فـي الـروح.. يــسكن الـجــسد

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : سامي حمزة | المصدر : www.awu-dam.org

-: كان يفكر بالتناقض الحاد، بين زحام الشارع على بعد خمسين متراً، وهدوء صالة العرض الخالية إلا من أشخاصٍ لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد الواحدة. هناك لهفة وإلحاح على بضائع وحاجات، وهنا تصلب لوحاته طوال الوقت تمر بها عيون عجلى، ثم تتابع ضياعها في خضم الزحام.‏

 

-: لابأس. تمتم، وأخذ نفساً عميقاً من لفافته، ثم نفث الدخان متنهداً، وقد سَلَّم باندحار فنه أمام طغيان الاستهلاك، فليس سهلاً إقناع الناس بما لا يمس حياتهم مباشرة، هذا شأن الإنسان. إنه لا ينسى ما يملأ به جوفه، وما يبرقع به هيكله، ليبدو في النهاية مهرجاً في سيرك رخيص!.. بينما ينسى دهاليز روحه معتمة دون إنارة.‏

هست اللفافة وهي تكوي إصبعيه، وقد شرد فانتفض ووقف أمام أحدث لوحاته، يرى فيها اختناق نبض قلبه وقلق روحه، هاهي ذي أرجل بلا أصابع، بعضها بمخالب، وأخرى بحوافر، تعلوها قامات ممسوخة عمَّها التشويه، واندلقت أعصابها حبالاً تشنق الأفئدة.‏

ثمة إحباط وقتامة في الدرب المنحدر إلى الهاوية، وحناجر طيور تكاد تنشق صارخة: "هذا درب الخلاص فاطرقوه". بيد أن الجماجم بلا آذان!.‏

- أحسَّ بأنفاسٍ تلفح رقبته، استدار فكانت تنتظر في أعماق عينيه وتُطل منهما إلى سدرة روحه، جمدا في مكانيهما؛ بل تحرك كل ما فيهما، واستأنفا بعينيهما حديثاً كأنهما كانا قد بدأاه من سنين!.‏

-: أين كنتِ طوال سنواتي العجاف؟. أيتها الخرافة الحلم!. انتظرتك كامنة في ذاتي دهراً، ما لقيتك أو وجدت دليلاً نحوك.‏

-: أيها الرجل الفار مني أبداً، لن تهرب مني اللحظة ولا بعدها، انظر ما فعلته بي الشتاءات القارسة؛ وأنا أحلم بساعة قدومك تذيب ثلج العمر.‏

-: إنني أصارع ذاتي كي لا أقضم شفتيك هاتين اللتين لا أدري لِمَ لمْ أستطع رسمهما، رغم أنهما في خيالي! لقد أَثْبتِ لي عجزي في التكوين ومزج الألوان.‏

-: أَحِسُّ بدمائي غزيرة في كياني، يا أنت الذي حلمت به يأتيني بالأغاني المفعمة حِسَّاً ليرقص على أنغامها دمي في شراييني، فهلا شدوت؟‏

-: أيتها الفرحة القادمة من نهايات الآفاق، أُحِسُّكِ هنا في صدري، تداعبين أوتاري، فتعزفك أغنية للعمر الآتي. ما من لوحةٍ هنا في القاعة تمثلني الآن، إنك فوقها جميعاً، إنني أُسلم بضحالة خيالي أمام طود ذاتك.‏

-: لن يهون عليك أن تدب الكهولة في مشاعري وقد أيقظتها بعد سبات، إنني طوع يديك، خذني إليك.‏

-: هأنذا أهاجر إليك يا وطني، أزرع رجولتي نخيلاً وعنباً في أنحائك. إنني لا أرى في هذا المكان أية لوحة، أنا وأنت اللوحة.‏

-: بعثت فيّ الإحساس بأنوثتي.‏

-: كنت قبلك رملاً.‏

-: خذ سكوني على أنه الذي يسبق العاصفة، أُحِسكَ إعصاراً يزلزلني، انفخ في الصور كي تحيي ذراتي وهي رميم، أوقدها، اجعلها لهيباً إنني أتوهج ضياءً. أنت النبع الذي يروي (يبس) حقولي، إنها تحتاجك لتثمر، خذ رمالي يا نبيي واجبلها برضابك، شكلها كما ترغب، وانفخ فيها تجدها روحاً تَسَّاقط عليك عاجاً رطباً، إنني خُلقت بك الآن وأكلمك من مهدي.‏

-: إنك الروح، وهأنذا جسد قد تمَّ تكويني، ادخليني راضية وتشعبي في شراييني، وازرعيني قمحاً وكوثراً، فما عدت الأبتر.‏

امتدت يداهما معاً، تماسكتا كحمامتين توضعتا أُنساً، ثم سارا خارج صمت القاعة وسلكا النسيم مثل طائرين انطلقا نحو ربيع عمَّ كل الفصول وفاض إلى السنوات الآتيات، يكسو أيامها نضارة، فينجلي الليل ويخضر الكون، وتخرج العصافير جماعات من وكناتها، وتزهر الأشجار، وهما ييممان وجهيهما وقلبيهما وجسديهما نحو النهر، يسبحان تحت نور قمر أخضر‏