قبة دانيال

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : ابراهيم الخليل | المصدر : www.awu-dam.org

 

قبل كل شيء لأعترف .‏

بكل بساطة ومودة، وبحرّية الزرازير التي تطلق زقزقاتها وهي تتشبث بالهواء وتصطاد بمخالبها ندف الثلج، وهو يدثّ ليغطي وجه الأرض مخملاً أبيض وفرحة ببراءة مفقودة، كان قبل يأتي تُسلمها القرى الحدودية القريبة للدرك الخيالة ومهربي التبغ ومخافر الحدود، ثم تشتفيق على فاجعة غير محسوبة، فيدرج الرجال لفافاتهم بأصابع قلقة، ويبللونها بشفاه جافّة ـ بينما تدق النسوة صدورهن الهزيلة صارخات بأصوات محشرجة :‏

يا ويلنا ويا خراب بيتنا .‏

وتقعي الكلاب وهي تبصبص بأذنابها وتهزّ رؤوسها بمرح، تنتظر دماً ينسرب يعقبه ثغاء باكٍ .‏

لأعترف . بأنني امرأة غير عادية، لي عالمي الخاص أصنعه من ملكياتي الصغيرة التي لا ينازعني عليها أحد، من اسمي وأصابعي ولون عيوني وشعري وبحّة صوتي وطباشيري، ودورة الفصول الأربعة التي لكل منها خصوصيته ورياحه ولن تربته وغيومه ومواسمه.‏

جلّنار ... جلنار ... أين أنت يابنت ؟‏

كانت أمي تنادي بالصوت نفسه، والتساؤل نفسه حتى لو كنت أمامها ثم تردف بعد ذلك :‏

قهوة . عندنا ضيوف .‏

وأقوم من مكاني تحت شجرة النارنج دائمة الخضرة، وتتفرق بضع دجاجات تنقر الأرض الرطبة بحثاً عن حبّات تائهة من القمح والعدس، أو من الديوان التي تتوالد بسرعة مذهلة في الطين والظلال . وحين أدخل المطبخ أضع دلّة القهوة النحاسية وأتابع اللهب الأزرق تحتها، وأنا أعرف أنّ أمي في تلك اللحظة تجلس أمام الباب الخشبي، مع الجارات يثرثرن في شؤون تافهة، يقتلن بذلك الوقت الذي يتلوى حولهن كثعبان ضخم يبتلع ساعات عمرهن كأفراخ زغب الحواصل لم يصبّ ريشهن بعد، ولا صوت لما يجري .‏

لأعترف بأن لي مزاجي الخاص، وحالاتي الخاصة التي أرفض أن أشارك فيها أحداً من الناس، كما ترفض أصابعي أن تشابه بصماتها بصمات أصابع أخرى، فأنا أنثى حالمة تمرّ عبر شعابها رياح مجنونة وشرسة كقطيع من ذؤبان البراري، لا أملك غالباً ذلك التوازن المطلوب مما دفع مدّرستي لأن تقول :‏

هذه الصبيّة مجنونة صغيرة .‏

فلا أشعر تجاهها بغير الودّ الخالي من كل حقد، كما أنني شاحبة كأوراق الكتب القديمة، لي ضحكة مجلجلة وصافية مثل قرع كؤوس السوس الفضيّة، وهي ترنّ حين تضرب بعضها بعضاً، معلنه عن استعدادها لريّ العطاش، أيّ عطاش كانوا، بسائلها الذهبي الرقراق، وطعمها الخاص الذي لا يماثله طعم آخر في المشروبات .‏

جلّنار ... يا جلّنار..‏

أنادي نفسي فأحس بطعم الخرنوب الناضج في فمي، بينما تناديني أصوات أخرى، أصوات زرقاء بلون لهب النار، لها رائحة القهوة بالهال، وليونة الطين النهري، وهو يتوقّد تحت الشمس الجاسية، وقد تركت على وجهه طيور الطيطوي والكراكي والدراج آثار أصابعها كنقوش مسمارية تروي أسطورة حبّ سومريّة .‏

عاشرت أصابعي الحبر والألوان كما يعاشر السمك ماء النهر، هذه الألوان التي أوزعها على المساحات البيضاء لتتحول إلى وجه واحد من آلاف الأعشاب والأزهار والعصافير والثعالب وسلاحف النهر، وجد عاشرتهٍ كما يعاشر البرد قمم الجبال المكللة بالثلج وركضت عيوني على آلاف الصفحات بحثاً عن صاحب الوجه الغامض، هذا المتوج بعمامة، من الحرير والجواهر والفتوحات والقبائل التي قاتلت واقتتلت ثم ذابت لتسلم مجدها إلى بابوات جدد من الباشوات الحمقى والخلفاء الأغبياء وهم يدخنون النراجيل ويضعون على رؤوسهم جبالاً بيضاء يسمونها العمائم، استبدلوها مع تطور الزمن طرابيش حمراء بلون الدم الذي يسفكونه من بكارات العذارى، بأصابعهم المثقله بالخواتم الذهبية والخطايا ودماء الأخوة .‏

هذا الرجل الغامض، كان يحرك صهيل كل أفراس جسدي الجميلة، وقد فاجأني أبي يوماً في حالة تلبّس حقيقية وأنا أرسم صورته بالطباشير على جدار البيت فقال مستنكراً وهو يشير بأصبعه:‏

