الفـــم

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : جـبـير المليـحان | المصدر : www.arabicstory.net

كيف كان يرى هذا العالم الواسع بعيني طفل !!

تذكر ذلك و هو في خيمة الدفء في فراشه .

أول الأمر: فتح عينيه العسليتين الصغيرتين ، و من جوفه انسربت آهة صغيرة دون صوت ، خرجت من فمه المفتوح و طارت في الفضاء : آه ؛ هل أنا في كوكب آخر ؟ كل هذه العوالم التي تتراكض أمامي .. ما هي ؟ ظل الفم مفتوحاً حتى لكزه حسن وهو يقول له : ( عثمان ، انتبه .. لقد وصلنا .. نحن في القصر ! ) .. ترجلا من السيارة ، وقاده ، و سيول أسئلة كثيرة تتماوج في رأسه .. دخلا من باب خلفي ، و هو يسحب رجليه ، قال له حسن :

ـ المطبخ .

فغر فمه أكثر ، و خرجت آهته كالفحيح .. كاد أن يزعق :

- يا الله !! كل هذا مطبخ ؟!

تعلق استغرابه في الهواء الواسع كسؤال مهمل .. واضمحل صوته كهسيس وسط هذه الزحمة الكبيرة .. خفظ عينيه و كأنه يبحث ـ بين الأقدام ، فوق الأرض اللامعة ـ عن إجابة لسؤاله ؛ وقف ينظر في الاتجاهات ؛ عاد إليه حسن و زجره : ( أغلق فمك ) ، ثم قاده إلى غرفة صغيرة ..صدمته برودتها الشديدة و انكمشت عيناه للألوان الخضراء الفاقعة : سرير خشب فردي أخضر، دولاب خشب أخضر ، ثلاجة صغيرة خضراء ، مغسلة أيدي بصنبورين و حوض أخضر فاتح ، و فوقها مرآة مؤطرة بالأخضر الغامق ، وبجانبها باب أبيض لحمام صغير ، مكيف الهواء يملأ الغرفة الصغيرة بهوائه .. أشار له حسن فجلس فوق السرير بحذر .. لفه الصقيع فانكمش ، و وضع يده فوق بطنه الذي يلويه من الجوع ، دار رأسه ، و جاء تعب الرحلة كلها دفعة واحدة فأحس بأن ظهره يطقطق كالخشب ..انحنى بحذر وهو يخلع حذاءيه ، و ودّ لو سقط و نام .. قام وغسل يديه ، و وقف كتمثال طويل .. أشار حسن إلى السرير ، و وارب الباب خارجا و هو يبتسم .. اندس تحت البطانيتين ، وسرعان ما تراكض النوم فوقه .. كانت بقايا الحلم المرعب تتراقص في ذهنه، رأى بعضا من الصور : (( .. عائد من مقبرة القرية حيث دفنوا اثنين من أولاد أخته ، ماتا من الجوع ، و لحقا بأبيهما .. )) ، أتاه ( الرجل ) راكضا ، و قال له ستنقلك الحافلة الآن إلى حيث المطار .. التفت و كانت الحافلة صفراء مغبرة . قال بأن عليه أن يتمم عزاء أخته .. و يودع أهله و يأخذ أغراضه .. الرجل قال له : أن لا وقت لذلك .. و هذه فرصتك الأخيرة .. لن تذهب إلى الرياض أبدا إن لم تمش معي الآن .. لفه بكاء ساخن ، و تراقصت بين عينيه الحيرة .. و هو يتلفت و الناس يعودون من المقبرة وسط الغبار المتطاير ، و الشمس الحمراء تبكي قبل أن تغيب .. أمسك بقميصه الوسخ كآخر الحجج ، لكن الرجل مدّ جواز السفر أمام عينيه .. و سحبه قائلا : ستجد كل شيء هناك .. وابتسم له ابتسامة كبيرة ، لعن القلب الأسود لهذا الرجل ..و لعن هذا الغبار وهذه المقابر والجوع .. و الحافلة الصفراء المغبرة .. و قامته الطويلة وبعض الأشجار الواقفة ..لعن أشياء كثيرة من قلبه الباكي.. و مسح عينيه و هو يلتفت إلى كل عمره المديد المفتت في بكاء الشمس و مع الغبار .. بكى .. بكت عيناه لعيني أخته .. و لحق بغبار الرجل المسرع .. هذا المهرول ككلب ، متعهد إرسال العمال و الطباخين إلى دول خليجية ..التفت إلى أشباح الناس المهرولين و الأشجار البعيدة .. و بقايا البكاء و الأبنية المنخفضة ، و الشمس القانطة .. الحمراء ، و مسح آخر دمعتين و هو يجرجر قدميه . ثم غاب في النوم ..

