صعقة الأمل

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : سمية البوغافرية | المصدر : www.arabicstory.net

 

همسات، إشادات، تطمينات، إغراءات... تهاني وقبلات الامتنان تطرق بابي المغلق...اسمي تصدر القصيد.. الكل يعزف اللحن بهامتي وشهامتي وشهادتي... شهادتي الجامعية عاودتها الحياة وتبسمت لي ورقصت لعيني بعدما تجمدت سنوات على الجدار... أمي تستقبل وترحب وتزغرد.. بفرحة غامرة، عزفت على أوتار أملي الموءود.. أبشر، العروض مختلفة والإغراءات متجاذبة.. سنوات وأنت تسعى إلى العمل واليوم سعى العمل إليك وأنت في فراشك.. هيا أحلق ذقنك وعطر نفسك وتزين بأجمل ما عندك وأقبل بسرعة لتمضي العقود.. بفرحة غامرة وبقلب ينضح أملا قبلت شهادتي واستللتها من قبرها.. ومددت يدي إلى لحيتي بعدما كدت أن أدخل بها موسوعة غينيس... حضنت إلى صدري شهادتي التي تحصنت بها من الضياع وهببت إلى مجلس التعاقد...

 

التهاني تزف واللحن يشدو ويعلو... وعروض العمل تنهمر من أفواه الجيران والأحباب انهمار السيول. تغسل الشهادة الجامعية وتحنطها وتدفنها. وأنا في الوسط كعريس الغفلة تائه أمام العروض الكثيرة للكسب بعرق الجبين... تصبب جسدي عرقا باردا قبل شروعي في العمل.. انقبضت أعصابي ، تشوش بصري وسمعي وتسارع نبضي. قلبي ينط ويكاد أن يخترق قفص صدري مع كل عرض، فينزف حروقا ويهرقها فوق شهادتي المخنوقة المعصورة في قبضة يدي... زغاريد أمي تعلو وتشق سمعي كأنها صراخا وعويلا تنفس بهما عن كربتها وكربتي... تنحني وتقبل الأيادي الممدودة إلى نجلها وتشير علي بأن أحسن الانتقاء وأكثر الثناء... صاحب الدجاج يعرض مهنة الترييش( نتف الريش) مقابل ستري وإيقائي من الضياع...والبقال يعرض مهنة المساعدة وإيصال قوارير الغاز وأكياس الدقيق إلى بيوت الزبائن... وبائع السمك يقترح بكرم مهنة تنظيف السمك ويبالغ فيما تدره على من أحسن الصنع من مبالغ... وجارنا الخضار يجود علي بإيصال البضاعة من سوق الجملة إلى متجره...والإسكافي يغريني بتعلم حرفة الإسكافية... وصديق الدراسة الذي اختصر المشوار يغريني ببيع الملابس مثله كبائع متجول أو بيع الببوش (الحلزون) والهندية (الصبار)...

 

ظللت صامتا صامدا أغترف دمي المهدور المسفوح بيدي المشلولة..عربدت في بصري وبصيرتي أجنحة أطياف تحوم حولي.. ترنحت وكدت أن أتهاوى وأفقد توازني وأدبي وأشجب وأندب وألعن وأسخط وأمزق شهادتي المبلولة المعلوكة في يدي وأبتلعها وأبلع حرقتها ثم أسلم نفسي طاهرا لشبح الموت الذي يطاردني في كل مكان وفي كل حين.. لم يكن يفصلني على نهايتي غير خطوتين نحو الشرفة التي استبد فضاءها بكل جوارحي.. اندفعت أتحين انفراج السواعد العتيدة الصلدة التي تقف في طريقي برائحة عرقها الخانقة ،لأسطو سطوتي..

 

صخب نداء الموج في أذني.. أرخى لي جدائله وزف إلي زوارقه... فانهمكت أعيد ترتيب أوراقي