علبة الأضراس

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : أحمد زياد محبّك | المصدر : www.awu-dam.org

يروى أن ابن أحد التجار كان والده قد أرسله في تجارة، إلى بلاد بعيدة، ليكسب رزقاً، وليتعلم أصول التجارة، ويتعرف إلى البلاد والعباد، وكان فتى شاباً، عزباً، ما إن نزل في إحدى المدن، حتى قادته خطاه إلى المبغى، ولما كان ابن التاجر، يحمل معه كيس نقود، فقد استطاع أن ينتقي أجمل العاهرات ويمضي ليلة معها، ينفق عليها، بكرم وسخاء.‏

يبدو أن العاهرة قد وجدت فيه بعض ماتصبو إليه، فقبلت منه كل ما أنفقه في ليلته، ولكنها رفضت أن تأخذ ما اتفقت عليه معه من أجر، وتوسلت إليه أن يعود إليها في المساء، وكان الفتى قد أعجب بها، بل فتن وسحر، فهي المرأة الأولى التي يتعرف إليها، وقد وجد فيها كل مالا يعرفه في المرأة، فوعدها أن يجيء.‏

ولما كان المساء، أنهى علاقاته مع التجار، وأسرع إلى المبغى، محمّلاً بالهدايا، فاستقبلته، خير استقبال، ورحبت به، خير ترحيب، وأمضيا الليلة معاً، ولما كان الصباح قالت له ماقالته بالأمس، فأجابها على سؤالها، ولبى رغبتها.‏

واستمر الحال بالفتى، على هذا المنوال، أشهراً طوالاً، أصبح فيها خدين العاهرة، وقد محضته هي الحب، وإن لم تستطع أن تمحضه الوفاء، وقد عرّفته إلى كبار التجار من رواد المبغى، وساعدته في سيرورة تجارته ورواجها، وتوسطت له لدى أصحاب الخانات، حتى كبرت تجارته واتسعت، وزادت أمواله ونمت.‏

ولكن ذات يوم، وصله نبأ بمرض والده، ودعوته له إلى العودة إلى بلاده، كي يراه قبل وفاته، فاغتم للنبأ، واكتأب، خوفاً على أبيه من طرف، وحزناً لفراق خدينته، من طرف آخر، ولكنه اضطر للرحيل، فحمل بضائعه على الجمال، وجمع أمواله في الأكياس، ولم ينبئ خدينته إلا قبيل الرحيل، فأوقف الجمال، ومرّ بها يودعها، فأظهرت حزناً لفراقه، وألماً لِمَا سيكون من بعاد، ولكنه وعدها بالعودة، فور شفاء والده، وأكد لها أنه رجل أسفار، فطلبت منه أن يقدم إليها شيئاً تذكره به، فسألها أن تطلب ماتريد، فلو سألته بضائعه وجماله وأمواله، لمنحها إياها، وما أبقى غير راحلته، ولكنها أكدت له أنها لا تطمع في شيء، ولا تريد سوى واحد من أضراسه، للذكرى، ومد يده إلى ضرسه، وشده بقوة، وقدمه إليها، فأخذته منه شاكرة، وودعها ومضى، وهو يحلم بالعود القريب.‏

ولما بلغ بلاده، ألفى والده على فراش الموت، ولم يطل به المقام قربه، حتى وافاه الأجل، فكفنه، وواراه التراب، ثم حل محل والده في السوق، وأصبح كبير التجار، ملأ السوق ببضائعه، وتقاطر إليه التجار من كل حدب وصوب، وأمواله ماتفتأ تنمو تزيد، وتجارته تتسع، حتى ملأت الآفاق.‏

وكان في أثناء ذلك يذكر خدينته، ويحن إليها، ويشتاق، ويفكر في الرحيل إليها، حتى كان يوم، بعد عام أو بعض عام، حمل بضاعته إلى تلك البلد، وما إن نزل فيها حتى أسرع إلى المبغى، وكان الوقت مساءً، فقرع على خدينته الباب، فأطلت عليه من نافذة غرفتها، تسأله عما يريد، فدهش، وقال لها:"أنا فلان"، فلم يظهر عليها تأثر ما، وسألته ثانية عن غايته، فزاد عجبه، وحسر عن رأسه عمامته، وقال لها: "أنا فلان، لم أغب عنك سوى عام، وبعض العام"، فلم تجب بشيء، فألح عليها، وذكّرها بما كان بينهما من حب ووصال، فازداد إنكارها، ثم لم تلبث أن سألته إن كان يستطيع أن يذكّرها بدلالة أو إشارة أو علامة تعرفه بها، فقال لها: "نعم، نعم، ضرسي، قدمته لك قبيل الرحيل"، فضحكت ثم قالت: "انتظر قليلاً"، فخفق قلبه، وفرح، وأدرك أنها لابد ستعرفه، ووقف ينتظر، ثم فتح الباب، وظهرت له هي نفسها، ولكنها متبدّلة، مربدّة الوجه، فاضحة الثياب، ومدت له يدها بعلبة، وهي تقول له:"خذ، افتحها"، وتناول منها العلبة، مدهوشاً، وهو ينظر إليها، ولهان، ثم فتح العلبة، بيد مرتعشة، وإذا هو أمام كومة من الأضراس، فدهش، وعلاه الخبال، ونظر إليها فاغر الفم، لا يعي مايقول.‏

تعليق:‏

حكاية تربوية، ذات بعد اجتماعي، تتوجه إلى الشباب، ولاسيما الأغرار، كي تحذرهم من المومسات، وتنصح لهم.‏

والحكاية تنجح في تصوير الشاب الغر، وانسياقه وراء متعه وملذاته، وانخداعه بكلام العاهرة، بسبب قلّة خبرته، كما تنجح في اختياره من وسط التجار الأغنياء، وتقديمه غنياً قادراً على الإنفاق.‏

والحكاية لا تدين شخص العاهرة، بقدر ماتدين موقعها الاجتماعي، وتغريرها بالشباب، وإفسادها لهم، كما تكشف الحكاية أساليب خداعها وتضليلها، وتنجح في اختيار علبة الأضراس رمزاً لخداعها الرجال وعدم وفائها، وقد منحت هذه العلبة الحكاية بعدها الفني، وكانت المحور الذي بنيت عليه.‏

والحكاية لاتخلو من جرأة، ولكنها موظفة لغاية نبيلة، وهي تحذير الشباب، والحرص على إبعادهم عن مواطن الرذيلة.‏

والحكاية تعبر عن واقع اجتماعي متخلف، ينتشر فيه البغاء، كما تكشف بصورة غير مباشرة عن واقع التجار ورواج بضاعتهم وكسب الأموال من خلال علاقات يكون للعاهرة فيها دور.‏

ومهما يكن، فالحكاية قوية التأثير والإقناع، وشخصياتها قليلة، وهي مرسومة بدقة والتطور فيها والتحول مدروسان بعناية