لكزه حسن ، و قال :

- قم يا عثمان !!

و عندما رأى وجهه الباكي سأله :

ـ ما بك يا عثمان ؟

- الجوع .. القرية .. أختي ...

و ارتبك بحديث سريع عن قريتهم و مجاعتها ، كان وجه حسن يلمع و هو يبتسم ، قطع حديثه و قال بما يشبه السخرية :

- الحمد لله على سلامتك يا رجل .. انظر إلى ساقيك مثل عودين .. اترك الجوع ، و أهله .. لقد أتيت هنا لتأكل .. انتهى الجوع .. هيا .. هيا : بدل ملابسك ، وأجهز للعمل ...

أطلق ضحكة كبيرة و هو يقول : غدا ستعود لقريتك الجائعة بالخيرات.

- و ما هو عملي ؟

- الأكل ؟

- كيف ؟

- إلبس .. وسأعود إليك بعد قليل .

و أشار إلى دولاب الملابس ، و خرج ..لبس عثمان : البنطلون الأبيض ، والفانيلة والقميص الأبيضين .. وبقي الطربوش الطويل الأبيض ، والقفازين معلقة مثل الأسئلة في يديه .. ارتعش وحسن يدخل الباب مسرعا و قد اكتسى كله باللون الأبيض :

- هيا .. هيا . لماذا لم تلبس ؟

كان عثمان مرتبكاً بطوله ، و جسمه النحيل ، وملابسه الوسخة .. ألبسه حسن الطربوش العالي ، وأمره أن يخلع حذاءيه و، طلب منه بسرعة غسل قدميه ولبس الجوربين الأبيضين والحذاءين الأبيضين أيضاً ، وضع في يديه القفازين .. وطلب منه أن يعدل الطربوش في المرآة ، توجه منقادا إلى المرآة ، و جفل و هو يرى شبحا طويلا أبيض بعينين منهكتين ، و وجه أسمر ضامرا .. كان يرتعش ؛ أمسكه حسن ، هزه جيدا و قال :

- اسمع .. في هذا الدولاب ما يكفي من ملابس العمل .. تبدل ملابسك بعد كل وجبة ، وتضع الملابس المستعملة في هذه السلة ، وتضعها بالجانب ، خارج الباب ، سيأتون و يأخذونها للغسيل !!

هز إصبعه في وجهه و قال :

- النظافة .. النظافة يا عثمان .. النظافة .. لا تفشلنا .. هيا ضع ملابسك القديمة في السلة !

