مكسورة الخاطر

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : ناجي طاهر | المصدر : www.arabicstory.net

 

 
مكسورة الخاطر
 

 

 
 
 

 

عندما غادرا قريتهما، في منتصف الثمانينات من القرن الماضي ،كانت الجمال لا تزال بعد منظورة ، و معتمدةً الى حدٍّ بعيد ، كوسيلة نقل طبيعية ، يستعين المزارعون بها لنقل حصادهم أو غلّة موسمهم .
 
 

 

غير أنهما ، و طوال هذه السنين الطويلة لهما في المانيا ، لم يحدث أن شاهدا مزارعاً المانياً يجر جملاً أو حماراً ، بعد أن حزم على ظهر هذا أو ذاك ، بندك قمح أو شعير .. بعد أن خرجا من المطار يتنزها في وسط المدينة ، حيث كانا يقضيان بعض الوقت ريثما يحين موعد الطائرة ، التي ستقلهم الى لبنان ، بعد طول غياب  .

 

بالنسبة لأبي فواز ، العودة المُظفرة الى الوطن ، يجب أن تكون على الطيران اللبناني ، و هذه لا تحط سوى في فرانكفورت أو روترادم ، فأختار الثانية لقربها من مدينتهم الألمانية .

 

- صورني قرب الجمل !

 

قالت المرأة لزوجها ، بعد أن انسلت من قربه لتصطف خلف الراغبين بإلتقاط الصور التذكارية ، مع الجمل الذي بدا وحيد جنسه ، غريب أهله ، فريد عصره ، في ساحة روتردام .

 

شعر الرجل بحرج شديد و راح يلتفت يميناً و يساراً من حوله ، و قال لزوجته :

 

- أرجعي يا امرأة من عندك !

 

حدّث زوجته بصوت خافت كأنه يداري فعلاً شائناً ..

 

عادت المراة الى جناح زوجها مكسورة الخاطر ، تتبعه . محنية الرأس . فيما مضى هو يسير مسرعاً عن حلقة الجمل .

 

- ماذا سيقول الناس عنّا عندما نعود ، أننا سافرنا الى بلاد الأجانب ، لنتصور مع جمل ! أمن قلّة الجمال في بلادنا ؟ . هه !

 

قال لزوجته جاداً و محتداً .

 

لكنها تمالكت نفسها ، بعدما ابتعدا قليلاً عن الجمع و قالت تناكده :

 

- ايه ، أين هي الجمال في بلادنا ، ألم ينقطع أصلها هي الأخرى !؟ و أنت نفسك ، ألم تبع الجمل قبل أن نأتي الى هذه البلاد !؟ 

 

-  بلى ، و إن يكن ، فهذا لا يصح ، كما أن هذا الجمل أشعث و هجين ، رحم الله تلك الأيام ، دعينا ننظر الى الأمام ، هؤلاء القوم ، لم يعرفوا هذه الحيوانات يوماً ، لذا فهم منبهرون بها ، أمّا نحن ، فإنها كانت عندنا ، لذا نتطلع نحن الى ما عندهم .

 

بدا أنّها لم تسمع كل كلامه ، أو لم تفهم فحواه جيداً ، و أرسلت :

 

- لقد كان يصبر على شظف عيشنا ، و على خشونة أيامنا ، و قد كان يحمل إضافة الى حصادنا و محصولنا ، كذلك همومنا و شجوننا . الله يسامحك ! فقد كسرت بخاطري.

 

قالت زوجته كلماتها تلك متأثرة و جادة .

 

- والله يبدو أنني كسرت بخاطر هذا الجمل الهجين  أكثر منك ! فهو يبدو حزيناً بين هذه الجموع التي لا تفقه شيئاً في أمور الجِمال .