قاعدة نافعة لأعتصام العبد من الشيطان

الناقل : heba | المصدر : ozkorallah.net

قاعدة نافعة لأعتصام العبد من الشيطان
فما يعتصم به العبد من الشيطان و يستدفع به شره ويحترز منه وذلك في عشرة أسباب  
  
( بدائع الفوائد ، ابن القيم ،  ج 2 )

   الحرز الأول  :

الاستعاذة بالله من الشيطان أحدهما الإستعاذة بالله من الشيطان قال تعالى {  وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم } ، فصلت 36 وفي موضع آخر إنه هو سميع عليم وقد تقدم أن السمع المراد به هاهنا سمع الإجابة لا مجرد السمع التام ، وتأمل سر القرآن الكريم كيف أكد الوصف بالسميع العليم بذكر صيغة هو الدال على تأكيد النسبة واختصاصها وعرف الوصف بالألف واللام  في سورة حم لاقتضاء المقام لهذا التأكيد وتركه في سورة الأعراف لاستغناء المقام عنه فإن الأمر بالاستعاذة في سورة حم وقع بعد الأمر بأشق الأشياء على النفس وهو مقابلة إساءة المسيء بالإحسان إليه وهذا أمر لا يقدر عليه إلا الصابرون ولا يلقاه إلا ذو حظ عظيم كما قال الله تعالى والشيطان لا يدع العبد يفعل هذا بل يريه أن هذا ذل وعجز ويسلط عليه عدوه فيدعوه إلى الانتقام  ويزينه له فإن عجز عنه دعاه إلى الإعراض عنه وأن لا يسيء إليه ولا يحسن فلا يؤثر الإحسان إلى المسيء إلا من خالفه وآثر الله تعالى وما عنده على حظه العاجل فكان المقام مقام تأكيد وتحريض فقال فيه   {  وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم } .

وأما في سورة الأعراف فإنه أمره أن يعرض عن الجاهلين وليس فيها الأمر بمقابلة إساءتهم بالإحسان بل بالإعراض وهذا سهل على النفوس غير مستعص عليها فليس حرص الشيطان وسعيه في دفع هذا كحرصه على دفع المقابلة بالإحسان فقال{ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم} وقد تقدم ذكر الفرق بين هذين الموضعين وبين قوله في حم المؤمن{ فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير} وفي صحيح البخاري عن عدي بن ثابت عن سليمان بن صرد قال كنت جالسا مع النبي ورجلان يستبان فأحدهما احمر وجهه وانتفخت أوداجه فقال النبي : ( إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد ) ... رواه البخاري ومسلم      

الحرز الثاني :

قراءة هاتين السورتين فإن لهما تأثيرا عجيبا في الإستعاذة بالله تعالى من شره ودفعه والتحصن منه ولهذا قال النبي ما تعوذ المتعوذون بمثلهما وقد تقدم أنه كان يعوذ بهما كل ليلة عند النوم وأمر عقبة أن يقرأ بهما دبر كل صلاة وتقدم قوله إن من قرأهما مع سورة الإخلاص ثلاثا حين يمسي وثلاثا حين يصبح كفته من كل شيء .

الحرز الثالث :

 قراءة أية الكرسي ففي الصحيح من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال وكلني رسول الله بحفظ زكاة رمضان فأتى آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله فذكر الحديث فقال إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي فإنه لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فقال النبي صدقك وهو كذوب ذاك الشيطان  رواه البخاري وسنذكر إن شاء الله تعالى السر الذي لأجله كان لهذه الآية العظيمة هذا التأثير العظيم في التحرز من الشيطان واعتصام قارئها بها في كلام مفرد عليها وعلى أسرارها وكنوزها بعون الله تعالى وتأييده

الحرز الرابع :

 قراءة سورة البقرة ففي الصحيح من حديث سهل عن عبدالله عن أبي هريرة أن رسول الله قال لا تجعلوا بيوتكم قبورا وأن البيت الذي تقرأ فيه البقرة لا يدخله الشيطان  رواه مسلم والترمذي

الحرز الخامس :

 قراءة خاتمة سورة البقرة فقد ثبت في الصحيح من حديث أبي موسى الأنصاري قال قال رسول الله من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه  رواه البخاري ومسلم  وفي الترمذي عن النعمان بن بشير عن النبي قال إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق بألفي عام أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة فلا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان، صحيح

الحرز السادس  :

أول سورة حم المؤمن إلى قوله تعالى إليه المصير مع آية الكرسي في الترمذي من حديث عبدالرحمن بن أبي بكر عن ابن أبي مليكة عن زرارة بن مصعب عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله من قرأ حم المؤمن إلى إليه المصير وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح ،  ضعيف  وعبدالرحمن المليكي وإن كان قد تكلم فيه من قبل حفظه فالحديث له شواهد في قراءة آية الكرسي وهو محتمل على غرابته

     الحرز السابع :

 لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ففي الصحيحين من حديث سمي مولى أبي بكر عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله قال من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشرة رقاب ، وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر من ذلك رواه البخاري ومسلم  فهذا حرز عظيم النفع جليل الفائدة يسير سهل على من يسره الله تعالى عليه

الحرز الثامن :