و كمن يضع قطعا من جسده ، أخفى قطع ملابسه المتسخه في قعر السلة ، و وقف و قد اجتاحه حزن كبير .. اعتقد لوهلة أنه قد تخلى عن عظامه ! و هو في الفراش فكر كيف يطلع الآخرون على ملابسه التي تحمل رائحته الخاصة . . شاهد حسن تردده فنهره مبتسما و هو يشير إلى ساعته ، كان باب غرفته في نهاية ممر طويل كسوق صغير مضاء مليء بالأبواب الخشبية المذهبة ، فتح حسن الباب الأول على اليمين فدخلت إلى جوفه روائح أكل طيبة ، وبسرعة ود لو يقفز ويلتهم كل هذه الصحون التي تمتد على الطاولة الطويلة .. وقف خلف حسن وكأنه يختبىء من طوله و غرابة ملابسه البيضاء .. كان حسن الممتلئ يقف وقد تقاطعت يداه بأدب ، و أمامهما امتدت طاولة طويلة و قد وضع فوقها الكثير الكثير من الصحون الصغيرة ، وبجانب كل صحن ما يلزم من السكاكين و الملاعق الملفوفة بمناديل ورقية بيضاء ، وفي أقصى الطاولة وقف مجموعة كبيرة من الرجال بملابس بيضاء : فيهم سود الوجوه وسمرها وبيضها وحمرها .. من كل لون . جذب حسن عثمان من خلفه ، ودفعه باتجاه الرجال الواقفين : أحس عثمان بالعرق البارد يسيل على فقرات ظهره ، بعد أن انكشف جسمه الطويل الناحل أمامهم .. أشار إليه رجل أحمر هو أسمن الرجال باصبعه ليتقدم ، لحق به حسن ، كشر الرجل الأحمر في وجهه ، وقال كلمة غريبة ضحكوا لها جميعا ..تصبب عرقه .. دفعوه ليتقدم حيث الرجل السمين ، وصل بالقرب منه ، كانت أنفاسه تختلط بروائح الأكل ، وجوعه الكبير ، مرقت صورة الأهل والقرية في ذهنه كبرق : الأموات ..المقبرة .. كاد أن يدور و يعدو هاربا .. ترنح .. أمسك بخناقه الرجل السمين فطار بين يديه كعصفور طويل :

- ما اسمه ؟ كان السؤال موجهاً إلى حسن .

- عثمان ..

- لا ..اسمه الفم !

علا ضحكهم حتى تحول إلى شخير .كانت بطن القريب منه تختض كقربة مليئة بالدهن .. قال أحدهم من منخريه الضاحكين :

- سموه الكرش !

واختض كرشه و هو يضرب كرش الضخم الذي بجانبه بمجون .. الرجل السمين لكز مؤخرته .. فجفل .. شخر الأحمر و قال :

ـ لا .. الآن هو الفم .. ربما بعد سنة سيكون كرشا .. أو بولا ..

و أطلق ضحكة متمايلة .. فتعالت ضحكاتهم .. حتى دار رأسه .. مدّ ذو الوجه الأحمر يده بين فخذيه .. قفز عثمان مبتعدا .. ضحكوا و ضحكوا ، حتى أشار إليهم الرجل الأحمر السمين بالصمت ، وقفوا صامتين كتماثيل بيض .. أدار عثمان عينيه و خيل إليه أنه في مقبرة .. وأن الزمن توقف .. كوته معدته من جديد .. وجعر الرجل الكبير بضحكة مدوية .. وضرب كأسا صغيرة بكأس الذي بجانبه ..وأشار بفمه الواسع إلى عثمان ليقترب .. دفعه حسن من الخلف فمشى ..أشار إليه الأحمر بفتح فمه .. أحنى رأسه و دلق الرجل محتويات الكأس في فمه ، اشتعلت النار في جوفه و السائل يدخل إلى بطنه ، كاد أن يتقيأ .. و زاغت عيناه .. ألقى الرجل السمين بالكأس على الطاولة ، و قال بجدية صارمة :

- حسن .. قل لهذا الفم العفن مهام عمله ..

و غادر .. تفرقوا .. بقي هو و حسن الذي قاده إلى مقدمة الطاولة الطويلة وقال :

- ذق كل صنف من هذه المأكولات يا عثمان . فقط ذق .. وتأكد من الطعم جيداً .. سيسجل كل ملاحظاتك هذا ـ و أشار إلى رجل قصير وممتلئ و يخلو وجهه من الشعر و له عينان صغيرتان ـ إنه فلبيني .. ستعتاد عليه .. و هو يفهم العربية .. لكن لا تتحدث إليه بسرعة أو بلهجة قريتك الأفريقية .. هل فهمت ؟ و أشار إلى الصحون : لا تأكل أبداً .. لا تأكل يا عثمان .. تذوق فقط .. حتى تنتهي من هذه الصحون كلها .. هذا هو عملك يا عثمان !!