ماذا تفعلين ؟ قلت وأنا أحني رأسي :‏

أرسم صورة كما ترى .‏

صورة من ؟‏

هرون الرشيد .‏

هارون الرشيد ؟ ! ما هذا التخريف ؟! نظفي الجدار وانتبهي إلى دروسك فلن ينفعك هارون الرشيد في الامتحان .‏

قال أبي ثم دخل يحمل خبزنا اليوم، وخبزهم، نعم خبزهم، ناولني حصتنا ثم تابع طريقه إلى القبو الصغير لايسمح لأحد بالدخول إليه سوى أمي لتحضر ما يلزمها من المونة المخزنة هناك من عدس ورز وسكر وسمن، نزل الدرجات القليلة ثم أدار المفتاح فتكّت طقّاته، ثم تعالى صوت خطواته عميقاً في الداخل، وانطبق الباب من جديد.‏

كنت أعرف لأبي أصدقاء من الجان، يحمل إليهم خبزهم وطعامهم أحياناً، ويجلس معهم يدخن ويناقش حتى يعلو صراخهم أحياناً، لكنه لايعدو جدران البيت وقد طمأن أبي الجميع بأنهم رحمانيون ولا يأذون أحداً، وحين يخرج كان يبدو عليه التعب ويبلله العرق لأنه تعب في حوارهم وإقناعهم، وقد شكّت أمي في البداية في أن يكون متزوجاً منهم ولم تقنع حتى أقسم لها على المصحف .‏

وإذا أردت أن أخفف عنكم وقع المفاجأة، أقول بأنني مسحورة أيضاً. مسحورة بأشياء كثيرة، أدمنتها كما تدمن النحلة رحيق الزهر، فتصنع منه عسل حياتها، هذا العسل الذي يتغزّر كحليب أم حديثة الولادة، وأنني مسكونة بامرأة تشبهني، لا تظهر إلا ليلاً وهي مكللة بثياب زرقاء، امرأة أستطيع أن أدّعي بأنها خارقة، واستثنائية، قد تكون عاشت من قبل في بلاط الرشيد، العامر، ترنّ حجولها الذهبية في الردهات الواسعة، كآهات معدنية مشاغية، ويشفّ الحرير عن جسد من الجمر اللذيذ والصبابات المنفلته كمياه السيول في شعبان عميقة الغور تصطاد الثعالب وتغرق جحور اليرابيع، تدخن النرجيلة فتتعالى كركراتها دون توقف، وتمدّ قدماً من الثلج الريان بالدم في الماء الخجول، فيحتفي بها وسط مهرجان من الرغوة والصخب الكتيم، ويغسلها برّقة عصفور وكأنه يتذوّق منها طعم السجاد التبريزي المترفّ، فتتساقط رسومه لتنفرط كعقد من الأضواء الملونة . فأناديها :‏

جلّنار ..‏

فتضحك بصوت كالموسيقا الوتريه ... وتناديني:‏

جلّنار ..‏

وفي المساء، يخلع عمامة الملك، وخاتم الخلافة، ثم يتسلل إلى جناحها كاللص، ملثماً بكوفية من الخزّ الأسود، وقد لفّ جسدّه العاري، بعباءة من وبر الإبل، وبأصابع حذرة وعارية من كل شيء ينقر الباب، ثم يدخل كالزوبعة ينضح منه العرق، وعبق الغالية، والخوف يشلّه، خوف يشبه خوف المهربين وهم ينتظرون أمام حواجز التفتيش وقلوبهم ترّف كالطير في فخاخ الصيادين.‏

وحين يغلق الباب، يعود إليه الأمن ويشتعل كما تشتعل أعواد الحطب الحافّ، في التنور، فينشر الدفء ورائحة الخبز والطحين والماء، ثم يبدأ طقوسه الوثنية المألوفة، فيتمدّد فليلاً، وهو يتكئ على جانبه الأيسر، وقد انحسرت العباءة عن قدميه ورجليه، فبان بياضه المشرب بالحمرة، وقد غطى شعر ذهبي لا مع كل ما ظهر من جسده، فكأنه حقل من الحنطة في موسم الحصاد، يقصده القطا والصعو، وقطعان الماعز الشامي الضارب إلى الحمرة دون أن يعلم أنه مزروع بأفخاخ سرّية لصيده، فيأتي خوفه نابضاً وحاداً كالمنجل:‏

اسقيني ..‏

وتملأ راحتيها بالخمر وتدنيهما من فمه، فتحسّ بدغدغة خفيفة كدغدغة أفواه السمك، فترتعش وتتوالى الجرعات، ثم تمتد أصابعه إلى شحمة الأذن، فتحمي هامتها لتلاصق صدرها، فيدفن رأسها بينهما، وهو ينفث جمره القدسي وغواياته، وتصلها غمغماته.‏

جلّ .. نار ... نار ...‏

ويتناول بزاوية فمه توت النهد المشتعل فينفرط حليب سرّي، يعرف طريقه إلى عصب الأسنان له طعم الكمثرى الناضجة، فيتمتم :‏

