لقاءات الغرباء

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : نور الدين الهاشمي | المصدر : www.awu-dam.org

التقيا على الرصيف فجأة وسط زحام الأجساد المتعبة... تجمّدا برهة يتأملان بعضهما بصمت... استحمّ القلب بنافورة فرح... ابتسما وضعا حوائجهما على الأرض... كان معه خبز وحليب وخضار وكتاب وكان معها خبز وحليب وخضار ودواء... لم يسألها‏

- أين كنت كلّ هذه السنوات؟‏

لم تسأله‏

- أين كنت كلّ هذه السنوات؟‏

مسح بعيونه تجاعيد الوجه الذي كان يعبده... مسحت بعيونها تجاعيد الوجه الذي كانت تعشقه‏

- مازالت جميلة‏

- مازالت جريئاًً‏

ضحكا... أمسك بيديها اللتين خشّنهما الصابون وعذاب المطبخ‏

- أنت متعبة‏

أمسكت بيديه المرتعشتين تتلمّس بحنان مواضيع الأقلام وأعقاب السجائر‏

- أنت متعب‏

غفت يداه بين يديها... غفت يداها بين يديه... توقف الزمان وارتحل المكان نحو غيمة وردية‏

فجأة... انفجر من بعيد صوت سيارة شرطة تولول... تنظف الدرب الفسيح أمام مسؤول كبير... تبعها بكاء طفل جائع أو خائف... نسلت يديها من لحم يديه... حملت سلتها.. لوّحت كوردة المساء العطشى ثم ابتلعها الزحام..‏

تذكرت أنها كانت تريد أن تسأله‏

- كيف حال زوجك... والأولاد‏

وقف وحيداً رغم المجموع المتدافقة.. تذكر أنه كان يريد أن يسألها‏

- كيف حال زوجك.... والأولاد‏

سار بعيداً يحمل سلّة فيها خبز وحليب وخضار وكتاب... سارت بعيداً تحملّ سلّة فيها خبز وحليب وخضار ودواء... نسيا قلبين يبكيان وحدهما بين الأقدام.‏

***‏

في صباح يوم يفيض بالبرد والسأم التقيا... لم يلق أحدٌ منهما أية تحية على الآخر... قال الأول‏

- أنا ذاهب إلى معلمي الأكبر في شرقي المدينة لأنه أفضل من يقول الحقيقة‏

قال الثاني‏

- وأنا ذاهب إلى معلمي الأكبر في غربي المدينة لأنه الأفضل دائماً في قول الحقيقة‏

افترقا دون وداع ودون أن ينظرا إلى شجرة الكرز التي برعمت وأرسلت فروعها بفضول خارج السور الحجري ولم يريا النافذة التي أطلت منها صبيّة حالمة بدأ الثوب يدغدغ صدرها‏

عند الظهيرة التقيا كانت الشمس رمحاً شرساً في الظهر... وقف الأول يمسح عرقه لاهثاً‏

- أنا ذاهب لأتدبر طعام اليوم إن شاء الله‏

قال الثاني‏

- أنا عائد من السوق بعد أن حظيت بطعام اليوم والحمد لله‏

افترقا شاردين دون كلمة وداع ودون أن ينظرا إلى شجرة الكرز التي أزهرت أو إلى الصبية التي عقدت جديلتين ساحرتين وضمّت بين شفتيها زهرة حمراء‏

عند اصفرار الشمس التقيا... كانت الشمس رغيفاً يابساً ينزلق نحو أحشاء الجبال.. خيال الأول قد تقوّس فوق عكازه نخرت خشبها دودة سوداء وخيال الثاني قد انحنى فوق عكازه نخرت جسدها دودة صفراء..‏

قال الأول متباهياً‏

- أنا أرمم جسدي عند طبيب مشهور‏

وقال الثاني متفاخراً‏

- أنا أرمّم جسدي عند طبيب أشهر‏

جرّ الطريق جسديهما ولم يرفعا رأسيهما ليتأملا شجرة الكرز التي تنزف ثماراً دامية على الرصيف أو ينظرا.. إلى المرأة التي تضغط بأسنانها على وردة ذابلة.‏

عند المغيب التقيا كان الأول محمولاً في تابوت مصنوع من شجرة توت عقيمة وكان الثاني محمولاً في تابوت مصنوع من الخشب نفسه... قال الأول‏

- أنا واثق أنني سأدخل الجنة وحدي‏

قال الثاني متحدياً‏

- بل أنا واثق أكثر أنني سأدخل الجنة وحدي‏

اعتدل الميتان ليضربا بعضهما لكنهما توقفا صدفة حين لمحا شجرة الكرز العارية الجرداء والمرأة التي كفّنها الشيب‏

قال الأول‏

- ليتني تذوقت حبة كرزة من هذه الشجرة.. يبدو أنها كانت لذيذة...‏

قال الثاني‏

- ليتني عشقت هذه المرأة... يبدو أنها كانت جميلة‏

تمددّ الأول والثاني في نعشيهما يحلمان بزهرة على قبريهما أو دعاء... بكت الشجرة.. بكت الفتاة... بكى كلّ‏

شيء... الوقت مازال شتاء... دون مطر.‏