كان فمه مراً .. و معدته تشتعل ..

للوهلة الأولى أراد أن يلتهم الصحن الصغير بما فيه.. كانت عينا حسن تراقبانه ، و الفلبيني يتبعه ممسكا بدفتره و قلمه .. قال له حسن : لا .. لا .. صغر اللقمة ..تذوق فقط ..

مشى على الصحون واحداً واحداً .. كانت عشرات المآكل من شرق الأرض و غربها .. لم يسمح له أن يشرب الماء .. أو يتحدث .. بعد ساعة من الزمن ، كان بطنه يمتلئ مثل كرة صغيرة صلبة .. بقي متران من الصحون الصغيرة .. صار يتذوق بألم .. عندما أكمل مهمته كانت كرشه كالحجر ..متكورة بشكل مضحك .. ضربه حسن فوقها بلكمة صغيره ، و قاده إلى غرفته :

- أرأيت !! هذا عملك !!

ضحك حسن قريباً منه ، وتسللت إلى أنفه رائحة أنفاس حسن الكريهة .. فابتسم بامتعاض .

ـ هيا .. غير ملابسك و نم .. فبعد خمس ساعات ستكون الوجبة الأخرى جاهزة .. و عليك القيام بعملك .. سأمر عليك قبل ذلك .. نم .

و حسن يوقظه بقي تائها لمدة دقيقة و هو لا يدري أين هو .. كانت البرودة شديدة .. قال له حسن :

ـ هيا لديك نصف ساعة لتجهز نفسك و تبدأ وجبة العشاء ..

قام بتثاقل .. كان انتفاخ معدته قد خف ، لكنه انتقل إلى رأسه .. صار مثل بالون .. غسل وجهه جيدا ، و وضع رأسه تحت الماء .. رأسه مازال منتفخا .. خرج حسن ، وعاد بصينية صغيرة ، وضعها برفق فوق الطاولة الخضراء .. عبقت رائحة القهوة في أنف عثمان .. مد يده الطويلة ليلتقط كأس الماء و يتذوق القهوة .. أمسك حسن باليد السمراء الطويلة برفق ، و أخذ باليد الأخرى كأسا بلوريا يمتلئ بماء وثلج .. ناوله لعثمان ، عثمان يقرب الكأس من أنفه ويشم فيه نفس رائحة أنفاس حسن ، فيسأله ( ما هذا ؟ ) حسن يقول ( شراب ) يضحك قليلا و هو يردف ( منعش ... شراب منعش .. إنه لك ..) يشمه عثمان مجددا ثم يبعده ، عثمان يقول : .. ماهو ؟ لا أريده .. عثمان يزرع في الغرفة سؤال احتجاج و حيرة .. لكن حسن يقول ببسمته : هذا ما شربته من المستر (ميم ) .. قبل الغداء .. إنه فاتح للشهية لا أكثر .. يقطب عثمان و جهه وهو يقول و كأنه يخاطب نفسه : تشرب ياعثمان الحرام !! يجلس و كأنه يتكوم فوق حيرته .. يقترب منه حسن و يسقيه الكأس على دفعات .. ضاحكا وهو يقول : ستتعوده .. تتعوده .. أنت بحاجة إليه .. عدة الشغل يا خويا .. يظل يثرثر ويسقيه و يثرثر حتى يكاد يتقيأ ، فيناوله الماء وفنجان القهوة .. ثم يقول له .. ها أنت الآن .. هيا جهز نفسك ........ كان هذا ..