هذا التوت بخراج خراسان والريَّ .‏

وتتحول عيناه إلى قنديلين صغيرين يتدفق منها الضوء والدفء بينما تنزّ جراح الكرز بدماء مالحة، وتتجمع قطرات من العرق في الترصيعة التي تتوسط الحنك، ثم تسيل إلى العنق . وحين يتوتر، تزحف فوق مخمله وهي تتلمس أعشابه السّرية، وتشتل لهاثها في جلده المندّى بعرق وعطر، وتنتظر أمطاره وهي تلهث كالطريدة المحاصرة بين فخّ وهاويه .‏

وآخر الليل يرحل، ولا يخلف وراءه سوى رائحة العطر والشراب والدخان والنرجيلة المطفأة، والموقد الخامد إلاّ من رماد الحطب وآثار أسنانه يزرع جسدها بشقائق النعمان من شحمة الأذن إلى توت النهد الصلب الذي بنى معه صداقة لا تخون .‏

....‏

قلت لكم إنني مسحورة بأشياء كثيرة .‏

بعضها قد يثير الدهشة لديكم لتفاهته، وقلّة اكتراث الآخرين به، كزمرة دمي مثلاً، لا لشيء إلاّ لأنها سلبيه ونادرة، لذا اعتبرتها مقدسة، فقد قال لي الطبيب الذي يعرف أهوائي ومزاجيتي يوماً :‏

مبروك، زمرة دمك تثبت بأنه أزرق .‏

قلت بدهشة ومرح :‏

ماذا يعني ذلك ؟‏

يعني أنك من سلالة نبيلة، فمن أين تحدّر إليك هذا الدم ؟ !‏

لا أعلم فنصف عائلتي مجانين .‏

والنصف الآخر .‏

على وشك الجنون .‏

هذه ضريبة النبلاء . فتذكرّي .‏

أنا مختلطة الدماء . فربما جاءني هذا الدم من جدّة بعيدة جاؤوا بها سبيّة من قندها، أو بلاد الغور والقبجاق .‏

وربّما ؟‏

كنت أميرة عباسية من سلالة إحدى جواري الرشيد الفارسيات أوالروميّات دمها مزيج من كل عروق البلاد المفتوحة .‏

تحبين التاريخ إلى هذا الحد ؟!‏

وأكثر .‏

من هنا يأتي الجنون .‏

أو الحكمة الخالصة لثعالب القرى البعيدة .‏

وفي النهاية، يأتي الدم الأزرق .‏

وضحكنا معاً أنا وطبيبي الذي نسي مرضاه، ووقته الثمين، ليثرثر مع أنثى جاءت لتكتشف دمها الأزرق النبيل، هذا الدم الذي أحرص على اللعب به، وأراهن على استمراره دون اعتبار للآخرين .‏

...‏

قبل سنوات عديدة ،جاءت عائلتي .‏

رجل وامرأة وأطفال كنت أوسطهم، وسكنت العائلة في بيت متواضع ظهره إلى السور الأثري - وإذا أردت الدقة - أطلال السور القديم الذي حصن به الخليفة المنصور مدينته التي بناها على شكل بغداد، لتكون بغداد الصغرى، وكان الأب موظفاً صغيراً، له قلب من الذهب، وصوت خافت أليف ولكنه آمر وحاسم خاصة حين يدخل القبو وهو يحمل بيده اليمنى الخبز وبالأخرى " قبّة دانيال " وهو كتاب ورثه عن أبيه يمتلئ بسطور كتبت بأحرف كبيرة وغير متناسقة باليد وكأن كل صفحة فيه بما تحتويه من كتابات وصور أشبه بقرية للنمل، وهو يردّد دائماً لنفسه :‏

نتعلّم السحر ولانفعله.‏

وبعد لحظات يتعالى صوته عميقاً وخشناً وآمراً أو متضرعاً :‏

أسألك باسمك المكتوب على سرادق المجد، وأسألك باسمك المكتوب، السراب السابق، الفايق، الحسن الجميل، النضير، رب الملائكة الثمانية، والعرش الذي يتحرك، أو أسألك بالعين التي لاتنام، وبالحياة التي لاتموت وبنور وجهك الذي لا يطغى بالاسم الأكبر الأكبر، الأعظم الأعظم الأعظم، الذي هو محيط بملكوت السموات والأرض، وبالاسم الذي أشرقت به الشمس وأضاء به القمر، وسجرت به البحور ونصبت به الجبال، وبالاسم الذي قام به العرش والكرسي، وباسمك المكتوب على سرادق العرش، وباسمك المكتوب على سرادق العزّة، وباسمك المكتوب على سرادق العظمة، وباسمك المكتوب على قلب الشمس، وباسمك المكتوب على سرادق البهاء، وباسمك المكتوب على سرادق القدرة....‏

ويغيب الصوت للحظات، يضيع في فلوات عارية وجرداء كما يضيع قطيع من الغزلان الخائفة ... ثم يعود قوّياً من جديد:‏

يانور النهار، ويانور الليل، ونور السماء، ونور الأرض، ونور النور، ونوراً يضيء به كل نور ...‏

ثم تنفرط الكلمات كعقد من الخرز الأزرق، ويمتلئ المكان بهمهمات غامضة أشبه بحفيف أجنحة الخفاش عند الغروب وهو يملأ الأفق .‏

كان أبي يحلم بالعثور على قبة دانيال، هذه التي لا تفتح أبوابها إلاّ مرة واحدة في السنة ليدخلها ويطلب مايشاء .‏

