اتِّهام آدم بالكفر هو وذريته

الناقل : heba | المصدر : www.dar-alifta.org

الشبهة

جاء في القرآن الكريم قول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آَتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الأعراف: 189، 190]
وورد في تفسيرها أنه لما هبط آدم وحواء إلى الأرض أُلْقيت الشهوة فى نفس آدم فأصاب حواء فحملت من ساعتها. فلما ثقل الحمل وكبر الولد أتاها إبليس فى صورة رجل، فقال لها: ما الذى فى بطنك؟ قالت: ما أدرى؟ قال: أخاف أن يكون بهيمة أو كلبًا أو خنزيرًا. قالت: إني أخاف بعض ذلك. قال: وما يدريك من أين يخرج، أمن دبر أم من فمك أو يشق بطنك فيقتلك؟ فخافت حواء ذلك وذكرته لآدم. فلم يزالا فى غَمٍّ. ثم عاد إليها إبليس فقال: إني من الله بمنزلة، فإن دعوت الله أن يجعله خلقا سويًّا مثلك ويسهل عليك خروجه تسميه عبد الحارث -وكان اسم إبليس فى الملائكة "حارث"- فذكرت حواء ذلك لآدم فعاودها إبليس. فلم يزل بهما حتى غرَّهما فلما ولدت سمَّياه عبد الحارث.
وفى تفسير قوله تعالى: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} يعنى: الأصنام.
فمن أين جاءت هذه القصة الغريبة، وفي الآية ما يفهم منه تكفير آدم؟
 

 
الرد عليها
مركز الأبحاث الشرعية بدار الإفتاء المصرية
بطلان أسانيد المرويات التي استندت إليها الشبهة:
ليس كل ما ورد في كتب التفسير يكون صحيحًا معتمدًا؛ لأن بعض المفسرين يعتمدون طريقة جمع كل ما قيل دون النظر إلى تمييز الصحيح من الضعيف رغبة في حصر المرويات، ولأن الناظر في كتبهم لا بد أن يكون من أهل التخصص ليميز الصحيح من الفاسد. وهذه الآثار المذكورة في الشبهة لا تصح من ناحية الإسناد بحال من الأحوال فهي ضعيفة واهية، وأصولها مأخوذة من الإسرائيليات. 
قال الإمام ابن كثير بعد ذكر هذه الروايات: "والغرض أن هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن عمر بن إبراهيم  -راوي الحديث- هذا هو البصري وقد وثقه ابن معين ولكن قال أبو حاتم الرازي لا يحتج به ولكن رواه ابن مردويه من حديث المعتمر عن أبيه عن الحسن عن سمرة مرفوعا فالله أعلم.
والثانى: أنه قد روى من قول سمرة نفسه ليس مرفوعا كما قال ابن جرير حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا المعتمر عن أبيه حدثنا بكر بن عبد الله عن سليمان التيمي عن أبى العلاء بن الشخير عن سمرة بن جندب قال سمى آدم ابنه عبد الحارث.
الثالث: أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعاً لما عدل عنه قال ابن جرير حدثنا ابن وكيع حدثنا سهل بن يوسف عن عمرو عن الحسن {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا} قال كان هذا فى بعض أهل الملل ولم يكن بآدم وحدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا محمد بن ثور عن معمر قال: قال الحسن عنى بها ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده يعنى {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا} وحدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة قال كان الحسن يقول هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادا فهودوا ونصروا.
وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن رضى الله عنه أنه فسر الآية بذلك وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية ولو كان هذا الحديث عنده محفوظا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عدل عنه هو ولا غيره ولا سيما مع تقواه وورعه فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم مثل كعب أو وهب بن منبه وغيرهم ... إلا أننا برئنا من عهدة المرفوع والله أعلم" اهـ . 
وهناك أسانيد صحيحة عن الحسن رضى الله عنه أنه فسَّر قوله تعالى: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا} بقوله: "كان هذا فى بعض أهل الملل ولم يكن بآدم"، وهو أولى ما تُحْمَل عليه الآية. ولو كان الحديث المرفوع فى أنها فى آدم وحواء محفوظًا عنده من رواية رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عدل عنه هو ولا غيره, لا سيما مع تقواه وورعه فهذا يدل على إنه إن صح موقوف على الصحابي لا مرفوع.(1)
 