كان هذا .. كل هذا يذكره عثمان ، و يقول في داخل صدره : هكذا كنت .. بين هذه الغرفة الباردة .. و طاولة التذوق الطويلة و الرجل الفلبيني و دفتره .. أما ذاك الأحمر ( ميم ) فلم أره كثيرا .. لا أراه غير في المناسبات الكبيرة ..؛ يأتي محمرا كثيرا بكرشه الكبيرة ، و وجهه اللامع و رائحة الخمر تفوح منه .. ومن الآخرين .. ومنك أنت يا عثمان !! نعم مني أنا عثمان .. كنت نحيفا وعفيفا في قريتي البعيدة .. الآن أنت تشرب لتأكل و تأكل تأكل .. ليس لديك غير الأكل .. لك كرش الآن يا عثمان .. كرشي مدورة و صغيرة .. تكبر و تنتفخ مع الأيام .. و أنا أكبر و أهرم مع الأيام أيه .. يا عثمان .. من يدري أين تمضي يا عثمان ؟ كيف أختك الآن ؟ يموتون من الجوع ، و أنت لا تستطيع التنفس من كثرة ما تذوق من أصناف ؟ كيف ؟ أرض عجيبة يا عثمان ؟ جفاف و فيضان ؟ هل من عدل في ذلك ..هل من عدل ؟ عثمان يطارد السؤال الآسي المتأرجح فوقه في سماء الغرفة الصغير .. يلوح وجه حسن ضاحكا ؛ حسن يقول لي و أنا أقطب جبيني أمام كأسه .. ببساطة كالماء يقول : كل من في القصر يشربون .. وعندما قلت له : حتى الشيخ ؟ قرع كأسي الصغير بكأسه و هو يضحك و يقول لي : أنت لا تعرف الرياض .. كثيرون يشربون هنا .. سترى كل شيء .. ستعرف أشياء كثيرة : شراب و نساء و كل ما يخطر في البال من مآكل من شرق الأرض وغربها .. الشيخ يحب الخضر و الفواكه واللحوم المحلية الطازجة التي تأتي من مزارعه في القصيم .. إنها تزرع له خصيصا دون أسمدة كيماوية .. ضحك حسن بصوت عال و طويل و هو يقول : لا ينوعون إلا في اللحوم البيضاء و السمراء يا عثمان ..نساء .. نساء ياعثمان .. من كل مكان ..غمز لي وضرب ما بين فخذي بطرف قدمه و خرج ضاحكا و هو يقول :

ـ استعد ستخرج بعد عشر دقائق ..

