جـــوهــــره

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : عبد الفتاح عبد الولي | المصدر : www.awu-dam.org

 

 

عقارب السَّاعة تلسع.‏

 

أضغطُ على زرِّ إدخال التعليمات. تخزين واسترجاع البرامج. الصور تأتي تباعاً والأرقام تختفي من الشَّاشة الزجاجية للحاسب الآلي. جبل (صَبِرْ) يدخل من النّافذة معتلياً جياد الضباب. طفل الشمس ينزل خائفاً إلى قلب المدينة. طائرُ الزِّمبت يتلون محاكياً قوس قزح. الكلب الأسود أقعى تحت شجرة الكافور يرنو إلى زوبعة ترابية تدفن مواطئ أقدام الراعية وأغنامها ويتشمم رائحة الشِّياه الصغيرة التي تجفل من نباحه الحزين.‏

 

تعود الأرقام من جديد إلى شاشة الحاسوب، تناطح بعضها البعض. تنقلب الصور في كوة العين رأساً على عقب. الأفق في أخمص القدم وقشرة الأرض فوق الرأس. حجر النار. شعر الظلمة. نملة الدوخة. يصير الفضاء تفاحة فاسدة.‏

 

عندما كنت أحبو ربطت جدتي حرزاً على ساعدي ليمتص إبر العيون. في المِعْلاَمةِ ضربني المعلم لأني لم أحفظ سورة "ياسين" وهتف التلاميذ.." لاُتَروِّحْ عند أمك تشتكي ولاتقول يابا، ضربني الفقيه.". ذات يوم دفعني الفضول لمعرفة مابداخل الحرز. فتحتهُ وقرأت: -"ياكَرَار كُرِّيِّه وياهَمْرة اهمريهِ. إن عشق سريه وإن كره ضريه."‏

 

إنهُ الخميس. العقارب تتلاحق في ميناء الساعة، الصغير ينتظر كمومس على ناصية الثانية عشرة والكبير يهرولُ بعده، يمتطي ظهره فيدق جرس الهياج. أدفن رأسي بين يدي، وأحِّركُ الكرسي الدوَّار. أدخن. الدُخَّان يرقص على الحان "الروك" المنبعثة من استريو (النغم الغربي) الواقع في (شارع 26 سبتمبر). أبحث عن تقرير شركة "وانج". أهش زنابير النعاس. طرقات همجية تهجم كالزنابير على باب مكتبي الذي انفتح قبل فمي مطلقاً صريراً يتغلغل في العظام. يضطرب هواء الغرفة وينزع مصراع النافذة. يهرب الهواء إلى الخارج. ضابط التوعية السياسية يذكرني بحلول موعد انعقاد المحاضرة.. "العدالة الإجتماعية في الميثاق الوطني.". يغلق الباب بقوة ويعود الهواء يبعثر أوراقي في كل الأنحاء.. البطاقة الذكية، ترديد الكلمات، لغة الآلة، التقرير. كل الأوراق طارت من فوق مكتبي، عدا ورقة التعليمات الميسرة عن تخزين واسترجاع البرامج استسلمت طائعة في قبضتي، كرمشتها ثم مزقتها بأسناني ورميتها إلى سلة المهملات.‏

 

عاد صوت ضابط التوعية ينادي من جديد:‏

 

-"ميثاق يامدير."‏

 

ألطمُ جهاز الحاسوب الصامت. نَطَّت قارورة الحبر من فوق المكتب إلى قاع الغرفة وأفرغت قيأها على السجاد الألماني. دوخة أخذت تقلق رأسي الذي أخذ يصغر ويصغر حتى غدا -حبة لِيْم حامضةٍ، وضعتهُ بين يدي أمي الدافئتين، راحت تقلقلهُ بين راحتيها.." صَعْ، صَعْ رأسه، من أكل مَوْزَهْ.". تقشرُ الموزة وتدسها في فمي الذي لم يفقد بعد أسنان الرضاعة. تطل دمعة حرَّى من شرفة عيني، أمسحها بطرف كم قميصي وأتمخط. أحجار الطَّنين تصلصلُ داخل أذني وطعم اللعاب في فمي مالح كالبول. أبلع حبة "نوفالجين" فتتعلق في بوابة حنجرتي.. "انزلي ياكلبة!!" تأبى. أفرك تفاحة آدم فتزداد الحبة عتواً ونفوراً. بمؤخرتي أرفس الكرسي الدوار رفسات متوالية، موجعة، وأستجدي حبةالنوفالجين اللعينة أن تنزل إلى موضعها.‏

