قصة اليوم (( واقعية حسب المصدر ))

الناقل : elmasry | الكاتب الأصلى : wow80us | المصدر : forum.merkaz.net

قصة اليوم

هرب ابن العم فاعترف ثواب بالقتل.. وقبيل القصاص بأيام
سجين الربع قرن يتراجع عن اعترافه: لم أقتل أحداً



محمد حضاض (جدة)-تصوير: محمد الحربي
عام 1400هـ وبالقرب من محافظة (رنية) 70 كم جنوب الطائف قبل ان يدخل الجميع في عصر الطفرة كانت الخيام ورعي الغنم سيدة الموقف, الاغلبية يتنقلون هنا وهناك بحثا عن الماء والكلأ ولكنهم لايبتعدون كثيرا لم يكن هنالك وافدون يرعون الماشية كما هو الحال الآن لان لكل اسرة ابنا او بنتا تهتم بها وتسير النهار كله فوق الحجارة المدببة وبين اشواك الاشجار باقدام (حافية) لا يضيرها شيء فالمهم ان تتدلل البهائم وتخرج بحلة (سمينة).

في يوم ما خرجت (ن.س) ابنة عم ثواب السبيعي لترعى الغنم كالعادة وبعد ان ابتعدت عن المضارب فوجئت بهجوم شرس من أحد ابناء المنطقة بعدما لعب الشيطان بعقله وزين له سوء عمله, الا انها تمكنت من النفاذ بعفتها حتى وصلت لخيمة والدها العجوز مرة اخرى, والذي ما ان علم بالأمر حتى جن جنونه, ولكن (ما باليد حيلة) فالرأس اشتعل شيبا والعظام اصابها الوهن حتى المشي لخطوات قليلة لاتقوى عليها قدماه.

24 ساعة قضاها العجوز وهو لايدري ما العمل حتى جاءه ابنه البكر وابن اخيه (ثواب) واللذان بحثا طويلا عن الذئب البشري, ولم يعثرا على أحد حتى جاء الخبر بأنه سلم نفسه لاقرب قسم للشرطة مستجيبا لنصائح المقربين.

سنة كاملة قضاها الذئب في السجن, ليخرج بعدها الى خيمته المتواضعة في البر معتقدا بأن الجميع نسوا ما حدث ولكن (دلمخ) اخو العفيفة وابن عمها ثواب (العريس الذي لم يكمل اربعة اشهر على زفافه) كانا لازالا يعانيان الامرين من نظرات المجتمع المحيط بهم بعد محاولة الاعتداء على احدى محارمهما.

خطط الاثنان وقررا ان يهجما على الذئب في منزله ليلا ليمسحا ما لحضهما من عار -حسب وصفهما- لازالت القبيلة تتحدث عنه, ان يكون هجومهما بالعصي فدخلا عليه واوسعاه ضربا مبرحا لكن الذئب المفرج عنه هرب الى خيمة والد زوجته القريبة لكي يستنجد بمن فيها ويلتقط سلاحا ناريا يساعده في المواجهة.

كان يجري باقصى سرعة وخلفه (ثواب) يريد ايقافه قبل ان يستخدم البندقية في حين خرج عم الذئب (مناحي) بعد ان سمع الصراخ فهرع الى خيمة ابنته وزوجها وهناك التقاه (دلمخ) شقيق الفتاة وتعارك معه ليستل الاخير سكينا يقتل به العجوز (حسب رواية ثواب) قبل ان يفر وابن عمه ثواب من مسرح الجريمة.

بعد ان خرج القاتل وابن عمه تذكر ثواب بانه نسي العصا في موقع الجريمة.

الصباح الأخير

مع صباح اليوم التالي تطاير الخبر الى ثواب بان العم مناحي لفظ انفاسه الاخيرة, متأثرا باصابات الامس, سارع للقاء دلمخ ابن عمه (شقيق الفتاة) فلم يتردد الاخير في نصيحته بان (الهرب خير وسيلة) لكن ثواب رفض, ولم تفلح محاولات دلمخ لاصطحاب ابن عمه في رحلة الهروب, فما كان منه الا ان اعلن عزمه على الهرب وحيدا, لكن وضع لابن عمه ثواب (خط الرجعة) مؤكدا له انه سيعود يوما بعدما تهدأ نار الفتنة, واخبره انه سيذهب الى بيشة لانهاء بعض الالتزامات.

اما ثواب ففضل البقاء خاصة لانه يعلم مدى معاناة والده اذا ما هرب.