كل ذلك تتذكره يا عثمان .. الآن و أنت فوق هذا السرير .. و لا يفصلك عن السماء غير هذا السقف الصغير .. هل ستطير هناك .. تاركا هذا الجسد الكبير ( الكرش ) هامدا ؟ الكرش الكرش .. نعم هو الأحمر الذي كان يقول لي ( الفم ) تعال أيها الفم اذهب يا فم و كأن ليس لي اسم !! يمدحك يا عثمان بلقب الفم : الفم نشيط اليوم ... حسن هل أسقيت هذا الفم اليوم ؟ حسن ملابس هذا الفم غير مكوية تماما .. هل لك عضو طويل كساقيك يا فم .. يضجون بالضحك و هو يحاول إدخال يده بين فخذي .. لا شك أن هذا الأحمر ... استغفر ربك يا عثمان .. أنت رجل متزوج ..عن أي شيء تستغفر يا عثمان .. جئت نظيفا و تلوثت تماما .. شراب ونساء و كرش يكبر .. نعم .. يا كرش .. قالها الأحمر بعد أن انتفخ جسمي وكبر .. نعم في تلك الليلة .. الشيخ في رحلته الأمريكية .طاقم الطعام : الطباخون المتخصصون و المتذوق و كادر التقديم و كادر الخدمة ، و خبير المشروبات ..و ..و .. ملزمون تماما بنظام القصر الصارم : الملابس و المواعيد و الأطعمة في أوقاتها سواء كان هناك من يأكل أم لا .. نعم تذكر ـ يا عثمان ـ تلك الليلة التي أكثرت فيها من الشراب ، يا عثمان و وجدك حسن في أقصى الحديقة الكبيرة .. بعيدا عن حلبة الرقص و موسيقاها الصاخبة .. عند برك السباحة حيث تغطيها سحب روائح الشواء .. والكؤوس تقرع و الضحكات العالية تصهل .. و الأجساد تتمايل بغنج .. كنت تبكي يا عثمان .. خاف حسن و قال : مابك يا عثمان ؟ هل نطلب طبيب القصر ؟ بكيت أكثر .. و أكثر .. و عندما هدأت قليلا قلت له : منذ سافر الشيخ لتركيب طقم أسنان جديد .. منذ أكثر من شهر ونحن نعد نفس الموائد .. و كل أنواع الطعام .. و نأكل و نشرب و نعربد .. كل يوم .. تلقى هذه الأطعمة في سيارات القمامة .. حسن أولاد أختي ماتوا من الجوع ..قريتي ..و تسألني لم أبكي .. لم تنطق يا حسن .. لم تبك أيضا .. حدقت في ببلاهة و استدرت عائدا .. بعد قليل جاءتني الزفة .. الأحمر و فريقه جاؤا يركضون ..حملوني وألقوا بي في المسبح وسط ضحكاتهم .. كان الأحمر يقول وسط شخير ضحكه المتورم : انظروا الكرش .. الكرش .. كدت أغرق لو لم تسحبني ماي البنت الفلبينية القصيرة .. هكذا قالت لي ، و أنا استيقظ في غرفتها قبل منتصف النهار .. قمت طريا ، و معطرا ، و ببنطال قصير .. ألقت بضحكتها ، و هي تقفز فوق ظهري بجسمها الصغير .. عضت أذني ففزعت ، فألقت بنفسها في حضني ، ثم وقفت أمامي متخصرة و قالت :

ـ أنت تتذكر كل التفاصيل التي حصلت البارحة ؟ تغنجت بحركات ؛ قلت :

ـ ماذا حصل ؟

ـ كنت هائلا يا عصمان ......

قالت كل شيء . من يومها صارت تزورني و أزورها .. من يومها صاروا يطلقون علي لقب الكرش .. و من يومها أخذت أتعمد أن أبرز كرشي .. عصمان .. أحب كرشك .. أحبك عصمان .. هكذا تقول لي ماي و هي تقفز فوق ظهري ، أو تندس تحت البطانية في غرفتي الخضراء .. كانت واحدة من عشرات في أجنحة القصر .. لكنني علقت بها و علقت بي .. استغفر الله يا عثمان .. ذنبك كبير .. و عليك أن تتوب .. تب يا عثمان . صل يا عثمان ..صل يا عثمان لا تشرب .. خفف من كرشك يا عثمان .. عد (فما) كما كنت .. عد عودا طويلا كغصن .. عد إلى قريتك .. عثمان ..

هكذا أنت يا عثمان تضرب نفسك و تحاسبها في أغلب أيام الجمع التي تذهب فيها للصلاة .. لكنك تعود مع التيار و تنسى .. عملك و حسن و ماي و الأحمر و كل الآخرين ..كلهم يحبونك يا عثمان و يفتقدون كرشك الكبير حيث ترقص به آخر الليل بجانب البركة عندما يكون الشيخ مسافرا .. صرت لا تفكر بأختك كثيرا ، و القرية التي تسكن عينيك و جوفك و ذاكرتك لم تذكرها إلا في القليل .. بل لقد نسيتها حتى خرجت إلى مخيم الربيع المخصص للشيخ .. ذلك اليوم رأيت الكثير من القرى .. المئات من أشجار النخيل العوجاء و المنكسرة و التي دون رؤوس ، و أشجار الأثل الكالحة ، و دور الطين المتساقطة .. و أكوام العجائز و الأطفال و البهائم و هم يدورون وسط الغبار والشمس .. كان حسن يشرب من زجاجته الصغيرة و يدندن أغنية جنوبية .. كنت صامتا يا عثمان ، لكنك كنت تقول لنفسك : هذه هي قرى أفريقيا .. أفريقيا .. هذه هي قريتي .. كلها قريتي .. حتى شعرت بمسامير الجوع في معدتك .. زعقت في وجه حسن و هو ينفث بخاره :