 بطلان المرويات التي استندت إليها الشبهة من ناحية المعنى:
وهذه التأويلات -التى ذكرت فى تفسير الآية- فاسدة من وجوه عدة:
الأول: دلالة قوله تعالى: {فتعالى الله عما يشركون} على أن الذين أَتَوا بهذا الشرك جماعة.
الثاني: قول الله تعالى بعد ذلك: {أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون}، وهو دالٌّ على أن المقصود من الآية: الرد على من جعل الأصنام شركاء لله تعالى ولم يوجد لإبليس اللعين فى هذه الآية ذِكْر.
الثالث: لو كان المراد إبليس لقال: أيشركون مَنْ لا يخلق؟ لأن العاقل إنما يذكر بصيغة " مَنْ".
الرابع: أن آدم عليه السلام كان من أشد الناس معرفة بإبليس وكان عالمًا بجميع الأسماء كما قال تعالى: {وعلَّم آدم الأسماء كلها} فلا بد وأن يكون قد علم أن اسم إبليس هو الحارث فمع العداوة الشديدة التى بينهما ومع علمه بأن اسم إبليس الحارث كيف يسمي ولده بعبد الحارث؟ وكيف ضاقت عليه الأسماء بحيث لم يجد سوى هذا الاسم؟!
الخامس: أن أحدنا لو وُلِدَ له وَلَد، فجاءه إنسان ودعاه إلى أن يُسمي ولده بهذا الاسم لزجره وأنكر عليه أشد الإنكار فآدم عليه السلام مع نبوته وعلمه الكثير الذى حصل من قوله: "وعلم آدم الأسماء كلها" وتجاربه الكثيرة التى حصلت له بسبب الزلة الحاصلة من وسوسة إبليس كيف لم يتنبه لهذا القدر المنكر؟!
السادس: إذا سلمنا أن آدم عليه الصلاة والسلام، سماه بعبد الحارث، فلا يخلو إمَّا أن يقال إنه جعل هذا اللفظ اسم عَلَم له أو جعله صفة له، بمعنى أنَّهُ أخبر بهذا اللفظ أنَّهُ عبد الحارثِ، فإن كان الأول لم يكن هذا شِرْكًا لأن أسماء الأعلام والألقاب لا تفيد في المسميات فائدة، فلا يلزم من هذه التسمية حصول الإشراك، وإن كان الثاني كان هذا قولاً بأن آدم -عليه الصلاة والسلام- اعتقد أنَّ لله شريكًا في الخلق والإيجاد، وذلك يُوجبُ الجزم بكُفْر آدم، وذلك لا يقوله عاقل؛ فثبت فساد هذا القول.([2])
 
مغزى القصة ضَرْب المَثَل:
ذُكِرَت هذه القصة للتمثيل فقط ولبيان أن هذه صورة حالة هؤلاء المشركين فى جهلهم وقولهم بالشرك وتقرير هذا الكلام كأنه تعالى يقول: هو الذى خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنسانًا يساويه فى الإنسانية فلما تغشَّى الزُّوجُ زوجَتَه وظهر الحملُ دعا الزوجُ والزوجةُ ربَّهُمَا لئن آتيتنا ولدًا صالحا سويًّا لنكونن من الشاكرين لآلائك ونعمائك فلمَّا آتاهما الله ولدًا صالحًا سويًّا جعل الزوجُ والزوجةُ لله شركاء فيما آتاهما لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع كما هو قول الطبائعيين، وتارة إلى الكواكب كما هو قول المُنَجِّمين، وتارة إلى الأصنام والأوثان كما هو قول عبدة الأصنام.([3])


([1]) محاسن التأويل (7/2921، 2922).
([2]) اللباب فى علوم الكتاب (9/419) ، والتسهيل لعلوم التنزيل (2/57) .
([3]) محاسن التأويل (7/2922).