أما أمي فكانت امرأة ساذجة وبسيطة، لا أحلام خاصة لها، وإنما كرّست حياتها للثرثرة أمام الباب مع الجارات والعناية بأطفالها وبيتها، وقراءة الفنجان بعد شرب القهوة .‏

وقد كنت مبهورة بكل شيء، أصدقاء أبي السريين، وصلواته الغامضة، والعشب البّري الذي ينبت في الربيع فوق أسطحة البيوت الترابية، ويكسو التل الذي يقف أمام بيوت الحارة، حيث كنت أمضي وقتاً سعيداً، أقطف باقات من زهوره البّرية وألاحق السحالي التي تخرج منه، ثم أجفف ما أقطف من أعشابه للشتاء القادم .‏

وأكثر ما كان يجذبني، ويجعل أنفاسي تتلاحق، وجود أطلال بناء مازالت بقاياه قائمة من أقواس ونوافذ وجدران خرساء تتحدى أصابع الزمن الثقيله والفصول وعوادي الأيام بحجارته القرميدية الضاربة إلى الحمرة أو الصفرة، وكان الناس في الحارة أشبه ببنات آوى، مراوغين ومتلونين، يحبون النميمة وشرب الشاي الأسود الحلو، ومراقبة النسوة العابرات، بعيون كعيون الذئاب الجارحة، وهم يحركون حبات مسابحهم الثمينة بأصابع قلقه، ثم يسبلون عيونهم في صلاة غامضة لا ربّ لها .‏

ويوماً اقتربت من جارنا العجوز جاسم، الذي كان يجلس عصر كل يوم عند سفح التلّ، يدخن النرجيلة، ويشرب الشاي الأسود الحلو، ووسط سعاله اللاهث يحلم مرّة أخرى أن يقوم بمعجزته، فهو في شبابه عشق العزف على نايه القصبي، فأسر قلوب العذارى، وسحر الشباب، ولكن عازفاً غجرياً استطاع يوماً أن يهزّ مكانته فجعل الحضور يبكون مرة، ويضحكون أخرى، بل بلغ الأمر أن مزّق الجميع ثيابهم حتى ظهروا عراة وهم لا يعلمون .‏

وكردّ على العازف الغجري، أخرج العم جاسم نايه، وبدأ بالعزف، وكأن في أصابعه ألف شيطان، ولم يكن يخاطب البشر، كان يخاطب كائنات أخرى، ولم يفهم الناس شيئاً ،وفجأة جاءت أسراب من الكراكي العابرة، حامت فوق الرؤوس بأجنحتها الثقيلة، ثم وقفت كحرس ملكي بين الحضور، مأخوذة بسحر العزف، وبعد تلك الحادثة حطّم عم جاسم نايه السحري واعتزل العزف، فمن سحر الكراكي لا حاجة به إلى البشر .‏

سألت عم جاسم وأنا أشاركه شرب الشاي، وأتلذذ بتدخين النرجيلة، التي يناولني مبسمها مقابل عنايتي بها حتى لا تنطفئ :‏

هذا البناء قديم ياجدي ؟ وأشرت إلى أطلال البناء القائم، فهزّ رأسه وهو يبتسم قائلاً :‏

أوووه .. قديم جداً .‏

ثم استدرك غاضباً‏

ولكنهم خربوه .‏

ومن خربه ياجدّي ؟!‏

أولاد الحرام نهبوا حجارته، وبنوا بيوتهم الحقيرة التي أمامك.‏

وهل تعرف اسم هذا البناء ياجدي؟‏

اسمه ؟ ! قصر البنات .‏

وأي بنات يا جدّي ؟‏

ماذا جرى لك اليوم ؟‏

أريد أن أعرف ياجدي فلا تزعل مني .‏

بنات هرون الرشيد، قال أي بنات .. قال .‏

وسكت قليلاً ريثما نفث دفعة من الدخان خرجت من أنفه وفمه ثم تابع وكأنه يفشي سراً خطيراً أثقل صدره :‏

اسمعي يا بنتي، قبل أكثر من سبعين عاماً، كنت أرعى خرافي فوق هذا التل حين مرّ شيخ مغربي عجوز، على حمار أبيض، وبعد أن استراح قليلاً، ناداني وقال لي: اسمع يا هذا، تحت هذا التلّ كنز . ثم ارتحل مع حماره باتجاه الشرق .‏

ولمّ لم تخرج الكنز ؟‏

ومن يقدر على ذلك ؟ فكّل الكنوز مرصودة، ولابّد من إبطال الرصد أولاً وإلا مات كل من يقترب منه .‏

وما الرصد ياجدي ؟‏

العادة أن يكون حيّتين، حيّة على جهة اليمين، وحية على اليسار، تحرسان المدخل .‏

وكيف يبطل الرصد ؟!‏

على يد إنسان، قد يكون شاباً شجاعاً، وقد يكون فتاة عذراء فيها إشارة أو علامة خاصة .‏

قال ذلك ثم انخرط في سعال عميق وأجش ... وتابع:‏

كان رجلاً طويلاً، بلحية بيضاء ووجه أسمر .. أمّا صوته فكان يأتي عميقاً وكأنه خارج من بئر .‏