 

-"مؤخرتك ملكك، أما الكرسي فمال عام!"‏

 

أتلفَّتُ منزعجاً. أترك مقعدي. أجري. عن الصوت أبحث في الأدراج وبين الأوراق. أمسكهُ . أضغط على زمارة رقبته بقوة. يرتجف. احترت من تحولات الوان أنسجته ومن اللهب الذي أحرق أصابعي. أتراجع إلى الخلف. أقف عند النافذة أين ينضح الضوء. ماهذا الشيء الذي أمسك؟! ورقة!!. ورقة قديمة، مهترئة، محروقة الحوافي. أكلتِ الأرضة بعض حروف الكلمات المدوَّنة فيها. كُتِبَتْ بخط رديء، خالٍ من النقط والفواصل وكل مايقتضيه فن الكتابة من محسنات تساعد القارئ على التهجِّي وفك طلاسم الكلام. لابأس. لابد من اقتحام الغابة البكر. أنا فارس المخطوطات وفأرها‏

 

بعد معالجة الأبواب المغلقة والأقفال الصدئة، قرأتُ النص.‏

 

"ورد في كتاب المراسيم:‏

 

من تَعْلِقُ نفسهُ بعذراء تخطف اللب. عليه بحجر عطارد وجلد الماموث والرسم أجودهما. ثم قرض الشعر فالرياضة الروحية. حذار من الوحدة وسماع الموسيقا الحزينة كي لايزداد العاشق وجداً يفضي إلى الجنون، فمن الكآبة ماقتل. عليك بجزيرة "خوريان موديان" لتضمن الأمان من وحوش نفسك. من ينكأ جرح كاهنة معبد الشمس يكون شريكاً في تلويث الكون وتوسيع فتحة الأوزون: من جناحي مستعير الحسن يضئُ الزمرد. اغتسلوا... كان... الآن... والأهم من ذلك غموض السِّين. انطبقي أجفان جوهرة. انصتوا إلى نشيد أهل حصن الغُراب.‏

 

-جوهرة ماأجملكْ‏

 

طيور غبشْ تحملكْ‏

 

تحملك في الجفون‏

 

في البحار تغسلكْ‏

 

تغسلك باللبن‏

 

اللبن يشعلك‏

 

وينيرْ البدنْ‏

 

وجنتك لؤلؤة‏

 

لؤلؤة نادرة‏

 

من لآلئ عدن."‏

 

"... ويحكى أن السَّيل حفر عن قبر في اليمن، فيه إمرأة في عنقها سبع مَخَانقٍ من درٍ وفي يديها ورجليها من الاسورة والخلاخيل، سبعة.. سبعة وفي كل اصبع خاتم فيه جوهرة ثمينة." فوق جبل الزئبق يقف الالهُ (سين).. تتجمع السُّحب وتدر مطراً من غُلمة. قضى ألف ألف سنة ضوئية... ضاق... من الرتابة. عجن طين الشمس... صنع كرات بديعة تسر الناظرين. سُرَّ من خلقه وانتشى... أطلق عليها الأسماء... بعثرها... دوَّنَ في لوحهِ الفضي، تحولاتها... وانفعالات كائناتها..‏

 

"... انا تاجه بنت شُقرة. أُصبتُ بداء الوحام. ولدتُ على حيض. بعثتُ مائرنا إلى يوسف فأبطأ علينا فبعثت لاذتي بمدٍ من ورقٍ لتأتين بمدٍ من طحين فلم تجده، فبعثت بمدٍ من ذهب فلم تجده.فبعثتُ بمدٍ من بحري، فلم تجده... فأمرت بطحنه، فلم انتفع به. فاقفلت. فمن سمع بي فليرحمني. وأية امرأة لبست حلياً من حليي -عدا، جوهرة بنتي-، فلاماتت إلا ميتتي."‏

