من أمارات الظهور

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : ظافــــر الـنجــــــار | المصدر : www.awu-dam.org

 

لم يصدّق ما قيل له.‏

قال لمحدّثيه: لا يستطيع الإنسان أن يثق بكل ما يسمع، بل ولا بكل ما يرى!‏

فابتسموا باستخفاف، هزّوا أكتافهم، ومضوا.‏

".. إشاعة... مجرّد إشاعة.. كذبة كبيرة." ذلك ما قرره ببساطة واثقة.‏

لكن الحكاية تعود، لتقرع رأسه ثانية وثالثة و.. وتمضي، تفرّخ في الطرقات والساحات العامّة.‏

كانت الإشاعة تكبر وتكبر متجاوزة كل اعتراضاته، بل راحت تفرض نفسها على أحلامه بالذات. فبالأمس استيقظ مندهشاً من وضوح الحلم ودقّة تفصيلاته. حتى المكان يكاد يتبينّه بوضوح تام مع كافة دقائقه، لدرجة تغري بالتجربة إن لم يكن بالتصديق. ورغم كل علمانيّته، قرر أن يذهب ويعاين الأمر بنفسه. ومضى.‏

كانت الدروب الوعرة واضحة كما في الحلم تماماً.‏

وكذلك التلال المتناثرة هنا وهناك، والأعشاب البريّة المتوحّشة. كل شيء بدا معروفاً ومألوفاً.‏

وهناك فوق الصخرة نفسها. رآها متكوّمة وثابتة، لكأنها مزروعة هناك منذ الخلق الأول!‏

عاين بنفسه الفجوتين الصغيرتين، ورأى القطرات الراشحة المنسابة، خيطان من القطرات، أحدهما صاف ونقيّ، وله طعم الملح، والآخر له لون الدم وطعمه ولزوجته.‏

كانت أشبه بكتلة معدنيّة مضغوطة ومشوّهة، والفجوتان إيّاهما تستقران في النصف العلويّ، والأسنان المحطّمة ذاتها وهي تقبع في تجويف الفم الفاغر، تماماً كما سبق ورأى في الحلم!‏

استيقظ الرعب ثانية في أعماقه وهو يتلمّس آثار السكيّن الواضحة في الصدغ الأيسر.‏

حاول أن يتذكّر كيف حدث ذلك في ليلة عرسه، لم يستسلم آنذاك، قاوم طوال الوقت.‏

عندما دفنوه، كان لا يزال يسمع نشيج عروسه وصراخها، إنه يتذكّر ذلك جيّداً، لكنه لايتذكّر أنه دُفن دون جمجمة.‏

مدّ يديه المرتجفتين، أمسك بالجمجمة، أغلق الفجوتين النازفتين بأصابع مرتعشة، وركض بكل قواه، وهناك في المقبرة البلديّة، وبليلة شديدة السواد أقسم أحدهم أنه رأى بأمّ عينيه شبحاً أو أشباحاً،‏

- لم يستطع التحديد بدّقة- نبشوا قبراً أو قبوراً وانتشلوا جثة دون رأس، أضافوا لها شيئاً لامعاً ونازفاً، ثم ابتلعتهم جميعاً الأرض أو السماء.‏

- لم يستطع التمييز بسبب كثافة الظلام.‏

وبالفعل لاحظ من يهمهم الملاحظة، أن تراب المقبرة ظهر وكأنه أكثر طراوة من قبل، كما لاحظوا خيطاً باهتاً له رائحة الملح والدم، مرتسماً على طريق المقبرة.‏

لم يعيروا الأمر كبير أهميّة في البدء، خشية أن يكونوا واهمين، لكن شائعات جديدة راحت تفرض نفسها وتفيد بأن أرض المقبرة بدأت تتشقق، وثمة أعشاب بريّة متوحّشة تنبت كالإبر وبروائح نافذة. كثيرون لم يصدّقوا ما سمعوا ولا ما رأوا، والبعض راح يسلّم بذلك كأمارة واضحة من أمارات الظهور، بل أضاف البعض الآخر بأن السيّد الذي ظهر بالفعل هو أعور.‏

لا أحد يستطيع الجزم، بل لا أحد يستطيع أن ينفي أو يؤكّد شيئاً على الإطلاق.‏

والجميع بدأوا يتلمسون رؤوسهم في حين كانت أشعّة الشمس تزداد نفاذاً وحدّة، وكانت الثعابين لا تزال تنتصب كعيدان يابسة بانتظار العصافير المتعبة.‏