كثرة ذكر الله وهو من أنفع الحروز من الشيطان ففي الترمذي من حديث الحارث الأشعري أن النبي قال إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها وأنه كاد يبطيء بها فقال عيسى إن الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم فقال يحيى أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي أو أعذب فجمع الناس في بيت المقدس فامتلأ وقعدوا على الشرف فقال إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وأمركم أن تعملوا بهن أولهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق فقال هذه داري وهذا عملي فاعمل وأد إلي فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك      وإن الله أمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت      وأمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك فكلهم يعجب أو بعجبه ريحها وإن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وأمركم بالصدقة فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال أنا أفديه منكم بالقليل والكثير ففدى نفسه منهم وأمركم أن تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا حتى أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله  قال النبي وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة فإن من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من حثاء جهنم فقال رجل يا رسول الله وإن صلى وصام قال وإن صلى وصام ، صحيح فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله ، قال الترمذي هذا حديث حسن غريب صحيح وقال البخاري الحارث الأشعري له صحبة وله غير هذا الحديث فقد أخبر النبي في هذا الحديث أن العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله وهذا بعينه هو الذي دلت عليه سورة  قل أعوذ برب الناس  فإنه وصف الشيطان فيها بأنه الخناس والخناس الذي إذا ذكر العبد الله انخنس وتجمع وانقبض وإذا غفل عن ذكر الله تعالى التقم القلب وألقى إليه الوساوس التي هي مباديء الشر كله فما أحرز العبد نفسه من الشيطان بمثل ذكر الله عز وجل .

 الحرز التاسع :

 الوضوء والصلاة وهذا من أعظم ما يتحرز به منه ولا سيما عند توارد قوة الغضب والشهوة فإنها نار تغلي في قلب ابن آدم كما في الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي أنه قال ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما رأيتم إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه فمن أحس بشيء من ذلك فليلصق بالأرض ،  صحيح، وفي أثر آخر إن الشيطان خلق من نار وإنما تطفأ النار بالماء،  ضعيف ، فما طفأ العبد جمرة الغضب والشهوة بمثل الوضوء والصلاة فإنها نار والوضوء يطفئها والصلاة إذا وقعت بخشوعها والإقبال فيها على الله أذهبت أثر ذلك كله وهذا أمر تجربته تغني عن إقامة الدليل عليه

الحرز العاشر :

 إمساك فضول النظر والكلام والطعام ومخالطة الناس فإن الشيطان إنما يتسلط على ابن آدم وينال منه غرضه من هذه الأبواب الأربعة فإن فضول النظر يدعو إلى الاستحسان ووقوع صورة المنظور إليه في القلب والاشتغال به والفكرة في الظفر به فمبدأ الفتنة من فضول النظر كما في المسند عن النبي أنه قال النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فمن غض بصره لله أورثه الله حلاوة يجدها في قلبه إلى يوم يلقاه، ضعيف جدا ، أو كما قال فالحوادث العظام إنما كلها من فضول النظر فكم نظرة أعقبت حسرات لا حسرة كما قال الشاعر  :

كل الحوادث مبداها من النظر    ومعظم النار من مستصغر الشرر

كم نظرة فتكت في قلب صاحبها     فتك السهام بلا قوس ولا وتر

وقال الآخر

وكنت متى أرسلت طرفك رائدا     لقلبك يوما أتعبتك المناظر

رأيت الذي لا كله أنت قادر     عليه ولا عن بعضه أنت صابر

وقال المتنبي

وأنا الذي جلب المنية طرفه   فمن المطالب والقتيل القاتل

ولي من أبيات

يا راميا بسهام اللحظ مجتهدا       أنت القتيل بما ترمي فلا تصب

وبــاعث الطرف يرتاد الشفاء        له توقــــــــه إنه يرتد بالعطب

ترجو الشفاء بأحداق بها مرض     فهل سمعت ببرء جاء من عطب

ومفنيا نفسه في إثر أقبحهم     وصفا للطخ جمال فيه مستلب

وواهبا عمره في مثل ذا سفها     لو كنت تعرف قدر العمر لم تهب

وبائعا طيب عيش ما له خطر     بطيف عيش من الآلام منتهب

عينت والله غبنا فاحشا فلو اس     ترجعت ذا العقد لم تغبن ولم تخب

وواردا صفو عيش كله كدر     أمامك الورد صفوا ليس بالكذب

وحاطب الليل في الظلماء منتصبا     لكل داهية تدنو من العطب

شاب الصبا والتصابي بعد لم يشب     وضاع وقتك بين اللهو واللعب

وشمس عمرك قد حان الغروب لها     والطي في الأفق الشرقي لم يغب

وفاز بالوصل من قد فاز وانقشعت     عن أفقه ظلمات الليل والسحب

كم ذات التخلف والدنيا قد ارتحلت     ورسل ربك قد وافتك في الطلب

ما في الديار وقد سارت ركائب من     تهواه للصب من سكني ولا أرب

فأفرش الخد ذياك التراب وقل     ما قاله صاحب الأشواق في الحقب

ما ربع مية محفوفا يطوف به     غيلان أشهى له من ربعك الخرب

ولا الخدود وإن أدمين من ضرج    أشهى إلى ناظري من خدك الترب

منازلا كان يهواها ويألفها     أيام كان منال الوصل عن كثب

فكلما جليت تلك الربوع له     يهوى إليها هوي الماء في صب

أحيا له الشوق تذكار العهود بها     فلو دعا القلب للسلوان لم يجب

هذا وكم منزل في الأرض يألفه     وما له في سواها الدهر من رغب

ما في الخيام أخو وجد يريحك إن     بثثته بعض شأن الحب فاغترب   

  وأسر في غمرات الليل مهتديا     بنفحة الطيب لا بالنار والحطب

وعاد كل أخي جبن ومعجزة     وحارب النفس لا تلقيك في الحرب

وخذ لنفسك نورا تستضيء به     يوم اقتسام الورى الأنوار بالرتب 

    فالجسر ذو ظلمات ليس بقطعه    إلا بنور ينجي العبد في الكرب

....................  والمقصود أن فضول النظر أصل البلاء