 

... ودخلت سنة الهَوْشَلِيَّة... اشترى المُظَلِّلُ بالشوك قطعة أرض في (هَيْجةِ الغريق) من حُرِّ.. مال رهينته.." ذِكْرُ اسمها عورة"، مضيفاً لها الشراء، من البائع اليه السيد سلطان المسلماني، بثمن معلوم -مؤجل الدفع -قدرهُ ألفُ ألف حرفٍ قاسمي وضمن البائع للمشتري -ضمان الدرك الشرعي_ فيما اختَّل وبَطُلَ وانتكلَ. عند تعطيل (البصيرةِ)، إختلَّ المبيع بسبب تغيرات الحال وتنفيذ حكم القصاص على المشتري لقتلهِ ابناء من أضيف لها الشراء ظلماً وعدواناً. وبسبب إصابة البائع بانفصام الشخصية الذي أدَّى إلى الانتحار. أما جوهرة بنت تاجه فقد ورثت جمال أمها وحكمة قومها وتزوجت بمن عَلِقَتْ بهم نفسها وانجبت بنين وبنات بعدد حبات النجوم.‏

 

"... بينما كنتُ أسير فاجأني الليل فآويتُ إلى جبَّانةٍ فتوسدتُ قبراً، فإذا بهاتفٍ منهُ يقول:‏

 

-جوهرة ما أجملكْ‏

 

أَفدي الذي... شكلك‏

 

شكلكْ من لجين‏

 

بالعقيق حَصَّنك‏

 

حوَّطك بالبُروق‏

 

البروقْ تُزهرك‏

 

وتُضئْ داخلك‏

 

جوهره نادِرَة‏

 

من جواهر عدنْ."‏

 

¯ ¯ ¯‏

 

سمعت طرقات متقطعة على باب مكتبي. قَلَّبتُ الورقة باحثاً عن سطورٍ جديدة. من خلال الضلفةِ المفتوحة بدا رأس حارس المؤسسة.‏

 

قال مبتسماً وهو يحرك بندقيته:‏

 

-كيف حال الأستاذ كمبيوتر؟!‏

 

فركتُ عيني. طويت الورقة الكنز ووضعتها خلسة في حقيبتي. السامسونايت". وأجبتُ باقتضاب:‏

 

-اختل عقله.‏

 

قال الحارس وهو ينقر مارشاً عسكرياً على خشب الباب:‏

 

-الموظفون (ميثقوا) وغادروا... منذ ساعة.‏

 

أغلق الباب. تنامى إلى سمعي صوته وهو يترنم بأغنية شعبية:‏

 

-"الناس تعشَّوا واْنَعموا. وأنا حَوِش بالجُمْجُمَة."‏

 

****‏

 

في الشارع تنفستُ الصعداء، كنتُ أشعر بفرحٍ مبهم. مشيتُ إلى محل مشروبات (الهناء). قال صاحب المحل وهو يناولني كأس الليمون:‏

 

-تفضل أستاذ كمبيوتر، إشرب بالهناء والشفاء... اللِّيم دواء ممتاز للصَّفراء.‏

 

شربتُ الليمون دفعة واحدة فتحركت حبة النوفالجين من مكانها ولم تهبط. تنحنحتُ ودعكتُ حنجرتي. واصلتُ طريقي في اتجاه مكتبة (الوعي الثوري) وبينما كنتُ أقطع الشارع إلى الرصيف المقابل تذكرت أن صاحب المكتبة وعدني في وقتٍ سابق بأن يدبر لي كتاباً عن تحضير الأرواح. فجأةً، نهقت سيارة مسرعة فقفزتُ إلى الرصيف واصطدمتُ بجسم امرأةٍ مشرشفةٍ. صرخت في وجهي:‏

 

-آخ.. لك العمى.‏

 

قلتُ بصوت لاهث:‏

 

-آمين..‏

 

ضحكت بدلال وقالت:‏

 

-مُسَامَحْ.‏

 

مس كلامها شغاف قلبي واتسع الشارع.‏