ـ حسن .. انظر .. هل نحن في قريتنا ؟

رفع زجاجته و قال بحياد بعيد :

ـ كل القرى تتشابه .. كل الأوطان أيضا .. ثم جرع من زجاجته و اتكأ على كتفك و نام .. أنت وحيد ياعثمان .. وحيد و حزين ، حزين و بارد ، بارد و مريض ، ربما تكون جائعا .. نعم أنا جائع ، جائع جدا .. الجوع يركض في عظامي .. الجوع حليبي ، و برغم كل هذه الكرش ، فإن المظاهر خادعة ، هي كالناس مخادعون .. مثل حسن هذا السكير الذي أفسدني .. والذي أفسده الأحمر الذي أفسده الشيخ .. كلهم .. كان الشيخ يصلي في المسجد الرخامي الذي يتربع في زاوية في أقصى القصر .. بين غابات الأشجار الخضراء دائما .. يوم الجمعة ، و في العاشرة تماما يخرج متبخرا بالعود الأصلي ، العود الكمبودي الفاخر ، لابسا البشت الخفيف و الشماغ المكوي ، يصلي ركعتين على سجادته الخاصة ، و يمد يده محييا من يجلس عن يمينه .. ثم يأخذ مصحفا و يقرأ دون صوت حتى يدخل الإمام .. هل هو مثله ؟ .. هل .. هل .. يا حسن .. حسن أنا جائع ؟ جائع ؟ نعم ! هاك اشرب ! هات .. سآكل اليوم خروفا كاملا .. بل خروفين..كل ثلاثة مع غزال و دجاج و أرانب .. دعني أنام .. حسن أين ماي ؟ مايي أين هي ؟ اووووه .. ستجدها في الخيمة تنتظر كرشك ؟هاها .. سأضعها في كرشي اليوم .. سآكلها مع الخراف الصغيرة المشوية ..سترى يا حسن .. هيا لقد وصلنا .. نزلت يا عثمان .. صرت تؤمن بالتخصص .. لن تعمل شيئا غير أن تتذوق يا عثمان .. هاهي كأسي .. و هذه ماي .. هيا يا مايي نختفي خلف هذه الربوة و نشرب ..و سنعود ..

ـ حسن هل من خدمة قبل أن نذهب قليلا للمشي ؟

ـ اوه أنت معفى من تذوقك اليوم فلن يحضر الشيخ إلا بعد ثلاثة أيام ...

ـ ممتاز سأخصص اليوم لماي و للشرب ...لا ؛ بل للأكل فقط : في هذه الصحراء الواسعة ، و هذا الجو الربيعي سأقضي على الجوع المتأصل في عروقي .. جوعي المتوارث من سبعين جد .. جوعي المتأصل في الدم ....جوعي الآدمي ..انتبه يا حسن ربما آكلك لو بقيت في طريقي ...هاهاها...هاها..

عدت مع ماي و نحن مترعان تماما .. جلست فوق الأرض بالقرب من القدور و أخذت آكل .. أكلت من كل نوع .. أكلت من اللحم المطبوخ و المشوي والأبيض و الأحمر .. أكلت حتى بدأت ماي تصرخ بالقرب مني .. ثم أخذت تصرخ في أذني ، و أخيرا ذهبت كزوبعة هستيرية .. لم أستطع أن أضحك و هي تزعق في وجه حسن و من معه :

ـ الحقوا الرجل سينفجر من الأكل .. كرشه مثل الخيمة ، لقد أصيب بالسعار!!

