهما يدعوهما إليه، فإذا هما أخواه، فلما عرفاه اعتذرا له، وتنازلا له عن الحكم، فضم بلادهما إلى بلاده، وعينهما وزيرين له، وعاش يحكم في الناس بالعدل، إلى أن وافاه الأجل.‏

تعليق‏

حكاية متميزة، تتضمن حكايات وعناصر كثيرة، ركبت بإتقان، وهي تعالج مشكلة الأخ الأصغر، يقسو عليه إخوته، فيغترب، ويضيع، ويعاني ويتشرد، ولكن الفوز يكون له في النهاية.‏

ويظهر السحر في الحكاية كما يظهر ملوك الجان، مما يثير الخيال، ويعبر عن تعلق الإنسان بالعجائب، وميله دائماً إلى تجاوز المعقول والواقع.‏

وتبدو معاناة الغزالة من السحر موازية لمعاناة الأخ الأصغر، وهي التي تساعده على لقاء إخوته، وهو الذي يساعدها على الخلاص من السحر، فإذا هما متضافران، والعقبى في النهاية لهما.‏

وفي الحكاية عناصر مكرورة في حكايات كثيرة، منها الأبواب الأربعون، والعصا والبساط والطاقية، والشعرات الثلاث، والسرداب يبنى بين قصرين ليصل بين عاشقين، وهي كلها عناصر مكرورة، ولكن ضمتها هذه الحكاية بإحكام، ووظفتها خير توظيف.‏

وفي الحكاية أيضاً حكايات جزئية، ولكنها ليست منفصلة ولا مستقلة، وإنما هي مرتبطة بالبنية العامة، منها حكاية الوحش الذي يمنع الماء عن البلد، وحكاية الولد التائه يلتقي به والده، ويعرفه بعلامة في يده، والحمامتان المختصمتان. وتظهر في الحكاية واضحة البنية الثلاثية، في الإخوة الثلاثة، والأخوات الثلاث، والشعرات الثلاث.‏

والحكاية طويلة في الزمان، ممتدة في المكان، متعددة في الشخصيات، مليئة بالعجائب والخوارق والمفاجآت، حافلة بالتحول والتغير.‏

وعماد الحكاية تفرق الشمل ثم التئامه بعد معاناة ومصاعب وعقبات كثيرة، وهو التئام يؤكد في النهاية، الانتصار للعلاقة الأسرية الحميمة