من هذا يا جدي ؟‏

الشيخ المغربي .‏

وتسللت إلى الطرف الآخر من التل، وأنا أحس أن هذا القصر هو قصري وأنني الفتاة الموعودة التي يبطل على يدها الرصد، ويفك الطلسم، وقد التهب خيالي، بأطياف وخيالات معظمها قرأته في " ألف ليلة وليلة " حيث لاحت بنات الرشيد وسط الوصيفات والجواري وكأنهن الأقمار الزهر، ينتقلن من غرفة إلى غرفة عبر الممرات والردهات المموهة بالزينة، ورائحة العطر تعبق من أردانهن، بينما يقف حارس طويل وأسود أمام الباب، يحمل سيفاً مرصعاً بالذهب والجواهر، وعيناه قطعتان من الجمر وعند حافة البركة المثمّنة تقف جارية .... يا إلهي كم تشبهني !! وإلى جانبها نرجيلة تفوح منها رائحة الدخان المعطر، تلهو بالماء وصوت خلاجلها يرن في المكان، وباليد الأخرى تتلمس سلسلة في أسفلها قلب فارغ ينتظر صورة الحبيب لتزينه وكل ما حولها أخضر بلون الزمرّد .‏

ومرّت الأيام .. وتوثقت العلاقة بين حلمي - التل .‏

فأنا أجلس هناك كالنواطير، أتلمس الحجارة بشغف، وأراقب الأقواس الرشيقة والنوافذ التي لم تصلها يد الخراب، وأكاد أسمع أحياناً همس الجواري ووشوشاتهن، بل أوشك أشمّ عطر الغالية يهب من قلب التلّ، محمّلاً بتنهدات حارّة، فأصغي إليه، بينما تأتيني حشرجات جارنا العجوز وهو يدخن ويشرب الشاي الأسود و يوصوص بعينين أو شك نورهما على الانطفاء، بانتظار من يبطل الرصد، وهو يؤكد علي دائماً :‏

لاتخبري أحداً عن الكنز .‏

سرّك في بئر ياجدي .‏

فيضحك بصوته المخنوق وكأنه يحشرج، ويتابع الكلام بيديه ورأسه والرذاذ يتطاير من فمه .‏

والآن يابنتي ... الجمرة توشك أن تنطفيء، والنَفَس لا يطلع من النرجيلة إلا بطلوع الروح، فتصرفي .‏

تكرم ياجدي .‏

وأقوم لأتناول بالملقط الحديدي جمرة جديدة من الوعاء ثم أرصّها على تاج النرجيلة الخشبي المملوء بالتبغ العجمي الأصفر المغسول، وأنا أطلب أجري المعتاد فيناولني مبسم النرجيلة لتجربة قوة النار، وحين يداهمني السعال يضحك متشفياً ويصيح :‏

- ستكوني حشّاشة في المستقبل .‏

- البركة برعايتك ياجدّي.‏

- دخنّي عليها تنجلي، فالدنيا بلا دخان وشاي لا تساوي شيئاً، مجرّد كومة من التبن .‏

- كلامك كله حكم ياجدّي فمن أين جئت بكل ذلك ؟!‏

- الأيام خير معلم، ثم النسوان .‏

- النسوان ؟!‏

- إي النسوان .‏

ولم يكمل، فقد داهمه السعال، وكانت أصابعه ترفع " استكان " الشاي كالعادة بينما لاح سرب من الإوزّ البري يتجه إلى الماء في تشكيل رائع، وصوته يملأ الفضاء .‏

- جدّي . كم مرة تزوجت ؟‏

سألته من جديد، فعاد الرواء إلى ملامحه، فرقّت ولانت، واندفع إلى القول :‏

- أربع مرات .‏

- يا إلهي .. أربع مرات ؟‏

- نعم .‏

- وهل أحببتهن كلهن ؟‏

- لا .‏

- أحببت أول واحدة .‏

- إذن ولماذا تزوجت عليها؟‏

- تزوجت بعد أن ماتت .‏

- والباقيات ؟ !‏

- متشابهات في الغيرة وسوء الأخلاق، فكنت أداوي الواحدة بالأخرى، فالحجر لا يكسره إلا الحجر .‏

- واليوم ؟!‏

- بقي عندي واحدة . والباقيات في دار الحق، يرحمهن الله .‏

ويعاود من جديد غيبوبته المعتادة، وهو يحلم بالكنز، والشباب، وحواري الجنة اللواتي ينتظرن المؤمنين .‏

....‏

وذات يوم، كانت الحارة هادئة .‏

الأزقة الضيقة، وبيوت الطين والفخار، والثرثرات المألوفة، وهبّات العجاج المعتادة، والوجوه التي امتصها الحزن وسوء التغذية والخوف من الجاي حين جاء رجال غامضون، يقودون سياراتهم الحديثة، وقفوا فوق التلّ يتلمسون حجارة البناء ويستعرضون أقواسه ونوافذه، وهم ينحنون على أرضه يلتقطون كسر الفخار والزجاج والخرز الأزرق، ويفحصون تربته، ثم يهزون رؤوسهم الشقراء ويفتحون عيونهم على سعتها، رجال ونساء، وكهول وشباب، يرتدون الملابس الغريبة، ويرطنون بلغة أجنبية وقد أصابت الدهشة، معظم الجوار، مثلما أصابتني أنا، أمّا الوحيد الذي لم يعرهم اهتماماً فكان جارنا العجوز، فقد تابع التدخين والسعال وهو يقول :‏