ـ دعيه يأكل ؛ فقد كان ميتا من الجوع طول عمره !!

ـ لكن يا حسن ..؟

جاء حسن و كنت آكل كوحش .. كان جوعي يتسع كلما امتلأت كرشي .. كانت يداي الاثنتان تتحولان إلى عشرات الأيدي ..مئات ؛ ولي ألف فم .. و في بطني يصرخ آلاف الآطفال من كل القرى .. حضر اجدادي .. و أهل القرية .. و كل النائمين في المقابر .. آلاف الأفواه من كل القرى التي رأيتها كلهم كانوا يرددون دويا كالطبول :

أكل .. أكل .. أكل .. أكل .. أكل .. أكل .. أكل .. أكل .. أكل .. أكل .. أكل ..أكل .. أكل .. أكل .. أكل .. أكل .. كان الدوي يملأ رأسي ، و كانت أياديّ الآلاف تمتد إلى كل القدور و الصحون و تأكل ..تأكل ..تأكل ..تأكل .. تأكل .. تأكل .. تأكل ..تأكل .. تأكل ..تأكل ..تأكل ..تأكل .. تأكل .. تأكل .. تأكل ..تأكل...

ـ عثمان .. يكفي يا عثمان .. لقد انتفخت .. ماي نادي الآخرين ..

يجتمعون و أنا آكل ، آكل ، يحملونني و يبعدونني عن الصحون و أنا آكل .. يضعونني في السيارة .. يزجرهم حسن بقوة : إلى أقرب مستشفى ..يقول رجل آخر : لا أبلغوا الشيخ فقد شرب عثمان كثيرا .. الشيخ يقول هاتوه للقصر .. سيراه الطبيب هنا لا داعي للمستشفى و الشرطة .. ـ هل هو متذوق الطعام يا حسن ؟ ـ نعم يا عمي الشيخ .. ـ دع الرجل الجديد يأخذ مكانه حتى ننظر في أمره ـ .. لا .. ـ لا تمت يا عثمان .. ـ حسن يردد بقوة .. لكنني غفوت مسلما روحي بوجع .. قال السائق بنزق لحسن :

ـ ما هذه الرائحة ؟ ثم مدّ يده نحوي و قال :

ـ لقد مات يا حسن .. كلم الشيخ .. ـ ألو عمي الشيخ : مات عثمان ؟ ـ من عثمان هذا ؟ ـ متذوق الطعام يا عمي الشيخ !! ـ و لماذا مات ؟ ـ من الأكل يا عمي الشيخ !! رحمه الله ، من سيقوم مكانه يا حسن ؟ ـ الرجل الجديد يا عمي الشيخ !! ـ ضعوه في المسجد .. مسجد القصر و قل للإمام يتولى أمره يا حسن .. دع يعقوب يقوم بإجراءات شهادة الوفاة و نقل الجثمان إلى أهله .. انقلوه بالطائرة يا حسن .. أكرموه فهو ميّت .. و أرسل لأهله مبلغا يا حسن ، هل له أهل يا حسن ؟ ـ نعم يا عمي الشيخ له !!

يصفق حسن يديه حزنا و يهز رأسه : له أهل و لأهله جثة .. نعم ؛ الرجال الستة يحملونه إلى مسجد القصر الأنيق .. و الرجل الأحمر يشاهدهم ، يرفع كأسه و يقول لحسن :

ـ ما هذا ؟

ـ هذا عثمان !!

ـ الكرش .. ما به ؟

ـ مات عثمان !!

ـ أووووه يا حسن .. دع هذا الفم يأخذ مكانه !!

و يشير الرجل الأحمر إلى رجل طويل و نحيل و أسمر بعينين صغيرتين و عسليتين و خائفتين ، يقف خلفهما كشبح ..

يغمز الأحمر بعينيه ، ثم يطلق ضحكة ماجنة و هو يدس يده بين فخذي حسن ، يقفز حسن و تنساب دموعه .