وأصر ثواب على البقاء (لانه لم يقتل احدا حتى يهرب), فسلم نفسه للشرطة ممنياً نفسه بأن (القاتل سيعود.. ولو بعد حين).

مضت سنة, وسنتان, وثواب خلف اسوار السجن, ولم يظهر دلمخ (القاتل) او يكشف احد مكانه حتى أهله.. ولم يتضح له اثر.

7 سنوات مرت ثقيلة على ثواب المتهم البريء (ان جاز الوصف وصحت روايته للحدث) كانت خلالها التحقيقات تسير على قدم وساق, وفي الخارج زوجته التي تركها حاملا في الشهر الثالث وضعت مولودها وتوفيت بعد 6 أشهر من دخوله السجن, لتحول كفالة الطفل الى جده من والده.

في عام 1407هـ نقل ثواب (القاتل) الى سجن الرياض, ثم عاد الى الطائف, وهناك انهكه اليأس من عدم عودة القاتل الحقيقي لتبرئته.

فالتقى باحد النزلاء من اقارب القتيل, ليقنعه بان ذوي الدم لايريدون ان يضيع ابنهم هدرا, ومن الاحسن له الاعتراف بالقتل ثم يوافقون على العفو. عندها كان اليأس قد دب في جسد ثواب, فاستحسن الفكرة وهكذا عدها حلا ينقذه من تلك الاسوار (حسب فهمه) فاعترف بأنه القاتل.. وسجلت القضية باسمه (فالاعتراف سيد الادلة).. والحياة بيأس (حسب اعتقاده) بلا طعم.. لكنه كل لحظة كان يعتقد ان ابن عمه حتما سيعود لتنكشف الحقيقة.

تسجيل الاعتراف

بعد 8 سنوات قضاها ثواب في السجن وبعد اسبوع من اعترافه وتسجيله في محكمة الطائف زاره والده وكان يرافقه طفل في الثامنة من عمره, عندما شاهد ثواب الطفل لم يصدق عينيه بعدما تأكد انه ابنه, كان الحضن الاول طويلا وساخنا رغم ان الزنزانة كانت تباعد بينهما.

كان ثواب (السجين والقاتل بحسب اعترافه) يبكي بحرقة, وابنه لم يصدق ان ذلك القابع خلف الاسوار هو والده.

حاول الطفل الاختباء وراء جده ليبدد فكرة ان والده (سجين).. لكن الاب اصر على ان يعرف ابنه الحقيقة دون رتوش, هرب الابن وبدأت عيناه من خلف جده تفحصان ذاك السجين.. وفجأة تبدل حال الصغير اذ انتابته الرهبة, والرعب, فانكر والده, قبل ان يدخل في أزمة نفسية, اسفرت عن اصابته بالصرع الذي يلازمه حتى الآن.

مضت العشر سنوات الاولى, وثواب في عنبره, يجر أذيال الخيبة يبكي حسرته على الاعتراف الخاطئ والمتسرع.

ومضت 25 عاما على سجن ثواب, كان شيوخ القبائل خلالها حريصين على تجديد الدم في عروقه عبر مساعي العفو لكن اهل القتيل حرصوا هم ايضا على القصاص وتنفيذ حكم الشرع.

آخر الوصايا

وخلال تلك السنوات تعلم ثواب القراءة والكتابة بعدما انهى أميته, وتدرج في المراحل التعليمية لينال قبل 6 سنوات (1420هـ) شهادة الثانوية العامة بعدما حظي بدعم ادارة السجن. وحرصا منه على الاستفادة من السنوات الموحشة فضل ان ينير ظلام ايامه بالقرآن فحفظ 12 جزءا.

ومع اقتراب موعد القصاص بعد ايام قليلة خرج ثواب من صمته.. داعيا الجميع الى الصبر عليه لا لبصيص الامل الذي شع بنوره فور حفظه للقرآن, ولا ليقينه الذي ملأ قلبه لادراكه انه لم يقتل احدا, ولكن ليحفظ بقية القرآن.

اما آخر وصايا ثواب من خلف الاسوار لذوي الدم فكانت (اتركوني.. ان استطعم ليس من اجلي بل من اجل والدي الذي تجاوز الثمانين من عمره واصبح لايقوى على شيء.. اتركوني من اجل ابني الذي اصبح اسير الصرع منذ اللحظة الاولى التي رآني فيها.. اتركوني لانني لم أقتل احد.. وان بقيت خلف الاسوار قاتلا بمحض اعترافي.. اتركوني فمن عفا واصلح فجزاؤه عند الله).