إنهم سواح أجابت، ساعات ويرحلون، لقد رأيت الكثيرين بين الخرائب والحفر يرسمون أو يصوّرون .‏

لكن الرجال الغرباء عادوا في اليوم التالي، بنوا خيامهم حول التلّ، وبدؤوا يفردون أوراقهم وخرائطهم على الطاولات، وهم يدققون الخطوط والمسافات ويطابقون، فيضحكون تارة، ويعبسون طوراً، وبعد يومين من العمل الجاد، استأجروا عمالاً محليين للحفر وترحيل الأتربة، وبدأ التلّ يكشف عن خباياه، من غرف وممرات ودهاليز وآبار والرجال يتابعون عملهم بدأب وإصرار، تساعدهم في ذلك النسوة وهن يرقبن كل ضربة فأس أو معول بيد العامل حتى لا تطيش فتكسر لقيه فخارية، أو مصباحاً خزفياً، وإذا ما وجدوا حطام جرّة أو كسر زجاج انحنوا عليها بخشوع وفرح وقد تهللت وجوههم، وحملوها إلى الطاولات بحرص وأناة .‏

ويوماً بعد يوم ألف الأهالي وجود أفراد البعثة بل وتناسوه، وكنت أرقب العمل باهتمام، يشاركني في ذلك جاري العجوز، الذي ينتظر خروج الرصد على العاملين . وأنا أدور حول كرسيه، أنفخ في جمر النرجيلة، وأتابع أفراد البعثة وهم يقومون بمهامهم، وقد لفت انتباهي أحدهم، كان عملاقاً أشقر في مقتبل العمر يلبس بنطالاً من الجينز الأزرق، ويشدّ رأسه بعصابة سوداء على طريقة قراصنة السينما، فإذا ابتسم انفرجت شفتاه عن أسنان أماميه تشبه أسنان الأرنب تزيده جاذبية وطفولة، وكان طوال اليوم على اللقى الأثريه يعيد ترميمها أو رسم أشكالها على أوراق خاصة، وهو لايكاد يكلم أحداً، وإنما يتابع كل شيء بعيونه الواسعة وكأنه يلتقطه بكاميرا خفيّة‏

- تراهم سيجدونه ياجدي ؟‍‍‏

- ما الذي يجدونه ؟‏

- الكنز .‏

- لا أظن فهو مرصود .‏

- ولكن هل يؤثر الرصد في الأجانب ؟‏

- والله يابنتي لم أسأل الشيخ المغربي عن هذا الأمر، على كل حال الله يستر، والله هو الحارس . هاتي الشاي.‏

وعاود إلى شؤونه اليوميه .‏

....‏

ويوماً رأيت الشاب الأشقر .‏

كان يجلس أمام الطاولة وأمامه جرّة فخارية انتهى من عمله في إصلاحها، وقد فرد أمامه ورقة بيضاء، كان ينحني على رسم شيء فيها، وبين فينة وأخرى يسترق النظر باتجاهي، ثم يعود إلى الانحناء على الورقة ويده تعمل، وعيونه تعمل وكل مافيه قد استغرقه العمل الذي يقوم به .‏

كنت ساعتها ألتقط الجمرات وأرصها فوق التبغ الأصفر الذي يتربع على تاج النرجيلة، ثم أتناول المبسم من جارنا العجوز، وأدخن وأنا ألطأ إلى جانبه مثل قطة مدللة، ولم أهتم كثيراً بنظراته، بل تابعت التدخين والثرثرة مع جاري العجوز الذي كان يحدثني عن أولاده وأحفاده الذين تفرقوا بين المدن والبلاد فما عاد يعرف أخبارهم أو عددهم .‏

وقبل غروب الشمس حين فرغ العمال المحليون من عملهم، وساد هدوء مؤقت وانتظار مخيم البعثة، رأيت الشاب يقترب من مكاننا أنا وجاري العجوز باسماً عن أسنانه الفرق، فداهمني شعور غامض بالحذر، وعندما أصبح في مواجهتنا توقف. وجاءنا صوته العميق الأجش :‏

- السلام عليكم .‏

وفاجأتني لغته العربية المكسّرة، فابتسمت .‏

- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته . تفضل اجلس يا ابني .‏

قال جاري العجوز وهو يرفع عينيه الماكرتين، وجلس الشاب على صخرة قريبة منا، فناوله جاري " استكان " الشاي الأسود الحلو، وخرطوم النرجيلة فضحك وهو يردد بابتهاج :‏

- شكراً .... شكراً لكم .‏

وبدأ يدخن بخبره أدهشتني . ثم تطلع إلي وقال :‏

- أنا .. جون .‏

فقلت أعرفه بنا :‏

- وأنا جلّنار ... وهذا جاسم، جاري وجدّي .‏

- أوووه .. جلّنار‏

- اسم فارسي .‏

- هكذا يقولون‏

- ومعناه ؟!‏

- لا أدري .‏

- معناه " زهر الرمان " .‏

- بربك ....‏

صحت بفرح ... ثم تراجعت عن بهجتي باكتشافي الجديد . فعاد إلى الحديث من جديد ولكن ليس عنا :‏

