حُمًّى البحر المتوسط .. في "هايم" برليني

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : ناجي طاهر | المصدر : www.arabicstory.net

 

حُمًّى البحر المتوسط .. في "هايم" برليني.
 

 

 

 

كان مصطفى يعاني من مرض حمى البحر المتوسط، وكان الكثير من أصحابه ممّن يتعاطون ويبيعون الحشيش، يعلمون بأمر مرضه ، فيعرضون عن أن يعرضوا عليه بضاعتهم . أو عن دعوته لجلساتهم " التسطيلية" الخاصة. ذات يوم قصد مصطفى صديقه المفضل قدري وقال له : "بدي سطّل ..أنا نفسيتي تعبانة". قدري هذا هارب من دكان أبيه في ضاحية من ضواحي الوطن العربي. ردّ الصديق موافقاً :

 

- ماشي.. ما فيش مشكلة.

 

لّفّ الصديق الماكر سيكارة من الدخان الصافي، لفّها بطريقة المحترفين موهماّ مصطفى أنها صاروخ  تعجز "الناسا" عن مضاهاته. لم يكن مصطفى في حياته قد دخن أكثر من التبغ العادي. أُشعل الصاروخ وابتدأت عملية الإقلاع. مجّة فثانية، فثالثة. طلب حينها قدري من مصطفي أن يرتاح قليلاً. مجها قدري مجّة وأعادها الى مصطفى الذى راح يقول:

 

 - انا دائخ..انا أُلّف في الأوضة .. أنا أدوخ.. .

 

- من أجل هذا ندفع ثمن هذه الحشائش الخضراء.. أستمتع بالدوخان ..و حلّق.

 

أردف قدري بمكر.  في هذه الأثناء دخل ربيع أحد الحشاشين الأصليين .ولاحظ هيام مصطفى وولولته . فسأل عن الوضع . ردّ مصطفى بثقة:

 

- نحن نحشّش يا " بضاعة ".

 

 ذُهل ربيع، و راح يشمشم ككلب بوليسي خبير.   ثم قال ساخراً:

 

- والله ؟ وهل ما تحششونه كاتم للريحة ؟ أم أنه صنف جديد؟

 

حينها همس قدري في أذن ربيع خبر الحيلة التي انطلت على صاحبنا مصطفى ؛ الذي سطّل بلا رائحة

 

 أحسّ مصطفى بالملعوب وصحى . لكن الصديقين الماكرين فرقعا ضحكة دوّت أصدائها في الهايم الذي قضى سكانه أسبوعهم على "حساب" ما جرى مع مصطفى . قرّر مصطفى وضع حدٍّ لهذا الهزل . قصد الغرفة الضبابية ، معمل البخار و" الريحة" في الطابق الثاني .غرفة أعتاد قاطنوها على حبس دخان الصواريخ الخضراء ، في قنينة يُقطع كعبها وتُغطس في قدر من الماء ، فيما يعمد المريد الى سحب الدخان المحبوس من فوهة القنينة . أكثر المدخنين لا يقوى على "شدّ " أكثر من قنينة أو نفس ، على رواية العارفين . هناك دخل مصطفى ولم يخرج .بنفسه. نُدي لقدري كي يحمله الى غرفته. مشى متهاوياً. حاول فتح أكثر من باب غير باب غرفته. كان يهذي، يبكي، يضحك.

 

 قال قدري ضاحكاً:

 

- أراك في أحسن حال، أنت طائر.

 

 - أنا حائر .. وخائر .. خدني للفراش ، أريد أن أنام . أجاب مصطفى متثاقلاً.

 

 نام مصطفى خفيفاً كريشة. على فراش أبيض، كصوص صغير في قّن دجاج. بعد قليل أتاه ظلُّ أبيه المتوفى زائراً . بعض الظلال لا تموت، تظل جاثمةً أبداً . على كواهل أبنائها وأحفادها:

 

- الحشيشة يا مصطفى!؟ .

 

 راح الظل يصرخ ويستطير غضباً فيما يبرق السكين في يده. كاد مصطفى أن يموت من الخوف والحمى المتوسطية التى راحت تشتعل في أمعائه. نهض وهو يرتجف باكياً .صارخاً:

 

- لا يا أبي، لا تقتلني .. لا!.

 

أتاه قدري، هدأ من روعه. أوقفه تحت دشّ الماء البارد بثيابه. حتى هدأ. و قال له:

 

- ما لك والحشيشة إنها ليست لك!

 

 - معك حق انا لن أعود إليها أبدا ؛ إنها تُعيد أبي من القبر. قال مصطفى موافقاً.

 

- لا !  قاطعه قدري :

 

- إنها للحق، سوف تأخذك أليه، و سوف تعيدني الى دكان أبي، والى ظله الذي هربت منه دائماً.

 

 قال قدري هذا، فيما قفل يلف صاروخاً على هذا الخبر..