- بلادكم رائعة، تحت كل تلّ مملكه، وتحت كل حجر أسطورة أو حكاية خرافيه ترويها المدونات الطينية .‏

- شكراً على هذا الكلام .‏

- هذه حقيقة وليست مجاملة .‏

قال ذلك وهو يهزّ رأسه ثم تابع وكأنه فطن لما جاء لأجله فناولني ورقة كانت بيده :‏

- هذه لك .‏

ولما طالعتها واجهني رسم لي وأنا أدخن النرجيلة وعلى رأسي طربوش تركي بشراشيب حمراء فصرخت :‏

- هذه أنا .‏

- نعم .. هذه أنت‏

- ولكن من أين جاء هذا الطربوش ؟‏

- إنه إضافة مني .‏

- ولِمَ ؟‏

- هكذا أحببت .‏

ثم حدثني أنه عمل في مصر والعراق وإيران، وبأنه يقوم بإعداد أطروحة عن الفن الإسلامي، وهو معجب بتراثنا فله مذاقه الخاص الذي لا يمكن أن تجده في غيره. وفي اليوم التالي اقتربت من التلّ دون أن أخشى مندوب مديرية الآثار الدمشقي الذي يرفض أن يقترب أحد من الأهالي من مكان العمل خوفاً عليهم من السقوط في الحفر العميقة أو الآبار التي تملأ المكان، ولم يرفع رأسه حين رآني، بل تابع عمله في ترميم الجرّة الفخارية ولصق قطعها المتناثرة أمامه . وبعد أن انتهى رفع رأسه وابتسم.‏

- أهلاً جلّنار .‏

قال بحفاوة :‏

- أهلاً جون .‏

قلت بصوت خافت ... ثم سألت :‏

- هل وجدتم شيئاً مهماً ؟ ضحك بمرح وقال :‏

- وجدنا أشياء كثيرة ومهمة .‏

- أين هذه الأشياء ؟‏

- ألا ترى كل هذه الأبنية واللقى الفخارية والزجاجية؟ ! إنها ثروة لا تقدّر بثمن .‏

- الذهب ؟!‏

- أيّ ذهب ؟!‏

- يقولون كنوز الرشيد مدفونة في هذا التلّ، ولكنها مرصودة .‏

- ضحك بصخب ثم صفق وهو يقول:‏

- والرصد يحتاج إلى عذراء لتبطله .‏

- وكيف عرفت ؟‏

- سمعت كثيراً من هذه القصص في المغرب والعراق وإيران ومصر .‏

- وهذا البناء ؟!‏

- أثر من الآثار الإسلامية لاشك في ذلك، الطراز والرسوم والكتابات لاتترك مجالاً للشك أو الاحتمال .‏

- أقصد هل عرفتم اسمه ؟‏

- لا . ليس بعد - فماذا يسميه هنا الناس ؟‏

- قصر البنات .‏

- اسم رومانسي جداً، ولكن أيّ بنات ؟‏

- بنات الرشيد .‏

وضحك مرّة أخرى ... ثم قال :‏

- كل مالدينا من تصورات - وهي أكيدة ونهائية - تقول بأن هذا البناء قد يكون قصراً من قصور أحد أثرياء تجار الرقيق، أقامه كدار للهو والمتعة لطالبيها من العابثين والأمراء وأبناء التجار، وكمركز لتصدير الجواري بعد إعدادهن وتثقيفهن وتعليمهن أصول الغناء والتعامل ليصبحن لائقات بقصور الخلفاء والقواد الكبار والوزراء، وأمثال هذا التاجر كثيرون وأخبارهم ترويها كتب الأدب والتراث .‏

- مستحيل.‏

- قلت لك كل هذا " تصوّرات " وليست ثوابت نهائية . وقد نكتشف غداً ماينسف كل تصوراتنا هذه ويقلبها رأساً على عقب .‏

- أرجو ذلك .‏

- ولمَ كل هذا الإصرار ؟ !‏

- من أجله .‏

- من أجله من ؟ !‏

- هرون الرشيد، أكره أن يكون مكان قصره داراً للمتعة .‏

- هرون الرشيد ؟! أوووه .. يا للروعة .‏

قال ثم هزّ رأسه الأشقر المعصوب على طريقة القراصنة، ثم أخرج من أحد أدراج الطاولة طربوشاً أحمر بشراشب، وضعه على رأسي ووقف، يتأملني، وهو يبتسم ويردّد بإعجاب :‏

- تمام ... إنك صورة طبق الأصل عنها .‏

- من هي ؟!‏

- زبيدة زوجة الرشيد.‏

- وكيف عرفت ؟‏

- للفنان عين ثالثة .‏

- شكراً .‏

وشعرت بالغرور، فوقفت متصلبة وكأنني موديل يرسمه فنان في الهواء الطلق .‏

- أنت ساحرة .‏

- أشكرك .‏

وانطلقت إلى جدّي جاسم ألوذ به، لأخفف من وقع الانفعالات في صدري الذي ضاق بها .‏

....‏

ليلاً رأيت نفسي أصعد التلّ .‏

وحيدة تحت ضوء قمر منير، يحفّ بي روح من البهاء والأبهة، والسور يمتد جسداً عملاقاً لكائن خرافي من الطين والحجارة والضوء الذي يغسل ظهره وينسفح على ما حوله، ليزيد من روعة اللحظة وأهميتها في نفسي.‏

كنت أصعد ونسمة هواء تعبث بشعري فيتناثر على وجهي، فألتذُّ لعبثه هذا وأتابع طريقي إلى القمة متعثرة بالحصى والتراب، وحين أبلغ القمة أرفع رأسي إلى السماء، فأرى النجوم والقمر في سطوعهما، فأود لو أصهل كمهرة فتيّة لكن صوتي ينحبس فأحني رأسي خوفاً من شيء غامض قد يفاجئني على حين غرّة فيفسد عليّ ما أحس به، فأرى درجاً يقود إلى بطن التلّ فأنزل كالمسحورة، وحين أصل إلى الأسفل أرى ساحة واسعة في وسطها بركة مثمنة الأضلاع، تحفّ بها المقاصير وقد أسدل على مداخلها سجف من الحرير المطرزّ بعروق الذهب.‏

كل شيء كان هادئاً وصافياً، الليل ووجه البركة والقمر الساجي، وأنا في مكاني واقفة، ولا صوت أو حركة، تقدمت بضع خطوات قبل أن أرى شبحه يتقدم خفيفاً وكأنه يريد أن يطير، وحين أصبح قريباً رأيته، كان يضع قناعاً من الذهب على وجهه تطلّ منه عينان بلون الفيروز، ويلفّ جسده الرشيق بعباءة من وبر الإبل، وقد ملأ عبق الغالية أنفي .‏

- أخيراً . جئت؟!‏

قال بصوته العميق الأجش وفي عينيه ترقص نهارات من الفرح ... ثم تابع :‏

- انتظرتك طويلاً .‏

ثم قادني من يدي، وعند باب خشبي مطعم بالفضة والنحاس وقفنا، كانت هناك حيّتان ضخمتان، يتدلى من فم كل منهما لسان طويل، وعيناهما تبرقان كجوهرتين .‏

- تقدّمي .‏

- الحيّات .‏

- لا تخافي . فلن تصابي بأذى، فأنت الفتاة الموعودة لإبطال الرصد .‏

وتقدّمت ولم تتحرك أيّ من الحيّتين، مددت يدي فانفتح الباب أمامي عن دهليز طويل مضاء بمشاعل، فتابعت طريقي، وحين واجهني باب جديد مددت يدي فانفتح عن قاعة واسعة . وقد امتلأت بالجواهر والذهب، إنه الكنز، ولمّا التفت لم أجد ورائي سوى الفراغ والظلام، وقد هبّت الريح فأطفأت كل شيء، فصحوت .‏

...‏

قبل أيام من رحيل البعثة الأثرية‏

وقد أوشك موسمها الصيفي أن ينتهي، كنت أجلس إلى جانب جارنا العجوز جاسم، أرقب العمل في التلّ دون حماس، وأنا أحس بغضب مكتوم، وخيبة مريرة فكيف يتحول قصر أحلامي إلى دار للمتعة، وخليفتي الفاتن إلى تاجر للرقيق والجواري والمحظيات .‏

وفجأة ناداني صديقي الطيّب جون :‏

- جلّنار ...تعالي بسرعة .‏

وتحركت نحوه، وأنا خائفة من خيبة جديدة، أو من خبر أكثر سوءاً، وحين وصلت سار أمامي في الردهات والممرات إلى أن وصلنا إلى فناء في وسطه بركة مثمنة ويمتد صف من الأعمدة أو ما بقي منها، وأمام أحدها وقف وهو يشير لي قائلاً :‏

- انظري . ماذا ترين ؟‏

- عموداً من الرخام الأبيض .‏

- أقصد انظري أسفل التاج العلوي .‏

- ماهذا ؟‏

- هذا رسم يمثّل حيّتين متقابلتين وفي الوسط .‏

ولم أتركه يتمّ كلامه فأسرعت أقول:‏

إنه الرصد الذي حدثني عنه عمي جاسم .‏

- لا تكوني خيالية إلى هذه الدرجة .‏

- أنت متأكد من كلامك ؟‏

- رأيت مثله الكثير، في دمشق وبغداد والقاهرة واستانبول .‏

- وماذا يعني ذلك ؟‏

- يعني بأن البناء كان مشفى، وهذا الرسم شعاره .‏

- هذا البناء مشفى ؟‏

صحت بفرح وكأنني أتخلص من هم أثقل صدري فترة طويلة، فتابع وهو يبتسم بمكر :‏

- مشفى ولكن ..‏

وتوقف عن الكلام، فأسرعت أسأل:‏

- ولكن ماذا ؟‏

- ولكن للمجانين، بمعنى آخر بيمارستان‏

وشعرت بقلبي يسقط بين قدمي، فأطلقت ضحكة صاخبة، وقد طفرت الدموع من عيني، والشاب ينظر إلي باستغراب، ألم أقل لكم أنا أنثى مجنونة، أحلم برجل غامض وقصر قد يكون داراً للمتعة، أو الخلافة، وقد يكون مشفى للمجانين .‏

حين توجهت إلى داخل البيت، كان أبي يحمل الخبز بيده اليمنى وكتابه " قبّة دانيال " بيده اليسرى وهو ينزل درجات القبو القليلة، ليقابل أصدقاءه السّريين .‏

قبّة دانيال ...‏